آخر الأخبار

فصل (صارب) في سقطرى.. يغاث الناس وفيه يعصرون

الجمعة, 22 أكتوبر, 2021

تتوالى على سقطرى فصول مختلفة في السنة الواحدة، وتتغير نمط الحياة بتغير تلك الفصول، فمن فصل ذي رخاء وهناء إلى ثاني ذي جذب وحرارة، إلى ثالث ذي رياح عاتية.
  ومن أهم الفصول السنوية التي تنتظرها الناس بفارغ الصبر قديما فصل يطلق عليه محليا (صارب)، وهو فصل يكون في  (أكتوبر – ديسمبر) من كل عام، وقد تزيد مدته أو تنقص حسب وفرة الأمطار.  كانت الناس قديما في سقطرى لا تقتات في الغالب إلا مما تنتجه حيواناتها من لحوم وألبان، فقد كان الطعام قليلا شحيحا، ولهذا فقد كانت الناس تعتمد اعتمادا كبيرا على مواشيها، وكانوا يعدون الأيام للوصول إلى فصل (صارب).


  في فصل صارب تلد المواشي وتنجب صغارها، وهذا يعني الشيء الكثير للسقطريين الرعاة قديما. فأول ما تلد المواشي تحصل الناس على اللبأ منها، وهو يعد من أهم الأكلات الشعبية الجميلة، حيث يقومون بطبخة ليتختر ثم يؤكل، وبعد الولادة بأيام تنتج المواشي الحليب بكميات كبيرة، فقد كان قديما تحل البركة ويكثر الخير وتنتج الحيوانات حليبا كثيرا. 

  ومن الحليب تحصل الناس على مشروبات متنوعة، منها اللبن الطازج الذي يُشرب مباشرة بعد الحلب، حيث يقوم الناس بتسخينه ثم شربه، ومنه يحصلون أيضا على الروبة، حيث يوضع الحليب في قرب خاصة، ويقومون بوضعها في مكان داف لبضع ساعات حتى يبدو رائبا، ثم يتم خضه لمدة نصف ساعة تقريبا حتى يروب وينفصل الزبد من الحليب الرائب، ثم يفصل الزبد عن الحليب، ويُصب الحليب الرائب في أواني فخارية ويشرب طازجا، وما تبقى أما أن يوضع على النار ويحرك بالعود حتى ينضج قليلا، ويطلق عليه محليا (مقدف)، أو يوضح على النار بدون تحريك ويطلق عليه محليا (حمدهر) أو يترك في الأواني دون تسخينه على النار، ويسمى محليا (حيمض). وكل تلك الأنواع (مقدف – حمدهر – حيمض)، تستخدم للشرب حتى اليوم الثاني، وكذلك تستخدم كإدام إذا كانت هناك أكلات أخرى مثل (بمبه – مقداره) قديما، أو (رز – شعير – دقيق) حديثا، وأكثر ما يستخدم إداما هو نوع (حيمض)، أما (مقدف – حمدهر) يستخدم للشرب.


  أما لو زادت كميات الحليب عن الحاجة اليومية فإنهم يجمعون ما زاد ثم يتم وضعه على النار لعدة ساعات حتى تتبخر ما به من رطوبة، ويصير شبه جامد، ثم يوضع على خرق نظيفة معدة لهذا الغرض، ويتم فرشه عليها وتعريضه للشمس حتى يتجمد، ويصير مثل الجبن، ويطلق عليه محليا (جبنه)، ثم يدخر ويؤكل منه عند الحاجة.


  أما الزبد فيوضع في إناء فخاري خاص يطلق عليه محليا (قامه)، ويتم تجميعه في ذلك الإناء لعدة أيام، ثم يتم طبخه على النار لعدة دقائق، ويوضع بداخله قليلا من الأكل لو وجد، ويطبخ حتى يتبخر ما به من روبة ويصير السمن خالصا، ثم يصب في آنية أخرى. أما ما وضع به من أكل فيطلق عليه (ساروه)، ويعد من الأكلات الشهية ذات المذاق الرائع. ويتم استخدام السمن كإدام للأكلات الأخرى مرافقا لـ(حيمض)، كما أن الفائض منه يتم اهداؤه أو بيعه في الأسواق.


  كما أن الناس تفرح بفصل (صارب) لوجود كميات كبيرة من صغار الحيوانات، فتقوم الناس بذبح الذكور منها بشكل يومي، وتتغذى على لحومها طوال هذا الفصل. في هذا الفصل تتجسد مسألة التكافل الاجتماعي عند السقطريين، فالناس التي لا تمتلك الحيوانات وخاصة أصحاب السواحل يذهبون إلى إخوانهم في البوادي الذين يمتلكون حيوانات كافية تذر الخير، ويجلسون معهم طوال فترة هذا المواسم، يتقاسمون معهم كل ما تجود به تلك الحيوانات من لحم وحليب وروبة وزبد وسمن، وكأنهم أسرة واحدة وكيان مترابط، حتى ينتهي الموسم تراهم يرجعون قافلين إلى منازلهم محملين بكميات كبيرة من السمن الذي تم انتاجه في هذا الفصل. ومما يحصل في فصل (صارب) من خير أن الكثير من الأشجار والنباتات تنتج ثمارها فيه، وتتغذى الناس على تلك الثمار الطبيعية، كأمثال (فقلهأ – مشحرمهم – أرجهل – حبهل – صيفط...) وغيرها من الخيرات التي تظهر في فصل (صارب).
  كل هذا كان قديما. أما حاليا فقد كثرت المأكولات، وتنوعت الخيرات، ولم تعد الناس بحاجة إلى كثير مما ذكرناه.


  المقال خاص بموقع المهرية نت     

المزيد من أحمد الرميلي