آخر الأخبار

ما الذي تبقى من صنعاء؟! .. تتبعٌ لانفتاحٍ واحدٍ وأكثر من انغلاق !

السبت, 13 يونيو, 2020

حينما دخلها الإمام يحيى في نوفمبر 1918، وتسلَّم فيها جميع ما كان ملكاً لولاية اليمن من معدات ومدافع وأسلحة وذخائر مقابل ماله من أموال وديون ، بصفته وريث الدولة العثمانية ، كانت صنعاء لم تزل تحتفظ بقيمتها الرمزية كعاصمة ،عمل العثمانيون على مدِّها ببعض مظاهر التمدن "  مجالس شعبية ومستشفى وأسواق ومدارس صنائع مطبعة  وسلك ومكاتب تعليم" ، لكنها رويداً رويداً بدأت بالانكماش والانغلاق، ومظاهر التمدن القليلة بدأت بالتآكل إما برفضها من قبل عقلية الحكم المتشددة بعدائها لمظاهر الحياة العصرية ، أو بعدم تطويرها وصيانتها، لأسباب تتصل ببخله وشحه.

أشرت في موضوع سابق حمل عنوان "حينما تعيد الحرب إنتاج صيغ اخرى للهامش" الى أن " السلطة الجديدة بنزوعها الديني المتشدد ، والتي كانت تتباهي بإدارة أول دولة عربية  مستقلة، عمدت منذ أيامها الأولى الى تفكيك البنية الحديثة لنظام الإدارة وحداثة الوسائل، على محدوديتها،  التي قام بها المحتلون العثمانيون في وجودهم الثاني في اليمن، مثل مدارس الصنائع ومكاتب التعليم  والمستشفيات والأسواق الحديثة، فحوِّلت المستشفى ،التي أديرت بطاقم فرنسي منذ ستينيات القرن  التاسع عشر، إلى قصر للإمام يحيى  ونُقلت المشفى الى اصطبل للخيول، ومدرسة الصنائع تحولت إلى مخزن للحبوب، والمكاتب المدرسية إلى كتاتيب، أما الشارع الرئيس في المدينة القديمة ، الذي كان يربط الميدان بسوق الملح وكان يعرض بحوانيته الجميلة بعض التجار اليونانيين ،الذين جاؤوا إلى صنعاء بعد حفر قناة السويس، سلع أوروبية راقية من الأدخنة والمشروبات والمعلبات والملابس - كما يذهب إلى ذلك الإيطالي "رينزو مانزوني " في رحلته إلى صنعاء أواخر ستينيات القرن التاسع عشر-  فسُدَّتِ بعض واجهات حوانيته  بالأحجار، وأكثرها تحولت إلى مخازن وعرائش للبهائم . حينما وجدت هذه السلطة نفسها  تسبح عكس مجريات العصر حاولت التخفيف من العزلة السياسية ، التي وضعت البلاد تحت ضغطها، بتوقيع معاهدة مع الطليان منتصف العشرينات في ذروة التنازع مع حاكم عسير محمد الإدريسي المدعوم من بريطانيا وحليفها  ابن سعود، وأقامت علاقات ديبلوماسية باكرة مع دولة الاتحاد السوفيتي في العام 1928  ، قبل أن توقع " مكرهة" معاهدتين سياستين  مع ابن سعود شمالاً ومع الإنجليز جنوباً في العام 1934 ، بعد خسارة جيشها حرباً  قصيرة مع الجارة ،واستعصاء تمددها جنوباً وسقوط ورقة مطالبتها بضم المحميات إلى كيانها، حين غيَّرت الطائرات الإنجليزية معادلة الحرب لصالح الدولة الاستعمارية ، التي لم تكن تغرب عنها شمس القوة."

ما أردت  الوصول إليه من هذه الإشارة هو القول أن صورة مختلفة  ستتخلق  في وعي مثقفي المركز حيال شكل السلطة وأدوات تسييرها في المركز المغلق، والأهم وقوفهم على هذه التراجعات والانهدامات في حياة المجتمع ، وستقودهم أفكارهم التنويرية،  المتعارضة مع الخطاب الرسمي،  إلى السجون العتيقة في "الرادع" و" القلعة"، أما تراكمات هذه الأفكار الجديدة ستقود بعد سنوات إلى تشكُّل  صوت المعارضة السياسي الذي سينفجر أول مرة في شباط  1948 بعد مقتل الإمام يحيى ، كمحاولة كبرى للتغيير داخل بنية الحكم. هذا الانفجار سيعرف تالياً في الأدبيات السياسية  بالثورة الدستورية ، التي انطفأت  بعد أقل من شهر من تفجرها ، لأسباب مختلفة -  يتعذر مقاربتها في هذا الموضع - المدينة التي أغلقها الإمام الطاعن لثلاثين عاماً فتحها إمامٌ جديدٌ، متعطش للحكم ، أمام ألوف من المسلحين القبليين الذين جمعهم من شمالها ومحيطها للثأر لـ"إمامهم الشهيد " ، فلم يُبقوا ، في فتحهم هذا  ، إلا غباراً أصفر يغطي سمائها ، وريحاً تصفر في أرجاء مساكنها وأسواقها ، كنست معها الأمل في التغيير ولو في إطار بنية الحكم  نفسه.

الإمام "احمد" المتعطش للحكم بالدم لم يستقر فيها ، واختار مدينة تعز مقراً لحكمه ، بعد أن أمضى بها تسعة أعوام حاكماً وولياً للعهد بعد تخلصه من خصمه علي الوزير ، وكان يقول إنها تثير فيه الحزن لمقتل أبيه، غير أن السبب في اختياره لتعز مقراً لحكمه هو قربها من مدينة عدن التي كان يتحصن بها معارضوه ، وليسهل عليه الحيلولة دون إنتاجها لحالة تماس تحديثي مع المدينة العصرية وحوافها القريبة من أرياف تعز.

ترك صنعاء لإخوانه السيوف  ومركزاً رمزياً لحكومة تُدار بمزاجه المتقلِّب ، فكانت تُوسِم الأصوات التي ترتفع فيها  ناقدة  للوضع المتردي  فيها بالدسترة ، وصار انغلاقها هذه المرة مُسبَّباً لدى السيوف المستبدين ،الذين حملوا قدراً كبيراً من الغيرة من أخيهم الكبير.

هذا الوضع لم يستمر طويلاً، إذ بدأت حمى التنافس داخل بيت الحكم تكبر، وبدأت عيونهم ترنو صوب " صالة وعرضي "  تعز حيث مقر الأخ - غير المحبوب -  فكانت حركة 55 ، التي سعت للتغيير في إطار بيت الحكم من جديد ، ومن جديد  أيضاً سيكون الإمام قادراً على المناورة لإبطال هذه الحركة وقادراً أيضاً على التخلص  من أقوى خصومه من إخوانه  السيوف " عبدالله والعباس" ، ممهداً بذلك  طريق ولاية العهد لنجله محمد البدر.

خرج الإمام من هذه المعركة منهكاً سياسياً وصحياً، وغدت طريقته التقليدية في إدارته للبلاد تصطدم بجملة التحولات الجديدة التي شهدتها المنطقة ابتداء من العام 56 - تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي وصولاً إلى الوحدة المصرية السورية في العام 1958-   لهذا تعين عليه إعادة تموضعه من جديد داخل النظام الاقليمي الذي بدأ بالتشكل، فعمل ومن خلال نجله البدر على  تقوية علاقته بعبد الناصر فصار يُقدَّم البدر في المحيط والداخل أيضاَ بوصفه رجل تحديث ودبلوماسية منفتحة، بعد أن استطاع إقناع والده بالدخول باتحاد فيدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة.

الخطوات التي أقدم عليها في الانفتاح على الخارج، أثمرت قليلاً من المشاريع التنموية مثل إنجاز ميناء الحديدة بدعم سوفيتي ، وتنفيذ طريق صنعاء الحديدة بدعم صيني بالإضافة إلى صفقة أسلحة سوفيتية وشرق أوروبية، لهذا نعتته السعودية  بـ"الأمير الأحمر" لقربه من عبد الناصر، وحتى المراسيم  التي أصدرها  بعيد تنصيبه إماماً  في العشرين من سبتمبر1962 ومنها إعلانه العفو السياسي وإلغاء نظام الرهائن ، لم تكن كافية للحيلولة دون انفجار ثورة سبتمبر وإسقاط  نظام الحكم الامامي.

صنعاء التي انغلقت لأزيد من أربعة عقود، بدأت تتقبل انفتاحاً جديداً على داخلها اليمني ومحيطها الإقليمي  بفعل المتغيرات الجديدة ، إذ ستستقبل ألوف الشبان القادمين من الأرياف ومدينة عدن للدفاع عن حلمهم ، ولن تخذلهم هذه المرة، كما فعلت بمجموعة الفدائيين الذين وفدوا إليها من عدن في 1948 للدفاع عن الحركة الدستورية . وستستقبل جيشاً مصرياً للدفاع عن ثورتها ، وخبراء من بلدان مختلفة يسابقون الوقت لإعادة دمجها في العصر من خلال تحديث ادارتها وتصميم مشاريعها التنموية.

خلال خمسة أعوام - سبتمبر 62 ونوفمبر67-  عاشت صنعاء حالة  مختلفة  في سباقها هذا ، لكنها في ذات الوقت كانت تعيش حالة كاشفة من اللاتوازن ... توق  في داخلها لعملية التحول والتمدن والاندماج ، ومحيط قبلي صلب يريد إبقائها حاضنة لمنزعه المحافظ المغلق العصبوي  المُسيطِر.  لهذا حين أكمل المحيط القبلي حصاره الخانق عليها من جميع الاتجاهات والمنافذ، بعد خروج الجيش المصري من اليمن ، بغية إسقاطها وإعادة الملكية الإمامية إليها مطلع العام 68 ، كان لابد أن تجد من ينتصر لحلمها الجديد ،  فوجدته ليس في الخارج الساند ، بل في في كوكبة من الشبان من كل أرجاء اليمن ، ذادوا عنها و دافعوا عن حلمها/م فكان الانتصار بيد هؤلاء الذين لم يخذلوها ، بعد أن غادرها الرئيس الارياني وكبار ضباط الجيش وقادته ، ولكنهم حينما عادوا ، لقطف ثمار الانتصار الكبير ، عملوا بكل الوسائل لتفكيك هذه الكتلة الثورية اليمنية الحية بدواعٍ مناطقية وطائفية صرفة في أغسطس 1968، ممهدين الطريق لمصالحة سياسية واقتسام سلطة  برعاية سعودية ، بعيداً عن رموز المشروع الجمهوري الصريح الذين حسبوا على مصر. هذه الخطوة أعادت صنعاء كعاصمة ، وبقية مناطق الجمهورية العربية اليمنية ،  إلى المساحة الرمادية  التي حاولت حركة " 13  يونيو التصحيحية" بعد سبع من السنين بقيادة الرئيس الحمدي  إخراجها من هذه المساحة ، لكن قوة التكتل المحافظ الصلب الموالي للسعودية أحبط هذا المشروع بتصفية رمزه الكبير الحمدي في 11 اكتوبر1977.

خلال ثلث القرن التالي بين 1978 و2011 ، وهي فترة حكم علي عبد الله صالح، اُعيد صياغة وهندسة صنعاء بوصفها مركزاً للحكم ، لتتوسع وتنمو وتلتمس من حداثة الوسائل  أكثر من غيرها ، وعلى حساب مدن وحواضر مهمة مثل عدن درة البلاد.

كان بريق صنعاء يسطع ويجذب إليها سكان المناطق اليمنية الفقيرة في موجات هجرة داخلية غير منظمة، ترتب عليها ضغطاً على الخدمات الشحيحة ، واتساع  رقعة العشوائيات وأحزمة الصفيح.. فكان مقابل المدينة الجاذبة يتكشف ريفاً طارداً ، وحواف حضرية تتأكل.

ولأن الفساد كان ولم يزل  أهم سمات هذا النظام  فقد أفضى  خلال سنوات قليلة إلى إنتاج هوَّة مهولة بين طبقتين صريحتين ، الأولى مستأثرة صغيرة متشكلة من نخبة الحكم- عسكر ووجهات قبلية ودينية وكبار الموظفين-  متشابكة المصالح مع الرأسمال الطفيلي الذي يتاجر بكل شيء، والثانية  منهوبة كبيرة  فقيرة كثيرة العدد والتكوين، تزداد قاعدتها الإجتماعية اتساعاً وفقراً بمرور الوقت وتغوُّل الفساد.

الفساد الذي تغلغل في بنية المجتمع ووعيه أصبح ورماً مزمناً وعصياً ، وقاد النظام إلى انفجاره من الداخل وانقسامه  رأسياً  على حساب ثورة فبراير2011، وعلى حوافه وفي كثير من محطات عمقه تشكلت تحالفات  داخل البنية التاريخية للحكم في الشمال ، أدى إلى بروز قوى جديدة داخل المكون الزيدي بصيغته الهاشمية الامامية ، استفادت من كل التناقضات في الداخل والإقليم لتصير سلطة حكم جديدة منذ خريف 2015.  سلطة غشومة ، تخلصت من كل حلفائها بذات مسلك الثورة الخمينية . سلطة تعيد إنتاج ذات المفاهيم الإنعزالية التي أسست لها سلطة الإمامة في اليمن المعاصر منذ قرن – أي منذ دخول الامام يحيى صنعاء-  ولن يكون الإستحواذ على الوظيفة العامة والموارد بإصدارها لقانون الزكاة بتبعاته التميزية العنصرية  هو آخر  ثلمة تضعها في جسد الهوية  اليمنية.

صنعاء تضيق على اليمنيين ، حتى وإن بدت أكثر تسامحاً  وأمناً قياساً بمحيطها من المدن في الجنوب والشرق والغرب، لأن العقلية التي تديرها  لا ترى في التمدن والتنوع والتعايش سوى تفسخاً ،لا ينسجم مع مفاهيم طبقة الحرب والجباية التي تؤسس لها لإدامة حكمها ، وقبل ذلك لا يتوافق مع المنزع التمييزي الذي تسلكه في تقسيم اليمنيين الى سادة وعبيد.

  * المقال خاص بموقع المهرية نت 

لماذا يشوهون عدن الجميلة؟!
الأحد, 10 ديسمبر, 2023
الجبايات بموازين حسَّاسة!
الأحد, 26 نوفمبر, 2023