آخر الأخبار

لماذا يتوجب علينا كسر الصنم ؟!

السبت, 11 سبتمبر, 2021

بقيت لفترة أتتبع الكثير من تفاصيل رحلة الكفاح الملهمة التي خاضها رجل الأعمال المثقف علوان سعيد الشيباني، وصنعت منه اسماً رائداً في قطاع الأعمال، أقلها أنه كان عنواناً لرجل السياحة والسفر الأول في اليمن لسنوات طويلة ، ولم يزل في هذه الظروف شديدة القسوة يعمل من أجل البقاء على كثير من وهج ذلك الحضور.

 في مناسبات متفرقة روى لي الكثير من الحكايات والمواقف التي عاشها أو صادفها ،و تستحق أن تروي لما تحمله من دلالات وعِبر ، ومنها هذه الحكاية التي اقترحت  لها عنواناً يتصل بتصنيم العيب وعبادته والتي يقول فيها: 

قررت مؤسسة الخير للتنمية الاجتماعية التي أرأسها  في العام 2014م   تدريب 180 شاباً وفتاة من مناطق نائية في محافظات مأرب وشبوة والجوف على دفعات، بهدف اعادة  تأهيلهم/ن كفاعلين مجتمعيين في مناطقهم البدوية شديدة الانغلاق ، في اطار هدف عام للمؤسسة وهو بناء قدرات الشباب بجنسيه في المناطق المهملة والمغيَّبة.

 ويقول في السياق :

التقيت بهم أول مرة في لقاء تعارف ، وأثناء الحديث انبرى أحد الشبان من مأرب وقال ماذا تريد منا يا استاذ بالضبط من قيامك بهذا الفعل ؟!.. قلت لا شئي قال كيف لا شئي؟! حتى الله سبحانه وتعالى قال وما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعبدون !!.

قلت ممتاز إذن تعال لنتحاور... أنا شخصياً ولا المؤسسة  نريد شيئا منكم  ...  مناطقكم  هي التي تريد منكم  الكثير والكثير جداً ،  فتدريبكم وتأهيلكم لمهن بسيطة  سيعود بالنفع عليكم و عليها وعلى المجتمع برمته.

اقتنع بكلامي  وجلس، فبدأت اسألهم
ـ  من منكم يريد العمل كسائق؟!
الكثير منهم رفعوا أيديهم

ـ من الذي يريد منكم العمل كحارس؟

رفع عدد منهم أيديهم.

ـ من منكم يريد العمل كهربائي؟

قليل منهم من رفع يديه

ـ طيب ومن منكم  يريد العمل كسباك؟

ولا أحد من الحاضرين رفع يده !!

فسألتهم لماذا لا تريدون العمل كسباكين ، وعمال ومهنيي تمديدات صحية؟

قالوا هذا عيب !

قلت لهم : هذه مهنة من المهن التي تدر دخولاً مرتفعة، والطلب عليها في ازدياد مع انتشار العمران.

قالوا هذه مهنة حمامات ومطاهر، وفي سالفنا عيب العمل بها !

قلت لهم:  هل تعرفون أني حينما كنت طالبا في أمريكا في منتصف ستينيات القرن الماضي، وكان يتوجب علي دفع رسوم الدراسة الجامعية بانتظام وبمواقيت محددة ، كنت أعمل في مطعم  خاص بفندق كبير في المدينة التي كنت أدرس بها، انظِّف الأطباق، وحمامات النساء، وأمسح أحذية النزلاء مقابل القليل من المال ، الذي يعينني على مواصلة التعليم في الغربة، وها أنا ذا بينكم  فما الذي نقص مني؟

العمل الشريف ليس عيباً، وعلينا اذا أردنا أن نخلق تحولاً ايجابياً في المجتمع أن نكسر الصنم الأكبر، الذي يعبده المتخلفون وهو العيب .

وبعد أن أنهت المؤسسة تدريبهم بنجاح كبير، أردنا تنظيم حفلاً بسيطا  لتوزيع الشهادات والقاء الكلمات وما إلى ذلك من التفاصيل ، فأرسلت مديرة مكتبي  للجلوس معهم لترتيب البرنامج ، وبعد ساعة اتصلت بي منزعجة جداً، وتشكوا من صعوبة التعامل معهم، فقلت لها أنا سآتي شخصياً للجلوس معهم.

وحينما وصلت إليهم وهم في لحظة توتر قصوى، قلت ما المشكلة؟  قالوا باختصار لا نريد فتاة تلقي كلمة المتخرجين، ولا نريد للفتيات الجلوس قي الكراسي المتقدمة  والصفوف الأمامية، قلت لهم هذه ليست مشكلة تعالوا نتناقش؟ وحين انتظم الحديث، قلت أريد أن أسأل سؤلاً بسيطاً ؟  الملكة بلقيس الحبشية حينما أرس.... لم أنه العبارة إلاَّ وهم يصيحون بلقيس يمنية وليست حبشية يا أستاذ !! قلت حبشية وإلاَّ يمنية؟ قالوا يمنية، ومن مأرب ، ومن مأرب أيضاً ، طيب كويس أنكم تعون التاريخ.  وكلنا يعرف أن هذه الملكة كانت تحكم بلاداً غنية ، وكل مستشاريها من الرجال ، ولا تقطع أمراً حتي يشهدون عليه ؟ فما الضير أن تلقي واحدة من حفيداتها المعاصرات  كلمة الخريجين والخريجات...  سكتوا قليلا ثم  قالوا موافقين .


قلت هذه النقطة الأولى  التي صنعتم منها مشكلة. لنأتي للنقطة الخلافية الثانية، لماذا لا تريدون للمتخرجات الجلوس في الصفوف الأمامية؟!  قالوا هذ عيب ، فالمرأة لا تجلس أمام الرجل!!
قلت أنا أعرف في سوالفنا أن الرجل دائما يجعل المرأة أمامه ليحميها من أي اعتداء، فاذا تركها خلفه مثلاً  فقد يأتي أحدهم  من الخلف ويختطفها أو يلحق بها الأذى، هنا ضجت الصالة بتصفيق الفتيات، فقام أكثر الشبان عناداً  ورمى أمامي بشاله وقال "بجاه الله خلاص نحن موافقين"

وفي صبيحة الاحتفال ألقت أنبه المتدربات وأكثرهن لباقة وحماساً  كلمة الخريجين ، بعد أن تم إقعاد كل الفتيات في الصفوف الأولى في قاعة  الاحتفال.

بعدها بأشهر قامت المؤسسة  بحملة نظافة تطوعية في مدينة مأرب شارك فيها الجميع ، وهناك رأيت ذات الشاب الذي سألني  ماذا أريد بصنيعي معهم ؟ و الذي اعترض على جلوس الفتيات في المقدمة وعارض أن تلقي احداهن كلمة المتخرجين، شاهدته وهو يضع  مكناس النظافة على كتفه، ويمشي مختالاً كأنه في عرض عسكري .هنا فقط خاتلت عيني دمعة ساخنة و تنهيدة مكتومة.

اليوم العديد من أولئك المتدربين، يرأسون منظمات  اجتماعية وخيرية وحقوقية ، تساهم في التنمية المجتمعية في البيئات الفقيرة التي جاؤوا منها .
 

لماذا يشوهون عدن الجميلة؟!
الأحد, 10 ديسمبر, 2023
الجبايات بموازين حسَّاسة!
الأحد, 26 نوفمبر, 2023