icons
البث المباشر

آخر الأخبار

أصوات نسوية في الغناء اليمني خلال نصف قرن !!

الأحد, 18 أكتوبر, 2020

(1-2)
بعد كتبه الخمسة في الفن والموسيقى : " سعودي أحمد صالح- حياتي وفني"،و "الموسيقى والفن- مدخل ببليوغرافي" و"محمد عبده زيدي – كبير جاء في زمان الكبار" ،و"بلبل اليمن عوض أحمد"، و"فضل كريدي – فنان من بيت فن"  أصدر قبل أيام قليلة  الباحث الدؤوب الدكتور يحيى قاسم سهل كتابه السادس في هذا المضمار،وبعد إصدارات متعددة في التوثيق التاريخي لمنظمات المجتمع المدني، والسهل في القانون.

بقيتُ أنتظر هذا الكتاب قرابة عام منذ قال لي أنه بصدد إتمامه القريب، فموضوعه المهم " الأصوات الغنائية النسوية في اليمن 1950- 2000" ، وطابعه التوثيقي لسير فنانات يمنيات خضن غمار المواجهة الصلبة في ،الشمال والجنوب، مع جدار العزلة والمحافظة والتحريم خلال خمسين عاماً يغري على الانتظار، والقراءة والكتابة تالياً، وغير ذلك  إن هذا الكتاب  سيسد  نقصاً واضحاً في المكتبة اليمنية في هذا الجانب ، وإن توقيت صدوره في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ اليمن واليمنيين لهو رد بليغ على تجريفات الهوية الثقافية والحضارية التي يزاولها عصبويو المذهب والمنطقة والقرية.

الظروف القاهرة  التي أحاطت بهن كنساء من جهة، ومن جهة ثانية بامتهانهن للفن  بوصفه فعلاً مجرَّماً في الوعي المحافظ لم تمنع العديد من الرائدات منهن، في حقبة من الزمن، من لعب " أدوراً بارزة في تأدية الأغاني الكلاسيكية والحديثة، وكذا الأغاني التراثية، فأبدعن في الارتقاء بالفن النسائي، حيث قدمن نماذج نادرة وجميلة من الأغاني اليمنية الرائعة، وقد وفقن آنذاك  في إظهار النمط الفني النسائي الراقي في مجال الغناء اليمني.. لكننا مع الأسف فوجئنا باختفاء هؤلاء الكواكب، مما أطفأ وهج الإبداع النسائي في اليمن، ولم نعد نعثر على مآثرهن،  فقد اختفين إما بالزواج، أو الانشغال  ببناء الأسرة أو بالموت أو بالاعتزال" ص16

قرابة ثلاثين صوتاً نسائياً  في جنوب اليمن وشماله، قام معد الكتاب بتظهيرها في عمل تجميعي مهم للغاية،  الهدف منه كما جاء في المقدمة " توثيق الأصوات التي تحدت التقاليد الاجتماعية البالية وقيود الماضي المتخلف، وأثبتت وجودها ضاربة بكل ذلك عرض الحائط إن جاز التعبير"، لهذا تغدوا المعاينة لهذا الفعل بعد سبعة عقود  جزءاً أصيلاً من مقاربة  فعل التحول في المجتمع.

كانت هذه الأصوات، حتى تصل إلى المسامع، بحاجة إلى حاضنة ثقافية وجغرافية تساعدهن على الانتشار في ذلك الوقت  فكانت عدن، المدينة التي لعبت كوسيط تنويري مهم في الجغرافية المغلقة,  ففي حوافيها العتيقة ولدت  أبرز هذه الأصوات الغنائية ، ومن مسارحها انطلقت وخلقت جمهورها المتعطش للسماع ، وعبر أثير إذاعتها سهر الناس لسماع الغناء والطرب، ومن محلات الموسيقى فيها  خرجت الاسطوانات مشبعة بالألحان ودفء الكلمات.

(**)

الكتاب يعيد تقديم الفنانة العدنية "نبيهة عزيم"،  باعتباره أول صوت ظهر  في الجزيرة والخليج  عام 1957 في حفلة للفنان الكبير يحيى مكي،حين غنت له أغنية " ياناسي هوانا" ، وهي بذلك تصير أول فنانة يمنية تظهر على المسرح لتغني، ويستتبع حضورها هذا انقساماً في المجتمع ، ابتداء من نقد ظهورها سافرة الوجه في المجلس التشريعي، وانتهاء بغنائها على المسرح أمام الجمهور.

قيل أن مدينة عدن كانت تسهر لتسمع صوت ابنتها الدافئ، والذي انتشر مع أغنية (ياللي غرامك زاد) من كلمات وألحان الشاعر لطفي جعفر أمان، قبل أن تغني أغنيتها المشهورة " أنا أنثى عربية" من الحان الفنان الراحل محمد مرشد ناجي في بداية مشواره، لتصل ذروتها مع أغنية "يا ساحر يا هاجري"، ودويتو"يا زين يا زين بفديك بالعين " مع محمد صالح همشري، الذي لحنه أبوبكر سالم أثناء إقامته العدنية مطلع الستينات . حسب نجمي عبد المجيد في كتابه "عدن ذاكرة  التاريخ- 2019" فقد فتحت نبيهة عزيم الباب واسعاً أمام الصوت النسائي الغنائي في عدن، وكانت أكثر تأثيراً على فتحية الصغيرة ،ورجاء حامد، وفوزية علبي، وأم الخير عجمي، ورجاء باسودان، وصباح منصر وغيرها من الأصوات الغنائية النسوية .. انتهت رحلة "نبيهة عزيم"  مع الغناء والطرب بعد ان تزوجت، وانتقلت للإقامة في جيبوتي في العام 1962.

(**)

ظهرت الفنانة رجاء باسودان أول مرة مطلع الستينيات ضمن فريق غنائي نسوي من ثلاث  فتيات من مدينة كريتر شكلَّه الموسيقار أحمد ابن أحمد قاسم، وأسماه "الثلاثي اللطيف"، وضم إلى جانبها " أم الخير عجمي وصباح منصر" وبدأت شهرة الفريق مع أغنية " يوم العيد" التي لحنها أحمد قاسم، وكانت تبث من إذاعة عدن في الأعياد.

يقول عبد القادر خضر أن والد الفنانة رجاء هو الشخصية المرحة والشجاعة والعنيدة عبد القادر باسودان، الذي وقف بكل صلابة إلى جانب خيار ابنته الشابة  وموهبتها الفنية في وجه العائلة في حضرموت وعدن،  التي رأت في احتراف ابنتهم للغناء خروجاً فاضحاً على التقاليد الاجتماعية.

في إحدى المرات رفض الجمهور مغادرتها المسرح حتى أعادت، ولثلاث مرات متتالية،  أغنية الفنان السوري المعروف وقتها  فهد بلان " يا بنات المكلا" وهي الأغنية التي أشهرتها في عدن كلها ،فصار لها جمهورها الخاص في المنطقتين المتنافستين في عدن وقتها " الشيخ عثمان" و"كريتر" ، وفي ذروة الانقسام الفني في المدينة بين محبة المرشدي في الشيخ، ومحبة احمد قاسم في كريتر، ويقال أن رجاء عملت بأغانيها على  إنهاء مقاطعة جمهور المرشدي لحفلات أحمد قاسم التي يحييها مع رجاء في كريتر، تماماً مثلما عملت على انهاء مقاطعة الجمهور القاسمي لحفلات المرشدي التي يحييها مع رجاء في الشيخ عثمان.

"عرف  عنها تنقلاتها بين رياض الألحان اليمنية المتعددة والمتنوعة.. والأهم في الأمر أنها كانتحريصة على تقديم الأغنية الموضوعية الهادفة ذات المدلول والمعنى والغرض السامي الإنساني النبيل ،وسعيها –دوماً-  إلى توظيف موهبتها وإمكانيات صوتها في سبيل ذلك ،وللتواصل مع جمهورها الذي بادلها الحب والتقدير والاحترام مباشرة دون وسيط إعلامي أو ترويجي،  بعيداً عم بهرجة أزياء الموضة وتقليعات الكوافير والمكياج " كما يذهب إلى ذلك صالح حنش – صحيفة الأيام - يوليو 2008

ومن أغاني رجاء باسودان " حبيبي له جمال سبحان اللي خلق– خاف الله وارحم – بس أنا سبتك خلاص – دق القاع دقه لا تجهب ولا-  أحبك أحبك– داري هواك- قولو له ليش مايكلمنا– من علمك يا كحيل العين – أنا اتحداك تتكلم صراحة – يافوج يايماني – ذي مايباني مره" وغيرها من الأغاني.

(**)

ابنة  أسرة "فقيه" الفنية في حافة القاضي  بكريتر  الفنانة " فتحية الصغيرة"  واحدة من الأصوات الغنائية النسوية التي وثق الكتاب لتجربتها بالاعتماد على محتوى مادة مطولة عنها كتبتها الصحفية " سلوى صنعاني" في صحيفة 14 أكتوبر في يناير 2007 . ولدت فتحية  في العام 1946 لأسرة فنية معروفة .. أبوها قبطان أعالي البحار  الشيخ محمد فقيه عبد الرحمن، كان لديه مبرز فني " مقيل قات" أسفل مسكنه يستقطب رواد الفن والطرب في المدينة وقتها، مثل الفنان يحيى مكي ،ومحمد صالح همشري، و أبوبكر سالم بلفقيه، وعبد الرحمن باجنيد، ومحمد سعد عبدالله ، والمبارز كانت آنذاك حسب الأستاذ عبد الله فاضل فارع " ليس مكاناً لمضغ القات فقط  بل عبارة عن منتديات ومجالس للعلم والثقافة والحوارات الأدبية والفكرية، وكانت الفنون الغنائية والموسيقية لها حضورها في تلك المبارز، وكان لكل مبرز فنانوه ومطربوه " ص8  وكان الأب الشغوف بالفن  يحتفظ بعشرات الأسطوانات الغنائية المصرية والهندية والكويتية، التي كانت الصغيرة تستمع إليها وتحفظ العديد من أغانيها، وتحفظ أيضاً عديد أغاني  لعبد الوهاب وأم كلثوم وكارم محمود  وعبده السروجي وفريد، كانت تصدح بها اسطوانات الجار محمد الجيزاني .. أخواها الفنانان حسن وحسن فقيه لعبا دوراً مهماً  في تبني موهبتها الفنية مبكراً، حينما سمعاها ذات ظهيرة وهي تشدوا بأغنية " مظلومة يا ناس"، فطارا بها الى منزل علوي السقاف في شارع الملك سليمان، والذي كان وقتها ينقب عن المواهب الجديدة وتقديمها في برنامجين مختلفين في إذاعة عدن, وهذان البرنامجان " ركن الهواة " و"عالم الأطفال" ومنذ اللحظة التي استمع فيها لصوتها كانت " فتحية الصغيرة"  تخطو أولى الخطوات في عالم الغناء .


وحين بلغت الثانية عشرة من العمر سجلت مجموعة من الأغاني منها أغنية " ليه تباني أنساك وأنا قلبي مبتلي" وأغنية " يا غائب كم باتغيب" وأغنية  " أحبك مهما تتكبر"  من الحان أخويها حسن وحسين فقيه وأغنية " حائر وحبك محيرني" من الحان أبوبكر سالم . ستنفتح لها أبواب الانتشار سريعاً بعد ذلك، وستتعزز أكثر بعد ارتباطها بالفنان احمد قاسم، ليشكلا ثنائياً فنيا رائداً ليس على مستوى جنوب اليمن وشماله وإنما في الجزيرة والخليج.

(**)

رحلة الفنانة نبات احمد العماري" نبات أحمد" مع الغناء في مجتمع مغلق  اختزلها حوار طويل أجراه معها في العام 1998 الصحفي صالح الحميدي، ونشر في الجمهورية الثقافية، تحدثت فيه بتلقائية وعفوية  بدون تصنع, عن إصرارها على تسجيل أغنية برفقة أختها روضة أحمد رغم شهادة غيرها من الفنانين الحاضرين برداءة صوتها .. وحده الفنان محمد العوامي من راهن عليها  ووقف إلى جانبها وأصر على أن تسجل الأغنية .

تتحدث عن  معاناتها الأولى بقولها حينما علم أبي أني وأختي روضه نغني قام بحبسنا لثلاث أيام بعد أن ضجت الأسرة والأهل  من هذا العمل ،لأن الغناء محرم وصوت المرأة عورة، وقد عملت الأسرة بكل ما تستطيع لمنعنا من الغناء، ووصل إلى حد مقاطعتنا  غير أن إصرارنا كان أقوى من رغبتهم. بدأت الغناء وعمرها اثنتي عشر سنة، وأول  أغنية  شعبية عرفها الجمهور  بها كانت تقول " فيني وفي روحي وفي عيوني مابترك الحالي ولو موتوني"


سجلت لها شركة المكاوي بعدن  أول اسطوانة وفيها أغنية " يا ريم صنعاء يا نظر عيوني"  وبعض الأغاني التراثية، ثم كتب لها صالح مفتاح أغنية من الحان أحمد تكرير " في أعز الليل أنا أمسيت سهران" ..


تزوجت من الفنان أحمد صالح الأبرشي، الذي أراد احتكارها  بكتابة الأغاني  وتلحينها، وأثناء إقامتها في السعودية معه كان يغلق عليها باب الشقة، من شدة غيرته عليها، فلا تجد أمامها من تسلية سوى الدندنة على عوده، وحين  كان يعود إلى الشفة  ويراها ممسكة بالعود  تعزف وتغني أغاني لفنانين معروفين بدأ  بتعليمها العزف،  وكان يقول لها أنه سيعلمها العزف المتقن  ،حتى لا يعزف لها أي شخص غيره  حتى وهو ميت.. حسب قولها في الحوار.


بعد سنتين من وفاته بحادث سير عادت إلى الغناء هذه المرة مع فرقة نسائية  تسمهن " مجاوبات" واحدة تعزف على الإيقاع والثانية على الدف، يجبن المحافظات لإحياء حفلات الأعراس  ويسجلن  للإذاعة و التلفزيون، قبل أن تتزوج هذه المرة في تهامة من ابن شيخ قبلي  وتتوقف عن الغناء بطلب من زوجها، الذي سمح لها فقط في إحياء الحفلات النسائية، دون أن تظهر على الجمهور ،و لا في التليفزيون أو تسجل للإذاعة . لكنها بعد ثمانية عشر سنة من المنع ستعود للجمهور من جديد، في تحدٍ جديد للذات.

( يتبع)
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المقال خاص بالمهرية نت