icons
البث المباشر

آخر الأخبار

حينما تستعيد سلطة صنعاء دولة الإمام بسماتها ووظائفها  !!

الأحد, 10 يناير, 2021


الارتدادات القاتلة  في وظائف السلطة الحاكمة في صنعاء ومناطق سيطرتها شمال ووسط وغرب اليمن  تجاه محكوميها  تحيل إلى ما يشابهها في تاريخ اليمنيين القريب ، حينما كانت سلطة الامام " يحيى وأحمد"  تسخِّر كل موارد البلاد الخراجية وغير الخراجية لمصلحة طبقة الحكم ، المحصورة بدرجة رئيسية في أبناء الأسر الهاشمية والقريبين  منها من أبناء طبقات التراتب الاجتماعي ، الذي فرضته السلطة العنصرية على أبناء المجتمع الواحد . فكل وظائف الدولة العليا  والحساسة صار يشغلها اليوم هاشميون ، ليس لكفاءاتهم الوظيفية والمهنية ، وإنما لأنهم ينتمون إلى بيوتات تُدوَّر وتُقسَّم الوظائف الحيوية بينهم.

المبالغ الزهيدة التي كانت تنفق على عساكر الإمام وميليشياته من (العكفة والبرانية) ، كانت تتضاعف بواسطة إطلاقهم على الناس الجائعين(الرعية)  مثل وحوش كاسرة ؛ هذه الصورة  تستعاد الآن بكثيرمن المشابهات، فحوادث الأسواق والمحال التجارية والشركات التي يعتسف أصحابها   تحت مبرر دفع الواجبات والضرائب والمجهود الحربي والمولد ، ويوم الشهيد ،  يتولى تنفيذ المهام فيها  جنود جائعون  وغلاظ ، مهمتهم تحصيل الأموال بالحق والباطل، ينالهم الفتات منها علي هيئة مكافئات من المشرفين ، أو رشى من المستهدفين أنفسهم لتأجيل الدفع  فقط ، وليس التغاضي عنه.  

الطعام الذي كان يُقدَّم على هيئة حبوب للأيتام والأسر الفقيرة  كان يصرف كصدقات  باسم الإمام ، وليس حقاً من حقوقهم من خراج الأرض وزكواتها وأوقافها .  يرد في كتاب علي محمد النوبي (مسيرة اليمن)  الكثير من الحكايات تلك منها أنه "  التحق هو وأخوه أحمد النوبي، بمكتب الأيتام الكائن أمام قصر السلاح حتى بلوغه الصف السادس، وكان عليهما أن يواصلا دراستهما في المدرسة المتوسطة، ولكن بسبب ازدحام المدرسة عادا لمكتب الأيتام للدراسة في فصول متقدمة، غير أن سيف الإسلام الحسن - نائب الإمام أحمد في صنعاء، "حينما تسلَّم معلومية تقرير الإدام (الأكل)، رفض ذلك وأمر بإلحاقهم بالإنشاءات في أعمال البناء كنجارين و "موقّصين" (مشكّلين للأحجار)، ولم يناسبهم ذلك، فذهبوا بعده أثناء دورته إلى منطقة "علمان" شمال شرق قرية القابل، لمراجعته  وهم يلهثون وراءه وهو على (حماره) وشكوا عليه، وكان رده عليهم قاسيًا حينما قال: "ما دام وقد ختمتم الختمة وتعلمتم الصلاة، فما بقي لكم إلا أن تعملوا حيث أمرناكم بعد أن علمناكم وأطعمناكم لوجه الله ولمصلحتكم". ص 42.

لاحظ أن الطعام البسيط الذي كان يقدَّم للطلاب الأيتام يعتبره نائب الإمام على صنعاء - وهو بالمناسبة أخ أصغر للإمام أحمد،  والذي كان قاب قوسين أو أدنى في تنافسه مع البدر ليصير إماماً، لولا ثورة سبتمبر العظيمة التي عرَّت زيف و استبداد هذه السلطة المتخلفة - صدقة تقدم لوجه الله ، وليس واجباً على دولة حيال مواطنيها الذين أفقرتهم. 

حتى أن الطعام الذي كان يصرف على أسر الجنود  يتم استعادته من بيوت المتوفين من جنوده،  ويقول  النوبي في ذات الكتاب  "توفي والدي في العام 1944، في منطقة الزُّهرة بتهامة، وهو في مهمة حكومية، وبعد وصول خبر موته ودفنه هناك، جاء أحد الجنود يطالب الأسرة بالقمح الذي صُرف لإعاشتهم؛ لأن هذا المصروف ، من الطعام، كان لشخص على قيد الحياة، وما دام قد توفي فعلى أسرته إعادة الطعام إلى بيت المال.  ويضيف النوبي في ذلك: "في اليوم الثالث من العزاء المتواصل وصل عسكري يسمى "العنقرية" على حمار مرسل من إمارة الطُّبشية (المدفعية)، لغرض استرجاع الطعام "السبارش"، وقدره "قدح ونصف حبّ"، الذي كنا قد استلمناه من شوانة "مخازن"، القصر قبل وصول التلغراف (بوفاة الأب)، بحجة أن السبارش للمستخدمين الأحياء". ص 6.

يروي النوبي أنه أثناء تحميل الحمار بالحَب المسحوب من البيت، دخلت على والدته بعض النساء من الجيران للتعزية، ومن ضمنهن زوجة التاجر اليهودي "أفرهام هارون" التي نقلت للأم تعازي العائلة، ونقلت أيضًا مسامحة التاجر اليهودي للمتوفَّى من دَيْنه البالغ تسعة ريالات، كان قد استدانها قبل وفاته بقليل. بعدها بأيام ذهب أحد مرافقي المتوفَّى إلى إمارة العُرضي لتسليم الأمانات التي كانت بعهدته أثناء مهمته في الزهرة، غير أن "عنقرية" آخر حضر إلى المنزل يطالب الأسرة بخمسة معابر "عَطَل" (خراطيش فارغة) كانت ضمن العهدة، ولم يكن أمام الأم سوى بيع بعض مقتنياتها لسداد قيمة المعابر.

نظام السخرة كان أحد أدوت سلطة الامام التي تتشدق بالدين لإخضاع المجتمع ؛ وترد في رواية الراحل الكبير (محمد حنيبر)  المعروفة (قرية البتول)  الكثير من تفاصيل هذا النظام القهري ، وبسببه اضطر الكثير من اليمنيين  إلى مغادرة البلاد بحثاً عن أوطان  جديدة تحفظ لهم كرامتهم كبشر،  و تمنع عنهم  شر العوز والجوع ؛  تبدأ أحداث الرواية من قرية يمنية بائسة ترزح تحت وطأة الفقر والجهل  والاستبداد أعطاها المؤلف  اسم "قرية البتول"  التي يقتحمها عساكر الامام " عساكر السخرة"  في ليلة شتائية بحثاً عن جِمَال الفلاحين وحميرهم  لأخذها مع أصحابها لأعمال سخرة تنفذها  سلطة الإمام في مناطق اخرى خارج القرية.  "الحاج حسين" الذي لم يكن قد وصل القرية مع حماره وولده علم من زوجة الولد التي تلقفتهم في الطريق، بوجود العسكر في منزله بانتظاره  هو والحمار ، فأخذ الأبن الحمار الى كهف  بجبل في القرية ورجع الأب الى المنزل وحيداً بدون الحمار والولد ، وتحجج للعساكر ان ولده سافر بالحمار بمعية مستأجر الى (يريم) ،غير أن العسكر لم يصدقوه وأوسعوه ضرباً بوحشية قاسية بعصيهم الغليظة وأعقاب بنادقهم ، ولم يتركوه الا بعد أن صار جثة هامدة، وحينما عاد ولده "صالح" في الصباح  الباكر من اليوم التالي ،من الجرف الذي اختبأ به مع حماره ، تلقفته فاجعة مقتل أبيه المسن، وحينما عاد لأخذ الحمار من الجرف، بعد وقت طويل  من دفن أبيه وأخذ العزاء فيه، وجد وحوش الجبل قد أكلته.  بقي (صالح)  في القرية لأشهر قليلة حتى انتهاء الموسم الزراعي  ،ليستطيع الحصول على حق العائلة بما فيهم الأب المقتول من عملهم في حقول الغير، وبعدها قرر الهجرة ، تاركاً زوجة شابة حامل ، وأم ثكلى.

هذا النص بمسوغه الأدبي صار مع مرور الوقت وثيقة تاريخية تدين تلك الحقبة  ونظام السخرة الذي اتكأت عليه السلطة لقهر أبنائها وإذلالهم، وهو ما نشاهده اليوم حين يُطلب من موظفي المؤسسات والجهات الحكومية الالتزام بالدوام ، دون أن يتحصلوا على أي شيء مقابلاً لذلك بما فيها مرتباتهم المقطوعة منذ ست سنوات ، والتي ظهر أخيراً واجهة السلطة هذه  يعتذر عن صرفها ، ويعلم القاصي والداني إن ايرادات هذه السلطة وجباياتها  الشهرية تغطي كامل المرتبات لسنوات غير أن إنفاقها على مشاريع الجماعة وتقوية سلطتها ، مقدمٌ على أي شيء بما فيها مرتبات الموظفين الذين يعيلون ملايين الأفواه الجائعة .  

وعن نظام السخرة في سلطة الأئمة  يرصد النوبي  في كتابه هذه الواقعة :
 "أنه بعد حركة 48 الدستورية تم الحكم على طلاب الرئيس جمال جميل في المدرسة الحربية ومدرسة الإشارة بالسجن الشاق ، وبعد استعطاف الإمام الجديد، أمرهم  بالعمل بالسخرة لشق طريق صنعاء- صعدة، مرورًا بعمران وريدة وخَمِر وحُوث وحرف سفيان، وترافق ذلك مع طلب سيف الإسلام الحسن "من مشايخ المناطق الشمالية الذين تمر الطريق في مناطقهم، بتشغيل أفراد القبائل سُخرةً لاستحداث طريق تصلح لمرور "المواتر" (سيارات النقل الكبيرة) الحمَّالة عبرها من صنعاء إلى صعدة، لنقل معونات مولانا أمير المؤمنين لرعاياه من القمح الأمريكي وغيره من هبات الإمام". ص 32.

وفي إحدى المناطق تجمّع طلاب المدرسة الحربية مع القبائل للعمل في الشق، وبعد أيام بدأت الاحتكاكات بين الطرفين، بسبب أن القبائل، وبتحريض من المشرفين، اتهموا الطلاب بقتل أمير المؤمنين، وأنهم "مدسترون" (أنصار الدستور)، باعوا البلاد للنصارى مع عبدالله الوزير، وكانوا قد انتقلوا للسكن في مسجد مهجور على أطراف القرية، بعد أن رفض المشرف مشاركتهم الخيام أو الإقامة بقربها، فعاشوا أيامًا بائسة، صادفت شهر ديسمبر شديد البرودة، وفي إحدى عصاريه، وهم يودعون دفء شمسه وهم مسنودون على جداره، رأوا عددًا قليلًا من الأشخاص يتناوبون على حمل نعش، فذهب بعضهم للاستئجار (كسب الثواب) بحمل النعش معهم إلى المسجد للصلاة عليه، لكنهم تفاجؤوا أن الأشخاص لم يكونوا متجهين للمسجد، بل ذاهبون مباشرة إلى المقبرة؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون عن وظيفة المسجد شيئًا، فهم لا يصلون في الأصل ولا يعرفون ما هي الصلاة! وأن ميّتهم كان بثيابه المتسخة داخل نعشه ومغطى بالريحان، وحين انبرى أحد الضباط لإفهامهم بخطأ ما يفعلون، وأن القبر الذي حفروه لم يكن مُلحَّدًا. شرع الطلاب بغسل الميت وتكفينه والصلاة عليه وتعميق القبر وتلحيده، ودفن الميت بالطريقة المتعارف عليها؛ وحين أوصل سكان القرية الخبر لشيخهم استدعى الطلاب وضباطهم للعشاء والسمرة ليتفهم منهم، وقال الشيخ لهم إن أهل القرية لم يعرفوا الصلاة وقراءة القرآن، وعلى لسانه ترد -بعد أن طلب منه أحد الضباط إحضار مصحف لقراءة القرآن إلى روح المتوفَّى- هذه الجملة: "لا قرآن عندنا، ولا أحد منا يقرأ منذ عرفنا دولة الإمام يحيى" ص 37، وقال إنه سيذهب لمقابلة نائب الإمام لمطالبته بمعلامة وإمام لجامع القرية، وبعد وصوله إلى صنعاء طلب من العامل أن يكتب إلى النائب بما طلب، فكان رد النائب على رسالة العامل بأن: "القبيلي إذا تعلم فأول ما يبدأ يخط هو الشكوى بالعامل، وجارك الله من القبيلي حين يتعلم". ص 37. 

المقال خاص بموقع "المهرية نت"