icons

آخر الأخبار

اليمن في شريحة صغيرة  على باص أنيق  في شارع مزدحم

الأحد, 28 فبراير, 2021

كنت الراكب الأخير الذي يصعد باص ماركة هايس متجه من (جولة الرويشان ) إلى شارع (شارع هائل) في صنعاء.  الشاب الأنيق  القاعد بجوار السائق ،ويقاربه في العمر أفسح لي مكاناً  في مقدمة الباص، ورافق دعوته تلك  بكلمات توقيرية ، في الغالب شكَّلتها على لسانه هيئتي وشعري الأبيض، مثل تفضل يا عم جنبي، وأهلاً وسهلاً ..

 كنت في حالة من الإرهاق الشديد بفعل مشاوير عديدة قضيت معظمها بالمشي بحسب عاداتي اليومية . كان الوقت تماماً في منتصف نهار بلا ملامح تغسله شمس آخر الشتاء.. السائق وصديقه ، بملابسهما العصرية الشبابية،   كانا في حالة تجلٍ وهدوء ، لا تلازم في العادة سائقي الباصات في الأصل ، ولا في هذا الوقت من النهار .. هيئة الباص المرتبة والنظيفة  هي الأخرى خففت قليلاً من تعكر مزاجي، والذي بدأ بالاعتدال حينما ركزت سمعي على الأغنية التي تنبعث من  سماعة  ( ميكرفون) الباص الموضوعة بعناية على (طبلون) السائق   ، وكانت الأغنية ،  من حسن حظي،  في بدايتها وبصوت الفنان الراحل محمد محمود الحارثي والمعروفة بـ"الشوق أعياني" ، وهذه الأغنية  التي تقول كلماتها:
" الشوق أعياني ، يا قرة الأعيان/ والبين أوطاني مواطئ الأشجان/ فدمع أجفاني  من فرقتك ألوان/ أضحى بأوجاني  كالدُّر والمرجان/ أبكي اذا غـرد  طائر على الأشجـار/ واقول إذ ردد  وباح بالأسـرار/ كأنه معبد قد حرك الأوتـار/هيَّجت أشجاني  يا طائر الأشجان"

 الكلمات هذه تشتت نسبُها بين كثير من شعراء الحمينية التاريخيين مثل أحمد حسين شرف الدين أو عبد الرحمن الأنسي  وولده أحمد ، غير أن اتجاهاً  قوياً ينسبها للشاعر يحيى بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم جحّاف المتوفي عام 1117 هجرية / 1705 ميلادية، لتتحول مع مرور الوقت إلى واحدة من معالم الشعر الحميني المغنَّى في اليمن.  
كنت أتوقع بعد الانتهاء من بث الأغنية البديعة هذه  ، أن يظهر فاصل إعلاني بائس  بذات الطريقة التي تبثها الإذاعات والمحطات المحلية عن المطاعم  والمستشفيات والسلع ، أو يقفز من الميكرفون الصغير صوت مذيع أو مذيعة ، لم تمر على لسانه/ا مخارج اللغة وتشكيلاتها ومعرباتها الابتدائية ، غير أن مدخلاً لحنياً لأغنية محببة إلى قلبي بدأ بالانبعاث في الأرجاء ، وكان هذا المدخل لأغنية الفنان الكبير أبوبكر سالم  " سِرُّ  حُبي " ،  التي كتب كلماتها الشاعر الاستثنائي حسين أبوبكر المحضار وتقول بعض كلماتها:
سر حبي فيك غامض سر حبي ما انكشف/ إيش خلاني أعشق فيك و العشقه تلف/ أيش أوقعني في شباكك وانا عينــي تشـوف/ لا تعذبني وإلا سرت وتركت المكلا لك/ إذا ما فيك معروف.

فوق شاطي البحر حيث اللول يوجد والصدف/ واللقاء قد كان صدفه لاجزى الله الصـدف/ عندما سمحت ظروفك لك وسمحت لي الظـروف/ لا تعذبني والا سرت وتركت المكلا لك/ اذا ما فيك معروف/ كل واحد مننا ماسك من السكة طـرف/ لا هدف لي فيك يظهر لي ولا لك شيء هـدف/ انتهــــــى المشـوار كله ما تلامسنا الكتـوف.
أخذتني النشوة إلى منتهاها ، وقلت بعد هذه الوجبة السمعية الطربية الباذخة، ليقفز من يقفز من الميكرفون من أصوات المذيعين معوجي الألسن ، أو الترويج المبتذل لإعلانات  تبيع الوهم للمستمعين بالاستشفاء السريع في مشافي هي في الأصل أقرب للمسالخ منها للمشافي ، ومطاعم لا تتقيد بأبسط الشروط الصحية في طهي وبيع الوجبات ، وسلع  رديئة   لا تدري كيف مرت من المنافذ ، وكيف صرَّحت لها هيئة المقاييس في الدخول إلى السوق.

وقبل أن أنتهي من تداعٍ سريع ومباغت  انتبهت إلى دندنة عود تنبعث من ذات السماعة ، وسريعاً ما التقطت جملتها اللحنية الأولى، وقلت بيني وبين نفسي جاء دور (أبو علي) الفنان محمد مرشد ناجي في أغنية مازج فيها  بين عذوبة  كلمات لحج الراقصة واللحن والأداء العبقري للمرشدي، وقبل أن أستكمل سماع الأغنية التي كتب كلماتها الشاعر عبدالله هادي سبيت وتقول أبياتها:
"يابن الناس حبيتك وبالحب أسقيتك وبالروح غذيتك/ أنت القصد والمطلب... يا بخت مَن حب/ الحب ذا جنه يـا بوي أنا منّه/ روح الهناء دنّه داعي الهنــا طرّب/ هيا اغترف منه ذا أنسنــا منّـه/ واقطع به الأنّه بكـأس الهوى نشرب/ يا بسمـة الزهرة يــــا طيّب العشرة/ يا زينـة السهرة يا لله اشترح واطرب / يا الله بها ساعة ترقص لها القاعة/ يـا زينة الساحة شرِّف لنـا الملعب"
التفتُ إلى السائق ،المنتشي مع اللحن الراقص،  متسائلاً  أي إذاعة هذه التي تبث هذه الأغاني اليمنية الجميلة و الرائعة ، وبدون فواصل أو إعلانات؟!

 قال هذه ليست إذاعة ، وإنما تسجيلات خاصة  وضعتها على    mp3 ، واستطيع التحكم بها بواسطة هذا الريموت ، ثم أراني جهازاً صغيراً بأزرار ملونة.
فقلت له ولماذا الأغاني اليمنية تحديداً، التي لم تعد ، حسب علمي، تتناسب كثيراً مع أذواق الشبان أمثالك؟ فقال لي أنه من عشاق الأغاني اليمنية التقليدية ولمعظم الفنانين ، ويحتفظ لأغلبهم أغنية واحدة على الأقل في هذا التسجيل، وإن والده ، الذي يحتفظ ويحفظ الكثير من الأغاني اليمنية هو الذي حببه منذ كان طفلاً بهذه الأغاني.

 وفي أول اختناق مروري  في منتصف شارع هائل ، كان الفنان أيوب طارش العبسي قد بدأ يصدح بأغنية (طاب البلس) التي كتب كلماتها الشاعر الراحل عبدالله عبد الوهاب نعمان "الفضول"
 طاب البلس طاب واعذارى طاب/ هيا صبّحونا بلسْ/ والفرسك أخضر وحالي فراسكك واصبر/لا ما تسبب ضرَس/ ما أحلى بنات الجبل حما يطوفين المدينة بالثياب الَدمس/ خدود مثل الورد ضوء الفجر أرواها/ وأعطاها المشاقر حرس / محوطات الوجوه البيض بالكاذي/ المسقى في برود الغلس/ يسقيك ما أحلى ورودك وغرسك واصبر/ يرحم أبوه من غرس/ كم فيك من حسن كم فيك من ألوان/ فتنه ليت قلبي نَفَس/ لكن قلبي ملانه حب من حينما/ في الحب قلبي غطس.

 الشارع  بزحامه الشديد في هذا الوقت، بسبب احتلال عربات المفرشين لضفتيه، والوقوف الخطأ لسيارات المتسوقين، وفوضى سائقي الدراجات النارية في مشيهم المعاكس  لخط السير وتحويل أرصفة المشاة سككاً لدراجاتهم بمنبهاتها المزعجة ،عادة ما يحولني إلى كتلة من الأعصاب المنفلتة والتوتر، وكثيراً ما أترك الباص الذي استقله  عند أول زحام، واكمل بقية مشواري راجلاً  من الحواري والأزقة الخلفية، التي توصلني إلى المنزل بقليل من راحة البال، لكني في هذا اليوم كنت في منتهى الهدوء والتجلي ، وأتمنى أن  تطول المسافة وتستمر اختناقات الشارع المرورية حتى المساء، حتى أستمتع بسماع كامل الأغاني في الشريحة.

 اليمن كلها بتنوعها الثقافي " الغنائي" كانت موجودة  في شريحة صغيرة داخل مشغل صيني على باص أنيق في شارع مزدحم،   في مدينة  بددت سنوات الحرب الكثير من قيمها وتنوعها وتسامحها ، وفرضت أنماطاً من السماع  لتحشيدات الحرب التي تكثفت في الزوامل والخُطب والعِضات الدينية التي درج الناس على سماعها في وسائل المواصلات  من إذاعات ومحطات ، أنشئت معظمها  لضرورة  الحروب ووظائفها ، ليس لرفع منسوب الوعي لدي مستمعيها، وإنما  لمخاطبة نزعاتهم البدائية المنفلتة، والتي تتعاظم وتتقوى بفعل مردودات الحرب الثقافية والنفسية .

 من النادر اليوم، وأنت راكب في وسيلة مواصلات عمومية، أن تتشنَّف أذناك بقليل من الطرب الأصيل ، وعلى رأسها الأغاني اليمنية التقليدية، التي اُستبدلت بزوامل الحرب والتحشيد ، وقليلاً بأغانٍ بلاستيكية، لم تعد ذائقتنا تميل إليها، على عكس الشبان الذين يرون فيها تعبيراً حقيقياً عن تكوينهم الثقافي الجديد، الاَّ مع هذا الشاب الذي  لم يزل حارساً جميلاً لذائقة أمثالي ، والأهم أنه يحتفظ بكل اليمن في شريحة صينية رخيصة علي باص أنيق.
المقال خاص بموقع المهرية نت