icons

آخر الأخبار

تغذية الحيوانات في سقطرى بين الماضي والحاضر

الأحد, 12 سبتمبر, 2021

 للسقطريين قوانين متبعة في كل مناح حياتهم، وتلك القوانين توارثوها خلفا عن سلف، وتمسكوا بها جيلا بعد جيل. منها ما يشمل الرعي والتعامل مع الحيوان.

ونسلط الضوء هنا على كيفية تعامل السقطريين مع حيواناتهم في سنوات الجفاف، وكيف يحافظون على إبقائها على قيد الحياة والخروج بها سالمة إلى سنوات الغيث والأمطار؟
وكيف تغير ذلك التعامل في الحاضر عما كان عليه في الماضي؟

وما أسباب ذلك التغير وما مظاهره؟

أما في الماضي عندما تمر بسقطرى سنة مجدبة فإن للسقطريين طرقا وأساليب يقومون بها للحفاظ على حيواناتهم من النفوق والفناء. ومن تلك الأساليب أنهم يقومون بالتنقل من مكان إلى آخر بحثا عن مكان تتوافر فيه العشب والكلى، ويطلقون على ذلك محليا (مطعِنُهْ)، وطالما انتقلت الأسرة برمتها مع حيواناتهم. فتلك الحيوانات تعد المصدر الرئيس للعيش والبقاء، فليس لهم سوى لحومها وألبانها. وتجد الأسرة تنتقل إلى أكثر من مكان، فكلما قست الحياة هنا إذ بهم ينتقلون هناك، حتى يتداركهم الله بالرحمة في مكانهم يعودون بكل فرح وسرور.

لكن في بعض الأحايين لا تمطر في أي بقعة من الجزيرة، فيقدمون على تصرفات أخرى تساعد حيواناتهم على البقاء، ومن ذلك أنهم يقطعون أعلاف الشجر ويقدمونها كغذاء للحيوانات وخاصة الأغنام منها، ويكون ذلك بأن يأخذونها إلى أماكن تواجد الشجر، فيقطعونها على الأرض وهي تأكل بنفسها مباشرة، أو يحملون تلك الأعلاف الشجرية إلى أماكن تواجد الأغنام. ومن الأشجار التي تُعلف مثل شجرة السدر (ضاد) و(تمهر) و(بويهن) و(أكشى) و(طق) (لقهم)...وقد يلجأون إلى شجرة (أمتى) في حال عُدمت الأشجار السابقة.

أما البقر فيجلبون لها أعلافا شجرية قد تختلف عن أعلاف الغنم وقد تتفق معها، مثل أشجار (درفن) و(شيحط) و(زركن) و(علعهل). وقد يجلبون لها الحشائش اليابسة من أماكن وعرة، حتى أن بعضهم ينزلون بالحبال إلى تلك الأماكن الخطرة. وقد يقدم للبقر أيضا لب جذوع النخل، وكذلك جذوع شجرة (بويهن)، بأن تقطع تلك الأشجار ثم تم تقطيعها إلى وصلات صغيرة، وتقدم للبقر. 

هذا في الماضي. أما في الحاضر فقد تغيرت معاملة الناس لحيواناتهم في أوقات الجدب وسنوات الجفاف، وتركوا الكثير من الطرق والأساليب القديمة واستبدلوها بأخرى. فلم تعد الناس تذهب بحيواناتهم وتنتقل بها من مكان لآخر، ولم تعد تبحث بها أو لها عن أعلاف الأشجار لتطعمها منها كما كانت.

ماذا تفعل إذن؟

الناس منذ سنوات تقدم لحيواناتها المواد الغذائية التي يأكلها الناس في الغالب، والتي يتم شراؤها من السوق، مثل الشعير والدقيق والتمر، وقد يستخدمون الأرز أحيانا، وكذلك نخالة القمح، وتلك المواد يتم استيرادها من خارج سقطرى غير التمر الذي يُنتج محليا فقط.

لماذا تغيرت تلك الأشياء التي كانت تمارس وتقدم للحيوان في سنوات الجفاف في الحاضر عما كانت عليه في الماضي؟

لهذا عدة أسباب، منها أن الناس لم تعد تعتقد أن الحيوانات هي رأس المال الذي يجب الحفاظ عليه، فقد وجدت بدائل أخرى، وحصلت الناس على الأموال من خلال الوظائف أو الأعمال الخاصة. كما إن انتاج الحيوانات أصبح شحيحا في السنوات الأخيرة، فلم تعد تقدم الحيوانات الألبان واللحوم التي كانت تقدمها، بسبب قلة البركة. كما إن الناس عزفت عن الاهتمام بالحيوان بسبب انشغالهم بالبحث عن طرق الرزق الأخرى، كالوظائف والأعمال الخاصة الأكثر نفعا من الرعي والانشغال بالحيوانات، كما أن الأشجار التي كانت متوفرة بكثر في الماضي قد فُقدت وماتت ولم تعد متوفرة بسبب الأعاصير التي مرت على سقطرى وقضت على تلك الأشجار، كما إن تلك الأشجار ماتت من نفسها بأسباب مجهولة.

مثل تلك التغيرات في طرق تعامل الناس مع الحيوانات في سنوات الجفاف أظهرت آثارا سلبية على الحيوانات، أدت إلى نفوقها وموتها بسبب قلة الاهتمام، فما أن نأتي سنة مجدبة حتى تأخذ مجموعة كبيرة من الحيوانات، حتى إن بعض الناس فقدت كل حيواناتها أو كثير منها، فتجد في بعض البوادي التي كانت قديما ترعى الضأن قد خلت منها تماما، وتجد مع بعض الأشخاص كميات من الأبقار، وحاليا قد فقدوها كلها.

ومن مظاهر تلك التغييرات أن الناس تخسر وقت الجدب مئات الآلف من المبالغ المالية بسبب كلفة شراء المواد من السوق، وعدم وجود بدائل محلية، حتى زراعة البرسيم وغيرها مما يقدم للحيوان لا وجود له في سقطرى.

مثل هذه الأمور تنبئ بخطر محذق على الثروة الحيوانية في سقطرى، وتتسبب في تلاشيها، لتبقى سقطرى ذات يوم دون ثروة حيوانية.

ينبغي أن تكون هنا حلول نافعة وعاجلة لمثل تلك المعضلات حتى نُبقي على ثروتنا الحيوانية من الاندثار، منها تشجيع الرعاة على العودة إلى أساليب الرعي التقليدية، والغرس في نفوسهم حب الرعي، وإيجاد بدائل عن المواد الغذائية التي يتم شراؤها بمبالغ باهظة الثمن، كإيجاد مزارع للبرسيم وغيرها من الحشائش التي تقدم للحيوان وبأسعار مناسبة، وإيجاد سوق محلي يستقبل عائدات ومنتجات تلك الحيوانات، حتى يشعر الراعي أنه يمكنه أن يستفيد من الرعي ويعود عليه بالنفع.
 

المزيد من أحمد الرميلي