icons
البث المباشر

آخر الأخبار

عبدربه وشرعيته والتاريخ ... أين باستطاعتنا أن نجد البديل !؟

الاربعاء, 01 يوليو, 2020

كان باستطاعة شخص، في تاريخ اليمن المعاصر، مثل عبدربه منصور هادي أن يصير رمزً شعبياً كبيراً يُخلِّده الزمن مثل أي زعيم لديه مشروع كبير ، لكنه أرتضى أن يبقي كائناً ضعيفاً هلامياً ، لا يملك قراراً حتى داخل دائرته المقربة والخاصة. كائنٌ لا يرى من التاريخ سوى كمية المنافع التي سيدرَّها له ولعائلته موقع الرئاسة الذي شغله بالمصادفة.

مئات الفرص التي سنحت له، ليستبدل صورته المتهتكة بأخري ناصعة، غير أن تكوينه النفسي والثقافي وضعفه المستدام ، دائما ما يفرض عليه البقاء في مربع الخادم المطيع . لم يبادر الى التخلص من هذه العقدة الكبيرة التي ابتدأت مع اختياره من قبل على عبدالله صالح نائباً له باسم الجنوب بعد جائحة 1994، التي صنعت أولى علامات الهتك في المجتمع ،وحتى استخدامه من قبل السعودية كواجهة لتمرير مشاريعها التفكيكية في البلاد ، في حرب عبثية لا همَ له منها سوى مراكمة الثروة التي ستتنعم به عائلته من بعده .

هتفت الجماهير بإسمه وظنت أنه منقذها من الجحيم والتشظي، بررت له طويلاً وبقيت تراهن عليه ، حتى وهي تراه يخذلها في كل منعطف، ومع ذلك لم يزل مصراً على بيعها الوهم، متمسكاً بالكرسي ، بذات فلسفة على صالح وعقدته التاريخية.

البلاد تتفكك ، نسيج المجتمع يُهتك، الشعب يعصف به الجوع والمرض والكوارث من كل اتجاه، وهو هناك قابع في قصره مستسلما لأوامر ضباط الاستخبارات السعودية الذين يضبطون إيقاع حياته ، وراضخاً لنفوذ الحزب الذي يسيِّر مكتبه ، والأهم متغاضياً على فساد أبنائه ونفوذهم داخل شبكة المصالح العابرة لكل الحدود المناطقية والمذهبية .

يصنع ،هو وإدارته الفاسدة ابتداء من نائبه وصولاً الى أصغر وكيل تتكفل المالية السعودية بصرف مرتباته بالدولار ، من خصومة الانقلابيين " الطائفيين والعنصريين " أبطالاً وطنيين ،حتى وهم يمارسون أبشع صور الإستبداد والتنكيل والفساد بحق معارضيهم وخصومهم السياسيين ومخالفيهم المذهبيين .

سلَّم مفاصل سلطته الرخوة في المناطق التي لا يسيطر عليها الانقلابيون الحوثيون وسلم معها الجيش لمجموعة من الضباط والمتحزبين الدينيين الموغلين في فسادهم ونهمهم في جمع المال، يراكمون ثرواتهم من الإتجار بمواد الاغاثة ومشتقات النفط والعملة ، وسلَّم حزباً خزانة قرارات الدولة، في أفعال لا يمكن تبريرها الا بضعفه وإذعانه.

(2)

قبل قرابة عامين من الان " سبتمبر 2018" كتبت تحت عنوان "عظم الشرعية وخابور التحالف " عن العلاقة الملتبسة بين الشرعية والتحالف انطلاقاً من المثل الشعبي اليمني الرائج الذي يقول " عظم بحنجرة... لا تستطيع بلعه ولا تستطيع نجعه " ،وهو في الأصل تكثيف رمزي بالغ الدلالة لمعنى الإصابة بمخنق.

هذا المثل صار، أكثر من أي وقت مضى، مُفسِّرا حالنا مع الشرعية، التي لم نزل نعوِّل عليها في مسعى إستعادة الدولة وتجبير شروخ المجتمع ،التي أنتجتها سنوات الأزمة والحرب. غير أن هرولة السنوات بهذا البلد المنكوب نحو المجهول، دون ان تُشعِر الشرعية ـ رئاسة وحكومة ـ مواطنيها بقدرتها على إستعادة زمام المبادرة في إنهاء الحرب بالحسم أو التسوية الشجاعة ، تجعلنا لا نثق بانفراجة قريبة لهذا الوضع، الموغل في العتمة والرداءة.

كم الفساد الهائل في جسم الشرعية بسبب إعادة تدوير رموز النظام السابق، و إعتمادها مبدأ المحاصصة والترضية السياسية ،وإحتكار الوظيفة العامة لإستخدامها في شراء الولاءات ـ بذات فلسفة نظام صالح ـ والأهم من ذلك ضعفها وترهلها، يجعل من مسالة الذهاب بعيداً معها أمراً لا يُحتمل ،وفي الوقت ذاته تصير مسألة التخلِّي عنها في هذا المنعطف او إسقاطها من حسابات الأمل، ضرباً من المستحيل، لأن البديل هو الجحيم بعينه، وبسبب هذا المآزق غدت هي العظم القاتل في حياتنا، وليس في حناجرنا فقط.

التقاطها للشعور الجمعي بحاجة الناس اليها، هو الذي سهَّل على رموزها وتركيبتها الفاسدة استخدام مبدأ المخاتلة بشعاراته الأخلاقية والوطنية لإبتزاز الجميع، والا ما معنى أن يصرِّح وزراء فاسدون في الحكومة أن حالة الحرب والفوضى تعيق اقامتهم في الداخل ،وتعطِّل إنجاز مهامهم ، وهم في الأصل لم يصححوا أوضاعاً ادارية بسيطة في مرافقهم والمؤسسات التابعة لهذه المرافق .

أوضاع لا تتطلب جهوداً خارقة لإصلاح اختلالاتها ، وتتطلب قليلاً من النزاهة والشفافية والإحساس بمعاناة الغير، حتى تصير الأمور على ما يرام. او التحجج بأن الخطوط الحمراء التي تضعها الدول العظمى تُعطِّل مسالة الحسم العسكري في مناطق هي ساقطة في الأصل، لكن الاستثمار في هذه الفزاعة وفي معاناة المواطنين الواقعين تحت الحصار، هو المشغل الفعلي لطبقة الحرب، التي تخلقت في هذا الجسم المترهل، وأبطالها من قيادة الصف الأول فيها.

أثبتت سنوات الجحيم إن إدامة الحرب هي "مغنم فاجر" عند قادة عسكريين فاسدين ،تاريخهم معرَّى عند الجميع ، لأن تجارة السلاح وقوائم الجنود الوهميين وإعاشاتهم هي البوابة الواسعة لثراء هؤلاء القادة وسطوتهم . وهي بالمقابل عند الوزراء وشاغري الوظيفة العامة بحبوحة العيش و رغدِه، الذي توفره المرتبات العالية بالدولار ومخصصات النقد المحلي التي لا رقيب على أوجه إنفاقها ، فمن منهم مثلا سيساهم في إيجاد معالجات جادة لإنهيار العملة المحلية ، مادامت فوارق سعر الصرف تصب في مصلحتهم، إن لم تكن الأزمة في الأصل قد تعاظمت بمساهمة فاعلة منهم.

ولأن الحديث عن الشرعية بفسادها وترهلها لا يستقيم دون الحديث عن التحالف الذي يقول أنه تدخل لإعادتها ـ القرين بالقرين يذكرـ فالأخير صار بعد سنوات من التقاتل جزءاً من المشكلة بسبب الحسابات المعقدة التي تحرِّك دوافع أطرافه في الحرب، فالدور الطبيعي الذي كان من المتوجب ان تضطلع به القوة العسكرية الثانية في التحالف " الامارات العربية المتحدة" ،في مناطق الجنوب على سبيل المثال، كان في تعزيز حضور المؤسسات وبسط نفوذها على الأرض كخطوة على طريق استعادة الدولة ، لا أن تُعيقها بإيجاد كيانات معطلِّة ، تستخدم شعارات سائلة غريزية مشبعة بالكراهية والعنصرية في تفخيخ المجال العام ونشر الفوضى. لهذا تحوَّل حضورها، في المناطق التي باتت تعرف بالمحررة، من صاحبة "دور" في الحل الى صاحبة "نفوذ" ومطامع لم تعد خافية على أحد . فصاحب الدور يبحث عن الشراكة، و يشترط وجود الآخر، اما النفوذ فليس أكثر من استتباع واستلحاق، زبائني ريعي يشتري الرقبة والقرار، يهمّه الوصول إلى هدفه، صاحب النفوذ براغماتي جدًّا ومسكون بهاجس الإمبراطورية. كما يقول "هاني فحص"

اما السعودية "قائدة التحالف" فلم تزل تعمل باستراتيجيتها البالية في التعامل مع المشكلة اليمنية من زوايا الاستتباع ، التي تتأسس على إضعاف الجميع، ليسهل على لجنتها الخاصة وأجهزتها إدارة ملف الدولة الجارة الفقيرة والضعيفة دون مشقات كبيرة. وإن خوضها للحرب في الأصل كان لحسابات خاصة بأمنها القومي والتوازنات الإستراتيجية في المنطقة وإن شعار إستعادة الدولة وإعادة الشرعية ليس الا واجهة لحرب يخوضها حلفاء الوكالة ، ويدفع أكلافها الباهظة الضحايا المدنيون والنازحون الفقراء.

إصرارها على تمكين حلفائها التاريخيين المُعقين لبناء الدولة منذ ستة عقود ، من إسلاميين "بتدرجاتهم اللونية" ورموز قبلية وعسكرية ، لا يقول سوى أن الجارة ماضية في سياساتها التدميرية لكيان الدولة ، وليس في حساباتها أن يكون لليمنيين بلاد متعافية مستقلة بقرارها السياسي ، تديرها حكومات قوية و حكام غير مكبلين وغير مرتهنين)

بعد قرابة عامين مما كتبت سالت في المجرى مياه كثيرة ، ومنها مياه عكرة جرفت معها كل أوهامنا بصلاح الشرعة وإصلاحها، لتاتي الأحداث الأخيرة في الشرق والجنوب والوسط و سقطرى لتقول أن البحث عن شرعية أخرى خارج معادلة الملشنة ، وحسابات رعاة الحرب هو المخرج الحقيقي من هذه الورطة.

وفي هذا البحث لا يمكن التعويل على أسماء أو مكونات في بنية الطبقة السياسية الفاسدة في الشمال والجنوب التي استثمرت في أقوات الناس ودمهم لأعوام ستة، وليس أمامنا غير تقوية الحركة المدنية التي لا تصطف على متارس المتحاربين ، وغير تلك الحركة "الدكاكينية" التي عملت طوال سنوات الحرب كوسيط لوكلاء الفساد في الهيئات والمنظمات الدولية في بيع الوهم باسم الاستجابة الإنسانية ، وتوزيع السلل الغذائية على الفقراء والنازحين ومتضرري القتال الأهلي وحسبت قيمتها على المانحين بأسعار خيالية تفوق أسعارها في دكاكين الحواري القصية بمرات.

الحركة المدنية هي ذلكم الصوت الجديد والشاب المستقل ، الذي لم تجرده الأحزاب بعجائزها المذعنين من ضميره الوطني، ولم تلوثه الاصطفافات المناطقية والقروية والطائفية والجهوية بقاذورت ما قبل العقل والتعايش، ولم تغرقه السلطة في مستنقع الفساد.
قد يقول قائل هذا ضرب الوهم والأمنيات الخائبة ، بسبب التخريب الممنهج لوعي المجتمع من قبل نظام الحكم طيلة عقود، والذي حوَّل الجميع الى كتلة قدرية مذعنة ومستسلمة لقهر القوة.
لكنا نقول أن القوى المدنية التي نؤمل فيها هي تلك التي لم تكن في الأصل جزء من المعادلة الميليشاوية في بنية الحرب ووظيفتها التي يستثمر فيها اللاعبون كل طاقاتهم في انتزاع المكاسب على الأرض ، وهي الموجودة أيضاً في الصوت الحقوقي ، الذي لم يزل قادراً على تعرية المتحاربين وإنتهاكاتهم وفسادهم وعنصريتهم فيما يرفع وينشر من تقارير وقضايا مبنية على وقائع موثقة.
وموجودة في الكتلة المحيَّدة من المثقفين والكتاب الذين لم يبيعوا أقلامهم في سوق شعارات الوهم، ولم يزالوا يرون البلاد بغير عيون الضغينة والثأر والتكسب.

موجودة في الصوت النسوي ، الأكثر تضرراً من مشاريع التمييز والهتك والاضطهاد التي يقودها تجار الحرب ورعاتها ومسيروها على الأرض من قوى ظلامية تتستر بالدين والتقاليد وأحياناً بالحداثة.
موجودة في أوساط العمال الذين زاودت باسمهم طويلاً كيانات نقابية فاسدة، كانت ، ولم تزل ، تعمل لصالح أرباب العمل المُستغِلين أكثر من الدفاع عن حقوق العمال أنفسهم ، وتحسين شروط مزاولة المهن والتأمين الصحي عليها .

موجودة في أوساط الطلاب الذين أراد المتحاربون تحويل مدارسهم ومنشاءتهم التعليمية وجامعاتهم الى ثكنات عسكرية وسجون تعذيب أو الى أطلال وأثر بعد عين ، وتحويل مناهجهم الدراسة الى حصة تلقين طويلة للكراهية والعنف والتنمر ضد الآخر المخالف ثقافياً وسياسياً للقوى التي صاغت مثل هذه المناهج.


المقال خاص بموقع "المهرية نت"