icons
البث المباشر

آخر الأخبار

الأمل والشارع ودلالة أحدهما على الآخر

الاربعاء, 07 أكتوبر, 2020

الحرب، وما يظلل حياتنا بسببها من سحابة إحباط خانق، والحواجز المتناثرة التي تعترض طريق  أصغر أمانينا وأقلها شأنا، وهذا الخمول الذي أصبح سمة ثابتة في معظم تفاصيل حياتنا ؛ كل هذا ساهم في توسيع مفهومنا عن الأمل . بعبارة أخرى، لقد أخذنا نكتشف الأمل من خلال الفراغات التي تركها خلفه وهو ينسحب من حياتنا، وقد كان متعذرا علينا ملاحظته عندما كان يملأ هذه المساحات في وقت سابق .
قبل ذلك، كان الأمل بالنسبة لنا كلمة لا يمكن استدعاؤها سوى عند مستوى عال من مواقف الحياة، ولا يصبح لها معنى في غير المحطات الرئيسية في تاريخ الفرد مثل الدراسة، الزواج، المرض، السفر بعيدا، الوظيفة، الانضمام إلى حركة سياسية...إلخ

هنا فقط كان الحديث عن الأمل يبدو مسوغا ومعقولا . غير أن الجفاف الحاصل في حياتنا حاليا دفعنا لاكتشاف كيف أن الأمل متعلق بأدق تفاصيل الحياة الإنسانية، وأنه يصنع الفارق في أتفه أنشطتها وأكثرها بساطة . هل كان الفرد منا ليعلم أن نبرة صوته، تسريحة شعره، ومدة نومه، ولون ثيابه وكل هذه الأشياء الهامشية يمكن أن تكون دلالة مهمة على حضور أو غياب الأمل داخل نفسه ؟!

لا يحتاج الإنسان الأمل فقط من أجل إتمام مشروع التخرج في الكلية، أو التقدم لخطبة فتاة، أو الرحيل خارج البلد، أو الانتظام في استعمال أقراص الدواء الضرورية، بل يحتاجه من أجل القيام بأعمال أدنى من ذلك بكثير :
يحتاجه لينام باكرا ويصحو باكرا لأن اليأس يميل إلى إلغاء الإحساس بأهمية الزمن وتقسيماته . يحتاجه لكي يتحدث بطريقة مهذبة مع الجار، فاليأس يحمل على تهميش المشاعر واحتقارها . يحتاجه أيضا من أجل متابعة استخدام معجون الأسنان وترتيب فراش النوم والتعرض لقدر معين من الشمس بشكل يومي لأن الأمل حين يضيء النفس يعكس في الذهن ظلالا كبيرة وعملاقة لأصغر المثاليات، لكن والأهم من ذلك والأغرب أنه يحتاجه بشدة من أجل مجرد مغادرة المنزل إلى الشارع والاحتكاك بالحياة العامة !

لماذا أصبح الخروج إلى الشارع لبعض الوقت قرارا مصيريا يستدعي الكثير من التردد والمداولة مع النفس ؟ هذا السؤال التفصيلي البسيط، الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه موضوع فقرة قصيرة من برنامج ترفيهي، ربما يكون السؤال الأعمق والأخطر في حياة اليمنيين بشكل عام .

طبعا، الخروج المقصود هنا هو الخروج الطوعي الذي يمليه الشغف والفضول والرغبة في المشاركة والاجتماع، وهذا النوع من الخروج هو الذي يصلح دليلا على الأمل ومعيارا لمقاومة اليأس، لأن الناس، مثلا، سيخرجون دائما من أجل لقمة عيشهم سواء بالأمل أو بدونه ؛ ومن أمثلة هذا النوع من الخروج قطع مسافة بعيدة في سبيل كأس من الشاي وسط المدينة، أو الذهاب خلف جنازة فقيد لا يعنيك أمره بشكل مباشر، أو الاستقامة في وقفة تضامنية مع صحفي معتقل، أو المشاركة في احتفال وطني، وكل ما يشابه هذه الأفعال التي هي عماد الحياة العامة وعلامة المجتمع الحضاري .

هذه الأفعال تكشف عن إيمان بإمكانية خلق حياة متنوعة ومثيرة، وهذا هو الأمل بالضبط، الإيمان بتنوع الحياة وإمكانية التأثير عليها وتغييرها نحو الأفضل، والتعبير الأمثل عن هذا الأمل يتجلى في السعي المحموم لاكتشاف مساحات جديدة في العالم الواقعي تكون حاضنا لتجارب جديدة ومغامرات خارج المعتاد ؛ وفي المقابل يتجسد غياب الأمل في محاولة تقليص العالم الواقعي إلى أضيق مساحة ممكنة هي المنزل الذي أصبحت مغادرته نوعا من العقوبة بالنسبة للكثيرين منا .

لقد أصبح الشارع اليمني الذي هو بوابة الحياة العامة ورمزها مصدر الكثير من الإحباط . المسلحون وجو الخطر الذي يحيط الشوارع في وجودهم، والعابرون والقلق الذي ينضح من عيونهم، والتوتر السائد في عمليات البيع والشراء بسبب الغلاء، ونبرة الشكوى التي تسم أحاديث الجميع، وأكوام القمامة التي راحت تتطاول حين استشعرت ذعر الإنسان في الجوار .
 
في ذروة شعورهم بالأمل خرج الناس إلى الشارع في 2011، وكان ذلك الخروج الكبير يقدم لنا تعريفا جديدا للشارع على النقيض مما هو عليه الآن، ولو أن ذلك الخروج حقق غايته وعاد لليمنيين بالدولة المدنية التي طالب بها، لتغيرت علاقة الناس بالشارع إلى الأبد . كان الشارع اليمني سيصبح فضاء للأنس والإثارة والجمال والحرية مثله مثل هذه الشوارع الساحرة التي تظهر لنا في الأفلام والأغاني، وكان سيصبح بلاشك دليلنا على الأمل ودليلنا إليه .

المزيد من يعقوب العتواني