icons

آخر الأخبار

محمية (حوف) الطبيعية جنة على الأرض... مذكرات زائر

الجمعة, 17 سبتمبر, 2021

 كنا في مدينة الغيضة – أنا وصديقي – ننتظر صديقنا الحوفي على أحر من الجمر، فقد وعدنا أن يقلنا بسيارته لزيارة محمية حوف الطبيعية. عند الثانية ظهرا أوفى صديقنا بما وعد وركبنا سيارتنا وكلنا شوق للوصول إلى المحمية، لطالما سمعنا عنها الكثير، ولم تطأها أقدامنا، وليس من رأى كمن سمع.

كانت الأجواء في مدينة الغيضة حينها مائلة إلى الحرارة نوعا ما. خرجنا من المدينة لندخل في صحراء قاحلة لا تختلف أجواؤها عن أجواء الغيضة، وبعد حوالي أربعين دقيقة وجدنا أنفسنا في طريق ساحلي، تكتنفه البحر من جهة، لتثفل عليه لعابها الجميل، وتبصق عليه ببخار ضبابي، وتكتنفه الجبال من جهة أخرى، تلك الجبال ذات السندس الخضري، والوشاح البديع، ذات الأشجار المتنوعة، والحشائش المختلفة. وليس هذا ما ميز الجبال فحسب، بل هناك زخات المطر الخفيفة، التي تنعش الروح، وتسلي الخاطر، تصاحب تلك الزخات جيش من الضباب التي تحيط بتلك الجبال، فيزداد هجومها تارة ويقل تارة، فعندما تنقشع تشاهد أعلاك عمائم بيض من السحاب قد تعممت بها قمم الجبال. وليس هذا فحسب، بل ترى قطعانا من الإبل والبقر والغنم هنا وهنا، وترى القرى التي قد تأتيك متكئة على الجبال حينا أو رابضة بجوار البحر أحيانا أخرى. كما أن الأجواء معتدلة، بل تميل إلى البرودة، مختلفة عن أجواء مدينة الغيضة اختلافا كليا.

حينها زاغت أبصارنا أنا وصديقي، ومالت الأعين هنا وهناك، حينا نعجب بالسفوح الخضراء ونصبُّ جام أبصارنا نحوها، وحينا نسرق النظرات نحو زرقة البحر وأمواجها التي تناسب بلطف ورقة، لتداعب الرمال البيضاء، وفجة يشرد النظر تائها نحو أنواع من الحيوانات المنتشرة هنا وهناك، وحينا نغفل لنجد أنفسنا نلتفت نحو القرى التي تحف الطريق وتجاوره، لنشاهد بعض بناياتها القديمة التي ينفح منها ريح الماضي وشذا الحضارة، وأزقتها الصغير الملتوية.
ينظر إلينا صديقنا الحوفي ليرى دهشتنا وزوغ أبصارنا، يلتفت نحونا مبتسما: لم نصل المحمية بعد. بعبارته هذه علمنا أن هناك ما هو أشد دهشة وأكثر فتنة وسحرا.
سرنا في تلك الطبيعة نحوا من أربعين دقيقة أخرى، لكن شتاتا بين الأربعين الأولى وبين الثانية.

وصلنا إلى منزل صديقنا الذي يقبع تحت المحمية الطبيعية مباشرة، فقرية حوف تعد آخر قرية في شرق اليمن، ومنها يأتيك منفذ صرفيت الذي يفصل اليمن عن سلطمة عمان.

مكثنا في البيت حتى خرجنا إلى صلاة المغرب في المسجد القريب من المنزل، لكننا لم نستطع رؤيته بوضوح، فقد حجبت الضباب الرؤية، لينقلب إلينا البصر خاسئا وهو حسير، كما أن غبار البحر زاد الجوء قتامة، فقد كان يضرب في أسفل المسجد، لتسمع وأنت تصلي تلك الجلدات المتواصلة.

قمنا صباحا وركبنا سيارتنا لنخرج من القرية نحو الجبل التي تبدأ المحمية من أسفله، ونحن نصعد تذكرنا مقولة صديقنا الحوفي حينما قال بالأمس: (لم نصل المحمية بعد)، فها نحن قد علمنا أننا وصلنا.
نصعد نحو الأعلى لنشاهد اشتباكا طاحنا بين صنوف الأشجار المتنوعة أشكالا وأحجاما وصنوفا، وبين الحشائش التي أبت إلا أن تحيط بتلك الأشجار إحاطة السوار بالمعصم، وتمنع من الوصول إليها إلا بشق الأنفس، وتلك الحشائش لا تقل اختلافا في الأشكال والأنواع والأحجام عن الشجر.

ونحن في طريقنا نحو الأعلى تمر بأنظارنا قطعان من الحيوانات من الإبل والبقر، ولطالما أجبرتنا بالتوقف حتى تنزاح من الطريق انزياحا خفيفا، نكاد أن نلامسها بأيدينا من نوافذ السيارة، فقد تعودت على الكبرياء وإجبار السيارات على الوقوف رغما عنها، ولها الحق في ذلك، فتلك الحيوانات هي سيدة تلك المحمية منذ ما شاء الله من الأزمان، وما السيارات إلا طارئ معتد عليها.

كما أن الطريق نحو الأعلى تجد فيه وبجنباته أحواض من المياه المتجمعة التي تسكبها السماء بين الفينة والأخرى، وتمجها التربة المتشبعة.
وقفنا في منتصف الجبل لنأخذ بعض الصور، إلا أن صديقنا الحوفي أخبرنا أن الأجواء غائمة وغير ملائمة لأخذ صور واضحة، وهو محق في ذلك، فقد كان الضباب يلامس أجسامنا، ويرد علينا أنظارنا، ويمنعها من أن تسرح وتمرح كما تشاء.

صعدنا في المحمية لنصل إلى البوابة اليمنية في منفذ صرفيت، طلب صديقنا الحوفي من الحراس بإذن الدخول إلى بوابة سلطنة عمان، وهذا ما حصل، وصلنا إلى بوابة عمان ثم عدنا قافلين، ولم يكن بين البوابتين سوى بضع مئات من الأمتار.

عدنا إلى القرية مع التوقف هنا وهناك للاستمتاع بتلك الطبيعة الخلابة. أخبرنا صديقنا الحوفي أن الزيارة لم تكتمل بعد وأننا على موعد للعودة بعد صلاة الجمعة والغذاء.

مع الساعة الثانية عصرا ركبنا سيارتنا لنصعد نحو المحمية مرة أخرى، في طريقنا شاهدنا الناس هنا وهناك زرافات ووحدانا، أطفالا ونساء ورجالا، تعجبنا وقلنا: ما أكثر هؤلاء الزوار؟ أخبرنا صديقنا أنهم اليوم أقل عددا، وأنهم في بعض الأيام أضعاف ما نراه اليوم.

قبل أن نصل إلى منفذ صرفيت الذي زرناه في الصباح انحرفت سيارتنا نحو الأعلى في طريق ترابي، لنصل إلى قرية صديقنا الرابضة في سفح الجبل، وجدنا بعضا من أقاربه الذين فضلوا البقاء فيها من أجل الرعي. في الحقيقة لم ندر أنا وصديقي أين نحن، فقد كانت الضباب كثيفة جدا، نسمع أصوات السيارات أسفلنا ولم نرها، ونسمع أصوات الحيوانات وتغاريد الطيور في الطبيعة من حولنا ولم تكتحل أعيننا بها.

ذهب صديقنا يبحث بجوار المنازل عن الخيار الحوفي الذي يزرع هنا، فأتى لنا منه بأحجام مختلفة، منها الصغير والكبير والمتوسط، أكلنا منه وأخذنا ما تبقى. أخبرنا صديقنا أنهم يهدون منه إلى الغيضة وعمان، فالناس تحبه ولا تجده إلا هنا، وتعده من الهدايا النفيسة.

قال لنا صديقنا إننا ننتظر هنا قليلا لعلنا نحظى بفرصة تنقشع فيها الضباب حتى نستطيع الاستمتاع أكثر برؤية الجبل الذي يعلونا والبحر الذي أسفلنا، لنأخذ نظرة أكثر سحرا وجمالا، فالسحب هنا قد تذهب فجأة وتعود فجأة أيضا، وهذا ما حصل، فقد حضينا بفرصة ثمينة انقشعت فيه الضباب لبضع دقائق، حينها علمنا أين موقعنا من المحمية، نظرنا إلى الأعلى لنرى الجبال الشاهقة التي تناطح السحاب، ونظرنا إلى الأسفل فرأينا البحر المتلاطم التي تداعب أسفل المحمية، والشمس المحمرة التي تلوح لنا معلنة الرحل، وبينما نحن في سكر جديد إذ بالضباب يتداعى بسرعة، ويستجيب بعضه لبعض في لمح البصر، لتعود حليمة إلى عادتها القديمة.
عدنا لنهوي نحو منزلنا في قرية حوف، وفي طريقنا نمر بسيارات قافلة من المحمية تقل زوار المحمية لهذا اليوم.

 
مع طلوعنا ونزولنا كان صديقنا الحوفي يحكي لنا عن التنوع الحيوي الذي تتمتع به المحمية، أشجار من فصائل عديدة ومتنوعة، منها أنواع نادرة، ونباتات متعددة، وطيور متنوعة، وحشرات وزواحف...
كما كان يشكو التقصير الذي طال المحمية من السلطات والجهات الرسمية والمنظمات ذات الاختصاص، فلم توضع المحمية على قائمة التراث العالمي في منظمة اليونسكو حتى اللحظة، ولا يشاهد الزائر أي اهتمام حكومي ملحوظ، فلا بنية تحتية، ولا تنظيم للزوار والسياح، ولا اهتمام بمظهر المحمية الذي انخدش بنفايات الوافدين.
 
 

المزيد من أحمد الرميلي