icons

آخر الأخبار

كارثة اليمن واليمنيين بدأت من هنا !!

السبت, 20 أغسطس, 2022

شهد عقد التسعينات أخطر التحولات السياسية في المنطقة ،بسبب ارتدادات دولية عاصفة ، محطتها الأولى تمثلت بسقوط جدار برلين في نوفمبر 1989م، والذي أنهى رمزية الانقسام الدولي بين المعسكرين (الاشتراكي والرأسمالي). في هذا الظرف ذابا شطرا اليمن في دولة واحدة بسلطة مركزية هشة تقاسم فيها الحزبان الحاكمان (المؤتمر الشعبي والاشتراكي اليمني) الوظيفة العامة ومؤسسات الدولة بكل تناقضاتها.. حمولات الحزبين وجهازيهما الوظيفيين صار عبئاً حقيقياً على الدولة الوليدة، التي ارتسمت في مخيلة اليمنيين وعاطفتهم ،لحظة إعلان قيامها ،كحالة فارقة يمكن أن تنقلهم إلى مصاف الاستقرار الاقتصادي والسياسي والتنمية، لكنهم اكتشفوا بعد أشهر قليلة التناقضات البينية الكبيرة بين شقين سياسيين ، الأول قادم من الجنوب ببنية تنظيمية واضحة وإرث كبير من المنجزات الاجتماعية التي كان يقدمها لمواطنيه القليلين( في التعليم والصحة والغذاء) كأي دولة اشتراكية فقيرة في العالم الثالث، والثاني تنظيم سياسي مترهل ضامن لمصالح العديد من الرموز السياسية والقبلية والدينية والعسكرية التي تدير دولة غارقة في الفساد والتسول.


كان لابد لهذا الوضع الأعرج أن ينتهي بإزاحة أحدهما، ولأن بنية السلطة المتغوِّلة شمالاً، تقوم على قاعدة عريضة من التحالفات العسكرية والقبلية والدينية وبخبرة سياسية كبيرة في إدارة التباينات بينها ، خاضت حرباً اجتثاثية للمكون الأخر وحواضنه الجغرافيا والاجتماعية في الجنوب تحت شعارات عاطفية سائلة تتصل بوحدة التراب المقدس.. كان عين السلطة  فيها مفتوحة على الجغرافية البكر وثرواتها الطبيعية شريطها الساحلي الكبير.. رأس حربة  هذا التحالف في هذه كانت الجماعات الدينية المتشددة ( الجهاديون العائدون من أفغانستان)، ومن العسكريين الجنوبيين الذين قادتهم صراعات الرفاق في 69، 78، 1986م والمكون الأخير هو من كان صاحب الفضل في حسم المعركة العسكرية بسبب ثأره الطري الذي لم يبلغ عقده الأول.


استباحة الجنوب وتجريف إرثه الثقافي والاجتماعي من قبل هذا التطييف الواسع من الحلفاء المتناقضين، وإخضاعه بصفته فرعاً عاد للأصل ما كان ليتم بتلك الطريقة، والتغاضي عن تجاوزاته  لولا التعهدات الكبيرة التي قدمتها سلطة صنعاء لطرفين حيويين  لهما مصالحهما وحساباتهما الكبيرة في مرحلة ما بعد سكوت مدافع المتحاربين؛ أما الطرفان فهما  إقليمي مؤثر، و دولي مسيطر.


الطرف المؤثر إقليمياً هو المملكة العربية السعودية والتي رأت في سلطة حلفائها القريبين  في صنعاء  وتمددهم الجديد جنوباً قد أزاح من طريقها التوسعي عقبة كبيرة تمثلت في سلطة الحزب الاشتراكي اليمني التي رفضت، تارة بشكل خشن وأخرى بشكل لين، وعلى مدى أكثر من عقدين طلب السعودية ترسيم حدودها التي ترتبط بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، فكانت عملية إزاحة الحزب وكسره عسكرياً في صيف 1994م تلبي طموحها التوسعي، وقد وصلت إلى مبتغاها بعد خمس سنوات تقريباً بتوقيعها اتفاقية حدود مجحفة  في ابتلعت بموجبها عشرات الآلاف من الكيلومترات خارج اتفاقية الطائف التاريخية التي وقعتها سلطة الإمام يحيى بن حميد الدين كطرف منهزم في الحرب وسلطة الملك عبد العزيز ال سعود كطرف منتصر في حرب تهامة في العام 1934م اقتطفت بموجبهما السعودية كل المخلاف السليماني ونجران من خارطة اليمن ومكونها الطبيعي.


الرشى الكبيرة التي قدمتها الجارة النفطية الثرية لسلطة صالح ورموز حكمه والمنتفعين الصغار منها  كانت كافية لإسكات أصوات المعارضة لهذه الاتفاقية، والغريب أن النخب السياسية كلها تقريباً صمتت على هذه اللصوصية الفجة التي تواطأت عليها سلطة فاسدة ، هي في الأصل إحدى نتاجات التسويات السعودية التاريخية والتي ابتدأت مع رعايتها لاتفاقية المصالحة في مارس 1970م بين الصف الجمهوري الموالي لها ، والصف الملكي الذي احتضنته ومولته طيلة سنوات الحرب الملكية والجمهورية ( 1962- 1970)
الطرف المسيطر دولياً الولايات المتحدة الأمريكية - التي خرجت مطلع التسعينات منتصرة من قيادتها للمعسكر الغربي( الرأسمالي) في حروبها الباردة والساخنة- 1945-1990-، التي خاضتها ضد المعسكر الشرقي( الاشتراكي) بقيادة الاتحاد السوفييتي، لم تسمح لتحالف صنعاء من اجتياح الجنوب إلاًّ بشرطين هما تدمير ترسانة السلاح الروسي التي كان يتزود بها جيش جمهورية اليمن الديمقراطية وتبديد عقيدته العسكرية باعتباره إرثاً ماضوياً لا يتناسب مع الترتيبات الجديدة في المنطقة وتسويق مفهوم الشرق الأوسط الجديد بعيداً عن حدوده الجغرافية وتحالفاته السياسية السابقة في ظل سيطرة القطب الواحد ومشروع العولمة الذي تقوده في العالمين القديم والجديد عبر أدواتها الاقتصادية والمالية ومنها التدخلات عبر برامج البنك الدولي وصندوق النقد في سياسات البلدان الاقتصادية والمالية , ومن المنطلق الأخير جاء شرطها الثاني، وهو اخضاع السياسات المالية والاقتصادية للدولة اليمنية في مرحلة ما بعد الحرب لشروط البنك الدولي وسياساته  ومنها رفع الدعم عن السلع الأساسية والوقود وخصخصة مؤسسات ومعامل القطاع العام.


بعد ربع قرن من تدخلات البنك الدولي في السياسات المالية والاقتصادية وصلت البلاد إلى الحضيض بسبب التضخم وارتفاع معدلات البطالة وتفشي ظاهرة الفقر في المدن والأرياف ، وإن المعالجات الخاطئة  للاختلالات الهيكلية بسبب الأزمات المالية العالمية التي بدأت بشرق آسيا وصولاً إلى أزمات الرهن العقاري الذي ضرب الولايات المتحدة في العام 2006 قادت إلى كوارث حقيقية  لم يزل يدفع ثمنها المواطن البسيط، وفاقمتها أكثر سنوات الحرب التي لم تبق ولم تذر أي أمل للتعافي في السنوات العشر القادمة على الأقل.


باختصار كارثة دولة الوحدة الاقتصادية والسياسة  بدأت أولاً مع قرار الحرب واجتياح الجنوب بموافقة أمريكية وسعودية، كان الهدف منها تحقيق مصالح ومنافع متبادلة بين سلطة فاسدة اغتنمت كل شيء في الجنوب من بيعها لتراب الوطن للسعودية ورهن البلاد برمتها للولايات المتحدة  عبر البنك الدولي وسياساته الإفقارية المريعة، وبين مشترين جشعين يريدون للأوطان أن تكون  ،على الدوام ،مكباً لنفاياتهم القذرة.



*المقال خاص بالمهرية نت