icons

آخر الأخبار

أميمة حسن شكري ... المشروع المختلف في الترجمة والتحقيق والتأليف

الأحد, 07 مارس, 2021

قليلون جداً هم الباحثون الشبان  في اليمن الذين  يخوضون في موضوعات إشكالية علمية وبكثير من الاقتدار والانفتاح الذهني، مستفيدين بدرجة رئيسية من تسلحهم  بمناهج جديدة في البحث، وأيضاً من لغتهم العصرية المنفتحة على مجمل القضايا التي تعني الأنسان المعاصر. ومن هؤلاء  الباحثة أميمة حسن شكري زيوار ؛ التي أصدرت في العام 2019 ثلاثة كتب رفيعة دفعة واحدة ؛ هذه الكتب  لم يُلتفت إليها بقدر كاف قي المقاربات والقراءات السيارة ، وتخوض في قضايا حيوية تتصل بتعاطي المستشرقين والمترجمين من المسلمين وغير المسلمين  لمعاني القرآن إلى لغات حية أخرى، وكيف أن الكثير من هذه الترجمات والشروح تصطدم  بالتفسيرات العقلية للظواهر؛ أما الكتب الثلاثة – صادرة عن مركز الدراسات والبحوث اليمني في صنعاء – فعناوينها:
( معاني العصر الحديث في ترجمات القرآن الكريم ) و ( التشكيل وترجمة القرآن الكريم) و( عدد الكواكب بين حيرة أهل العلم والأدب والدين)، وقبل هذه الكتب الثلاثة كانت قد أصدرت في العام 2014 كتاباً مترجماً ومحققاً عنوانه (the Jews in Aden - من ذكريات اليهود في عدن، التي حررته الصحافية  شونا بلاس)، وفيه قدمت نصاً  بمقدمة تحقيقية ملفتة  تعاين النص والتباسته  المتصلة  بوضع اليهود السابق  في عدن  وثقافتهم وطقوسهم ،حتى مروياتهم عن فوضى وحرائق حواريهم  في منطقة كريتر في شهر ديسمبر من العام 1947 ، وعرضت الروايتين حول الأحداث تلك، الأولى التي تقول  أن الإنجليز كان لهم ضلعاً كبيراً في هذه الأحداث ، من أجل تسريع  نقل اليهود وتجارتهم إلى الأراضي المحتلة ، بعد أن كان الكثير منهم مترددين في  مغادرة عدن ، بسبب ارتباطهم بالمدينة التي ولدوا فيها وزالوا فيها نشاطهم التجاري ، وكانوا يعاملون بشكل أرقي من يهود المناطق اليمنية الأخرى، الذي كان يغلب عليهم طابع الفقر والتخلف وممارسة المهن المنبوذة والمحتقرة، والثانية التي تقول أن الإنجليز في وثائقهم التي ظهرت لاحقاً ، بعد تحقيق، قالوا أن جماعات يهودية متطرفة تتبع تنظيماً إرهابياً صهيونياً نظمت لأعمال العنف  التي شنت على اليهود ومحلاتهم ، وفي نفس الوقت شن عمليات إرهابية صهيونية على بعض العرب بهدف دفعهم إلى ردَّات فعل عنيفة.


وعودة إلى إصداراتها الثلاثة ، تعمل الباحثة في الكتاب الأول (معاني العصر الحديث في ترجمات القرآن الكريم) على تفكيك الترجمات الجامدة للمعاني التي لم تتوخ زمنية النص وأحفورات اللغة بعد أربعة عشر قرناً من تداول النص في مراحله الأولى ( مرحلة التنزيل) ، وفي هذا السياق تقول في مقدمتها :
" تُرجم القرآن الكريم إلى اللغات المختلفة قديماً وحديثاً ؛ ومع إقرار معظم المترجمين باستحالة نقل معانيه نقلاً دقيقاً إلى اللغة الإنجليزية أو أية لغة أخرى، إلاَّ أن هناك من قام بترجمته على وجه لا علاقة به بعصر تنزيله . تأخذ بعض الترجمات العديد من ألفاظ القرآن مثل: ذرَّة ، ومصانع ، ونادي ، وعدد من تعبيراته بالمعاني والاصطلاحات التي استجدت بعد القرون الأربعة عشر من التنزيل، وقد يتعدى الأمر إلى اقحام شروح في متن الترجمة تُخرج  القرآن عن سياقه وطبيعة لغة عصره"

مثلاً حين تفسر كلمة ( ذرَّة) كما في الآية رقم 40 من سورة النساء (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ) ، فإنها  في المعاجم العربية القديمة والتفاسير   هي "واحدة الذر"  وهو صغار النمل عند ابن فارس في مقاييس اللغة ، وعند ابن منظور في لسان العرب " ليس لها وزن ، ويُراد بها ما يُرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة "  ، وهي في رواية أخرى عند الزمخشري " ما يتطاير في الهواء من التراب"

 وتعليقاً على ذلك تقول عائشة عبد الرحمن " الأقوال قريبة ولا شيء منها موضع إنكار كالذي جاء به محدثون  من بديع التفسير العصري ، فذهبوا إلى أنها " الذّرَّة " التي اكتشف العالم سرها في القرن العشرين."
تتسأل المؤلفة هل كلمة" atom" الإنجليزية تنقل ما تعنيه كلمة "ذرَّة" كما فهمها العرب قديماً؟، حتى مع اعطاء المعاجم والقواميس الإنجليزية معنى المقدار الضئيل جداً  أو بالغ الصغر كتعريف للكلمة، وهي بذاك تذهب مع أحمد فؤاد باشا بقوله:
"دخل المصطلح في اللغة العربية الحديثة باسم " الذرَّة" وهي ترجمة غير دقيقة  لكلمة " atom"، منبهاً إلى خطورة الربط اللغوي بين اللفظ القرآني والمصطلح العلمي ، دون إحاطة تامة بدلالات اللفظ القرآني من جهة ، وسيرته وما يدل عليه من جهة أخرى.

 اللفظة الثانية التي تناقشها الباحثة في الكتاب هي لفظ (غُرُفة) كما جاءت في نص الآية رقم 75 من سورة الفرقان (أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا)
 كانت الغرفة عند العرب قديماً هي كل بناء عال ومرتفع ، وهي في العربية المعاصرة  عبارة عن حجرة في المبنى، وجمع الحجرة حُجُرات ، وهذا الخلط ،حسب المؤلفة ، وقع فيه عدد غير قليل من مترجمي القرآن عند ترجمة لفظ الحُجُرات، والتي تنطق بالإنجليزية " chambers" التي لا تعني إلا حُجُرات، حين قام باستخدامها المترجم "أحمد ودينا زيدان"  لترجمة الآية 37من سورة سبأ (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)، أما "كمال عمر"  فقد ذهب إلى أبعد مما ذهب إليه المترجمون  حيث قام باستخدام كلمة "suite" وهي بمعناها المعروف " جناح أو مجموعة غرف في  فندق"
اللفظة الثالثة هي (مَصانِع) ووردت مرة واحد في الآية 129 من سورة الشعراء  ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) ، وكلمة مصانع عند العرب هي ما يصنعه الناس من الآبار ، والأبنية وغيرها ، وعند ابن منظور يقال للقصور أيضاً مصانع ، والمصنعة والمصانع هي الحصون، وعند مترجمين مثل "محمد أسد"  تصيرcastles بمعنى قلاع، غير أن مترجمين آخرين وهما أحمد ودينا زيدان  وكمال عمر تصير factories" " التي لا تعني في اللغة الإنجليزية إلاَّ المكان  الذي تُمارس فيه صناعة البضائع بالآلة.

وإلى جانب هذه الملفوظات ، هناك غيرها من الكلمات التي تم ترجمتها إلى الإنجليزية مثل كلمة (نادي) في الآية 29 في العنكبوت  ( وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ )، والتي  كان يطلقها العرب في الزمن القديم على مجتمع القوم وأهل المجلس، وفي  القاموس المحيط  عند الفيروز آبادي" النادي والندوة والمنتدى: مجلس القوم نهاراً، أو المجلس ما داموا مجتمعين فيه"، وفي الوقت الحاضر يطلق على المكان الاجتماعي الذي تُقضى فيه أوقات الفراغ بالألعاب الرياضية أو تناول المأكولات والمشروبات. وهذا المعنى في العربية المعاصرة  هو الذي تنقله الكلمة الإنجليزية "club" ، وقد استخدم "كمال عمر" "social club" أي النادي الاجتماعي  في ترجمته للفظ النادي في هذه الآية.

وكلمة (مصباح) التي ترد في الآية 35 من سورة النور  (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ... )  فقد اختار المترجمون الكلمة الإنجليزية " lamp" مقابلاً للفظ القرآني مصباح ، وهذا المعنى لا يخل بالترجمة من حيث الظاهر لأن" lamp" في اللغة الإنجليزية تعني المصباح المضاء  بطاقة الكهرباء ، أو الغاز، أو الزيت والأخير يتوافق مع بيئة العرب في عصر التنزيل ، لكن الألفاظ القرآنية الواردة في هذا القسم أختار لها بعض المترجمين  مقابِلات إنجليزية  لا تتوافق مع بيئة العرب في ذلك العصر.
 من الاشكاليات التي يقاربها هذا الكتاب  إضافة شروح بين قوسين في متن الترجمة ، وهي بذلك قد تدفع القارئ إلى الظن أنها ضمن كلام النص الأصلي , وضربت على ذلك أمثلة عدة ، ومنها ذهاب المترجم "شبير أحمد" إلى أبعد من مما ذهب إليه المترجمون الذين ترجموا " الذرَّة"  " atom"  التي تُفهم في الغالب  ، حسب قول الباحثة، كمصطلح علمي أو فلسفي ، حيث أضاف المترجم بين قوسين تعليقه " أصغر من ذرة : من يستطيع أن يفكر بالإلكترونيات والبروتينات في القرن السابع"
" يتبع" 
المقال  خاص بموقع المهرية نت