icons
البث المباشر

آخر الأخبار

السلام البعيد... لهذه الأسباب لا تريد الأطراف الانخراط في عملية سياسية شاملة لإنهاء الحرب.

الأحد, 21 فبراير, 2021


كثيراً ما يقال أن ديموقراطيي الولايات المتحدة الأمريكية أشبه برجال مطافئ،  يعملون، بعد كل انتخابات يفوزون بها ، على إطفاء حرائق الجمهوريين بعد أن تكون هذه الحرائق،  قد التهمت كل شيء في طريقها، ومثل هذا القول يمكن إسقاطه على حالة اليمن ؛  فكيف يتعامل هؤلاء الإطفائيون السياسيون مع حرائق البلد الملتهب ؟
  في أواخر أيام حكم الرئيس باراك أوباما ، وتحديدا في آب/ أغسطس 2016 ، تقدمت الخارجية الأمريكية بمبادرة سياسية لإنهاء الحرب ، وعرفت المبادرة باسم وزير خارجيتها  وقتها جون كيري، ولعبت سلطنة عمان  الدور المحوري في تهيئة أجواء التفاوض  بين الفرقاء ورعاتهم, بوصفها ضامن الحوثيين وصوت إيران المتواري ، كان سيخرج منها الحوثيون بمكاسب واضحة في وقت كانوا في معادلة الحرب هم الطرف الأضعف ، غير أن صعود الجمهوريين بغطاء الشعبوية اليمنيية التي عبَّر عنها بفجاجة  دونالد ترامب  الرئيس القادم من خارج السياسة بدد هذه الخطوة  بكثير من النزق السياسي ، وتعامل مع الحرب في اليمن من موقع الانتفاع المحض ، وبعقلية رجل الأعمال التي تتلبسه ؛ لأن الأطراف المنتفعة من استمرار الحرب وحساباتها المستقبلية  كان لديها ما يمكن دفعه مقابل غطاء سياسي وعسكري  لإدامة الحرب توفره الادارة الجديدة، لاستمرار مغامرتها لتحقيق مكاسب  سريعة ومباغتة على حساب منافسيها في الداخل والخارج.  

طموح محمد بن سلمان الكبير في الوصول إلى موقع الحكم جعله يستخدم كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة في إزاحة خصومه ومنافسيه، والتي ابتدأت مع التخلص  من إرث الحقبة الأوبامية ، التي كثيراً ما تباهت بإحداث اختراق في شكل السلطة  بترفيع حفيد شاب لموقع ولي العهد  ونقصد رجلها  محمد بن نائف، والذي أزيح في  يونيو 2017، ليصعد  بن سلمان إلى موقعه كولي للعهد ، وكان ثمن تلك الصفقة مرتفعاً للغاية ، استنفعت منه شركات إنتاج الأسلحة الأمريكية التي تمول اليمين الجمهوري في الغالب ، وكان لترامب أيضا مستنفعاته الكبيرة من هذه الصفقة بوصفه رجل أعمال عابر للسياسة.

 بقي محمد بن سلمان يستخدم الحرب في اليمن وخطر التمدد الإيراني ذريعة للقبض على كل مفاصل السلطة في الجارة السعودية  ، بإزاحة المنافسين وتقويض أدواتهم المالية والأمنية ، وبذريعة الحرب والمخاطر الأمنية ، وإن كلفة العمليات الباهظة والمرهقة للخزانة السعودية  لا تساوي شيئاً أمام طموحه الكبير في الوصول إلى كرسي والده المُسِّن ، وفي تحويل دولة الجوار الفقيرة إلى مربعات نفوذ ضعيفة للمتحاربين الذي يُستطاع تخطيمهم ، دون أن يكون لهم موقف حقيقي معارض من ابتلاع الأرض ومواردها ، كما هو حاصل اليوم في محافظة المهرة ، والتي بقيت السعودية لسنوات تبحث عن موطئ قدم فيها للوصول إلى بحر العرب  والمحيط الهندي ، حتى جاءت هذه الحرب لتصل إلى مبتغاها ، بعد أن أمَّنت جوارها الحضرمي. 

 ترافق ذلك مع طموح مماثل لولي عهد أبو ظبي محمد بن زائد الذي خاض هذه الحرب  مهجوساً بشيئين اثنين الأول منها عداؤه الصريح لجماعة الإخوان المسلمين ، والثاني البحث عن دور إقليمي أكبر من حجم  الدولة الكرتونية التي يديرها ،  ودفعت قطر كدولة وحاكمها الشاب  تميم  بهذا الشعور قدماً متبوعاً بالضغينة أو المطابنة حسب ما تذهب إليه التعريفات الشعبية اليمنية لمعنى الخلافات بين الزوجات  داخل البيت الواحد  ، لهذا صار الاخوان " الإصلاح"  في التعريف السياسي والأمني لأبوظبي  هم قطر، ويتوجب قتالها أينما حضرت في جغرافية الجنوب وتعز ، وتركت
 أمر اجتثاثها ،مع أدواتها  من مأرب، للحوثيين ، الذين سبق  لهم اجتثاثهم من شمال اليمن بدعم إمارتي صريح وبأدوات رجال صالح في صيف 2014.

 أما عملها الصريح في إعادة تقسيم اليمن إلى دولتين بحسب حدود ما قبل مايو 1990، وبأدوات محلية  عصبوية ملبوسة بحلم استعادة الدولة الجنوبية  فتقرأ من زاويتين متداخلتين الأولى هي  إحياء المشروع البريطاني القديم في المنطقة ، والثاني السيطرة على الممر المائي الاستراتيجي بين البحرين العربي والأحمر لتعطيل عمل الموانئ الاستراتيجية  في طريق الحرير الجديد " المكلا وعدن والمخا والحديدة" حتى لا تتضرر موانئ جبل علي ودبي؛ وبعد أن مكنت أدواتها تماماً " المجلس الانتقالي في خليج عدن والنخبة الحضرمية في المكلا وحراس الجمهورية في الساحل الغربي لليمن"  أعلنت انسحابها العسكري من اليمن وإخلاء قاعدة عصب على ساحل أريتيريا التي استأجرتها لدعم قواتها المحاربة.

 هذه الأدوات  مخطط لها أن تبقى مفاعيل للتوتر لسنوات قادمة. وجاء إعلانها التطبيعي مع الكيان الاسرائيلي تتويجا لهذا الاستحواذ الجديد، لتصير إسرائيل شريكاً فاعلاً ومؤثراً في  الممر المائي الحيوي الذي تتسابق عليه مع إيران.

وعودة لعنوان هذه الملامسة  فليس في الأفق ما ينذر بسلام قريب ، لأن المنتفعين من طول أمد الحرب واستدامتها هم كتلتها الصلبة في الداخل ، ورعاتها الإقليميون والدوليون في الخارج. أما الضخ الإعلامي الأخير عن تحركات لإنهاء الحرب ، هو جزء من خطاب الادارة الأمريكية الجديدة ، بعد ماراثونها الطويل في انتزاع السلطة من بين مخالب اليمين المتطرف والشعبوية الترامبية، التي تعززت  وتقوت داخل المجتمع الأمريكي ، وتحولت مع الانتخابات الأخيرة إلى ما يشبه حالة الانقسام في المجتمع.
المحسوبون على الشرعية من كتلة فساد نظام صالح التاريخي  ابتدأ من الرئيس هادي ونائبه علي محسن وحلفائه القبليين والدينيين وصولاً إلى الحكومة وقادة الجيش ، ليس من مصلحتهم أن تنتهي الحرب ، والوصول إلى تسوية سلام مستدام ، لأن عائدات الحرب ومستنفعاتها من اقتصاد الظل " تجارة عملة، مساعدات إغاثة، مخصصات مالية، وإقامة مرفهة، وكشوف وهمية " هي أجدى من وظائف ومواقع بدون عائدات، ولأن السلام سيقذف بهم بعيداً في أي تسوية عادلة  بعيداً عن المحاصصة.
 الحوثيون بدورهم ، ومن ورائهم متشددي الحرس الثوري ، لا يريدون سلاماً قريباً، لان الحركة التي صُممِّت لتكون أداة حربية طويلة الأجل لتنفيذ مخططات إقليمية ، وتستخدم كذراع أمني في التنازع  في المنطقة  ليس من مصلحته الانخراط في عملية سياسية شاملة  أو مجزأة ، لان السلام سيترتب على استحقاقات سياسية وتشاركية، وهو أمر يتعارض  مع نزوعها الاحتكاري ومبدأ الاصطفاء الذي يحكمهم.
انتقاليو المجلس الجنوبي   بدورهم لا يريدون سلاماً، لان  وضع الشرعية الرخو وفساد مكوناتها من خصومهم السياسيين " الاصلاح" وأيضاً حسابات الإمارات، هي أنجع الوسائل لتسويق خطابهم التحشيدي لإقامة دولة الجنوب العربي الوهمية التي صممتها السلطات الاستعمارية أواخر الخمسينات بنزعة تفتيتية  معروفة ، ولم تدخل فيها آنذاك حضرموت والمهرة، وحتى مدينة عدن التي الحقت بها قي وقت متأخر، ويرفعون في مسيرتهم هذه شعار وعلم دولة كان معترف بها دولياً اسمها جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، استطاعت توحيد التراب من المهرة وسقطرى إلى باب المندب، وهو ما يحاول  العقل الثأري والقروي في المجلس القفز عليه كحقيقة جغرافية وصلابة هوياتية .
بقايا قوات صالح  المتواجدة في الشريط الساحلي  الغربي لليمن ، تحولت إلى ذراع أمني لحماية المصالح الإماراتية بالوكالة ، وصارت المنطقة الممتدة من المندب إلى الدريهمي " الفازة" اقطاعية"  للتهريب ، كما كانت في عهد سلطة صالح.
 الإصلاح   هو الأخر محكوم ببرجماتيته  المستديمة ، لتحقيق مكاسب تعنيه كحزب فقط ، ولتحقيقها يعمل بأدواته داخل الشرعية كحليف للسعودية ، وبأدوات أخرى خارجها مع خصوم الشرعية كحليف لقطر ، فصار ينطبق عليهم المثل اليمني ( عين على اللحمة وعين على المرق)، ووضع مثل هذا يجعله يتكسب من هذه التناقضات، مادامت تجعله أحد كروت التسوية والمحاصصة.
السلام بهكذا أدوات بعيد .. بعيد.. بعيد.
المقال خاص بموقع المهرية نت