اضطراب الشعوب

أحمد ناصر حميدان
هل يُدرك الشخص المُزايد على الآخرين في قضايا الوطن، خطورة تصرفاته، واحتمال خطأ موقفه، وأن يكون عبدًا لفكرة خاطئة، وتبني مشروع يُفرِّق أكثر مما يجمع، يُلبي رغبات...
عندما تثور الشعوب لتغيير أمر ألمَّ بها وأصابها بموجع، يحدث اضطراب في ميزان التفاهم حول أفكار العقول الأربعة وهي: (العقل الجمعي الشعبوي، والعقل الجمعي النخبوي، والعقل الجمعي السلطوي، ويتداخل في كل هذه العقول العقل الفردي)، وهي التي تحكم شعرة ميزان كفتي الرضا أو السخط والهدوء أو الغضب، فيختلط الحق المستلب والباطل الشائع، وما يحضر من كذب وتدليس أمام ما يغيب من صدق وتمحيص.
التابع الأعمى للجماعة أنكرته الشرائع السماوية، فالمطَّلِعُ على القرآن الكريم يقرأ فيه قولَه تعالى عن عبادة الأصنام والتقليد الأعمى: "قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين" (صدق الله العظيم).
ولم تكن الكثرةُ يومًا مقياسًا للصواب، والجماهيرُ دليلًا للحقّ، فنرى الشرائعَ السماويةَ تذمُّ الكثرة، فنقرأ في القرآن الكريم: "وما يتبع أكثرهم إلا ظنًا إن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وأكثرهم للحق كارهون، ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين، وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، ولكن أكثر الناس لا يعلمون" إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تذمُّ «سياسة القطيع»، بل على العكس تمامًا امتدح القرآنُ الكريم القلَّةَ الواعية العاقلة التي لا تنساق وراء الجماهير دون تفكير، فنقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: "إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم، وقليل من عبادي الشكور، ثلة من الأولين وقليل من الآخرين".
يبقى العقل الجمعي كما وصفه عالم الاجتماع (إميل دور كايم) "أقوى من حرية الفرد ويتنافى معها بل يتجاوزها أو ينفيها، مما يجعل سلوك الناس سلوكًا إجباريًا".
وهي العبودية للجماعة، العبودية للفكر الطائفي أو المناطقي أو الإيديولوجي، بكل ما تحمله تلك النعرات من إرث عقيم وبالٍ وسقيم، مما يُساهم في تشكل القطيع والراعي الصنم، فنرى أمامنا مشاهد مثيرة للسخرية، كموكب الزعيم، وحراسة الزعيم، والناس تعاني وتفتقد للأمن الغذائي والأمان.

