icons

آخر الأخبار

عن التهكم الشعبي وحلاوة التحالف الأشد مرارة !!

الجمعة, 23 سبتمبر, 2022

لفت انتباهي مادة صحفية ذكية نشرت خلال الاسبوع الماضي في "منصة خيوط" للصحفية شروق ناصر عنوانها (بُزوغ "الصَّمَرْقَع" في عدن  وأُفول حلاوة التحالف)(*)  تتبعت فيها  شيوع منتجات استهلاكية في مدينة عدن ومحيطها و ارتبطت مسمياتها  بحالة الحرب  التي عاشتها المدينة التي لم تزل غارقة في الفوضى، متخذه من عبارة لوليام إسحاق توماس التي تقول : "الأسماء تحمل طاقة معنَى بالتأكيد. وهي تحرك كل إفتراضتنا المُسبَّقة وأحكامنا الخفيَّة حول الهويَّة الجسدية البيولوجيا والمنشأ الاجتماعي والانتماء الطبقي والاعتناق المذهبي" مدخلاً ناعماً لقراءة  تفاعل المجتمع الذي يعيش حالة الحرب والانقسام مع هذه المسميات التي ابتكرها للتعبير عن قربه من الحالة التي انتجتها ولصيقة بها، ومن ذلك منتج لحلوى شعبية ظهرت مع انخراط التحالف في حرب تحرير عدن قي 2015م واسميت الحلوى باسم (حلاوة التحالف) استخدم مبتكرها توليفات جديدة في تحضيرها على غير المكونات الشائعة لأنواع الحلويات التي تشتهر مناطق عدن ولحج، ومنها الطبقة اللونية الموزعة بين البني الداكن القريب للسواد والأبيض.
تقول في سياق الحديث وبلغة تهكمية رفيعة:

"ولأن أسم هذه الحلاوة في حد ذاته مرتبط بحدث عسكري وسياسي، فإن نطاق بيع هذه الحلوى اقتصر على المناطق الحكومية في اليمن، أما في مناطق سيطرة "الحوثيين" فكان إدخال هذه الحلوة إلى صنعاء قد يودي بصاحبه للسجن وهو ما أدركه اليمنيون في تلك المناطق وعبّرت عنها تعليقاتهم الطريفة ومنها قول أحدهم: "من بيتجرأ يفتح بصنعاء محل يسميه التحالف أو النصر؛ يسميه حلاوة العدوان".
 وفي صفحتها على فيسبوك عرضت فتاة بيع أصناف من الحلويات العدنيَّة لبيعها في صنعاء، ومن بين هذه الحلويات (حلاوة التحالف)، فردَّت فتاة على منشورها مُعلّقة بسخرية: "لو تفتكري إنك بعدن والاسم هذا يلعب معانا فانتي غلطانة سميها حلاوة تُوشكا، حلاوة النصر، وأبسري كيف عاتبتاع". الطريف في الموضوع أنّ الفتاة فعلًا غيَّرت اسم الحلاوة عندما تُرسلها إلى صنعاء، وسمَّتها حلاوة "النصر"، نسبة إلى محل بيع الحلاوة الشهير في الشيخ عثمان، في محافظة عدن.

تنقل الصحفية هذه الواقعة بدلالتها البليغة ولغتها المحكية العدنية لاختصار معاناة الناس بلفظ عفوي منطلق من لسان امرأة فقيرة لا تستطيع تلبية طلب ولدها الصغير في الحصول على قطعة من هذا النوع من الحلوى:
 "توقفت أمام محل بيع الحلاوة، لتقصي الآراء حول "حلاوة التحالف"، واذا بامرأة تنهر طفلها عندما طلب منها حلاوة التحالف وتقول للبائع: "جيب له بمئتين لدو (حلاوة هندية)، اللدو كثير بمئتين أما حلاوة التحالف بيعطيك قطعة صغيرة بتشلها بلقمة واحدة وبمئتين،  بدت على ملامح الطفل الرفض لاقتراح والدته، لكنه سكت وطأطأ رأسه رافضًا فكان صوتها أشد قسوة،  وكررت له " تشتي لدو وإلَّا لا؟ وأضافت: " بطلنا حلاوة التحالف، شفنا المُر منهم"، وغادرت المحل تسحبه باكيًا وهو يصرخ."

بعد وقت ليس بالطويل اكتشف اليمنيون في شمال البلاد وجنوبها أن التحالف الذي جاء تحت شعار تحرير اليمن من الانقلاب الحوثي  ودعم الشرعية وبناء الدولة، بأنه ليس أكثر من فخ نصب لهم، وان تدخله جاء لتمرير مصالح كبرى في بلد متهتك صار نهباً للميليشيات المتشددة مناطقياً  وطائفياً  وجهوياً ، التي انتجها وغذى مشاريعها  التفكيكية التحالف نفسه، بما فيها الميليشيات الحوثية التي  صارت مع الوقت ،وبرغبة دولية وإقليمية، سلطة أمر واقع ولم يعودوا جماعة متمردة وانقلابية على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني التي أجمعت عليه كل المكونات السياسية..  جماعة وظَفت إمكانية البلاد وبناها المؤسسية، على هشاشتها ، لصالح مشروع الجماعة الطائفي واستجاباته الإقليمية، وصار التحاور معها واقعاً لا تخطئه عين. تنصلت عن كل التزاماتها تجاه المجتمع وقضاياه الحيوية من موقعها كسلطة، لتمارس في ذات الوقت وبكل خشونة بأدوات  قهر متنوعة  التغول السلطوي العِصابي من جباية وتكميم ومصادرة، دون أن يحرك لها ألم الناس ساكناً، ودون أن يجد الواقعون تحت بنادقها وكاميراتها الأمنية ومشرفيها في كل حارة و وقائييها من الأمنيين المبثوثين في كل زقاق من يسندهم أو يتحدث عنهم بصوت مرتفع ، خصوصاً ممن أسالوا كثيراً من الكلام عن حقوق الشعوب،  واصطفافهم في متراس العدالة وغيرها من جمل الإنشاء المتخشبة والمستهلكة.

 في المقابل كبرت وتضخمت واستشرست الأذرع الميليشاوية للمجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال، بدعم من الطرف الثاني في التحالف (الإمارات) وتستخدمها بدرجة رئيسية لتنفيذ مخططها في السيطرة على مناطق الثروة، و الممرات المائية والجزر الاستراتيجية، وتعطيل الموانئ ، من بوابة شعارات استعادة الدولة الجنوبية، على ركام من الفوضى والانفلات والتعدي على الفضاء العام والجبايات.
 
في الجزئية الثانية من مادة الاستطلاع  ظهر ملفوظ "الصَّمَرْقَع"كاسم لأحد منتجات صابون الغسيل وأشتهر بسرعة في أسواق عدن ومحيطها في المحافظات الجنوبية في ذات الفترة ، واُستلهم الاسم من حديث لقائد كبير في المجلس الانتقالي الجنوبي حين قال ( بانجيب لهم "الصَّمَرْقَع) في إشارة لخصوم المجلس في الحكومة الشرعية، و"الصَّمَرْقَع" هو حالة التوتر والانفعال الشديد المصاحب لوجع الراس وتقول الكاتبة  عن ذلك:

ومن حيث المعنى العام الذي يُعرف به الصمرقع فهو" الوجع في الرأس، كما وتتداول هذه الكلمة في دول الخليج العربي بـ(صمركع، صمرقع)، بمعنى " ألم ودوخة بالرأس"، ودائمًا ما تتداول مع جملة؛ "جبتلي الصَّمَرْقَع"، وفي المعنى الشامل للكلمة الصمرقع هو؛ مرض يُصيب الإنسان باضطراب عقلي".

  فيما أكد أحدهم على مصداقية الجملة المُكررة التي ترتبط بالصمرقع: "إذا قالت الزوجة أن زوجها جاب لها الصمرقع، صدقوها". أما المعنى الجديد المضاف للحالة بعد نزول مسحوق الغسيل الذي يحمل ذات الاسم ، فقد  فسرها أحدهم بأنها تعكس أصدق تعبير على واقع المرأة اليمنيَّة بشكل عام لا سيما في المناطق المحررة التي لا تتوفر فيها الكهرباء التجارية، وتعتمد أساسًا على الكهرباء العمومية، فإن انطفاء الكهرباء المُفاجئ، أثناء غسيل الملابس، وفي اليوم الذي يأتي  به الماء من المشروع، فإن الصمرقع هو واقعها لا سيما وهي تغسل بمسحوق الصمرقع، " هذا حال من تُصبِّن {تغسل} وتطفي{ تنطفئ}  الكهرباء يطلع لها "الصَّمَرْقَع"

(**)
الشارع في اليمن صار ينتج لغته التهكمية العالية في ردود فعله على حالة التهتك الشديدة التي يعيشها المجتمع جراء حالة الحرب ومتناسلاتها ، وتأثيراتها المباشرة على حياة المواطنين الرازحين تحت ضغوط الغلاء والفوضى وانسداد آفاق الحل. وصارت المادة الصحفية في كثير من المواضع أداة توصيل سهلة لهذه التناولات الاحتجاجية الرفيعة.
(*)https://www.khuyut.com/blog/alsamarqa