السيول تتحول إلى مصدر خطر يهدد حياة العديد من اليمنيين

لم يكن اليمنيون، وهم يرفعون أيديهم بالدعاء طوال شهر رمضان طلباً للمطر، يتوقعون أن تتحول تلك الأمنيات إلى مصدر خطر يهدد حياتهم وممتلكاتهم.
فالأمطار التي طال انتظارها، والتي طالما ارتبطت بالخير والبركة، سرعان ما تحولت إلى سيول جارفة كشفت هشاشة الواقع الخدمي والبنية التحتية، لتضيف فصلاً جديداً إلى معاناة بلد يعيش أزمة اقتصادية وإنسانية متفاقمة منذ نحو عقد.
وخلال أسبوع واحد فقط، أظهرت الأمطار الغزيرة حجم الكارثة المركبة التي تعيشها البلاد، إذ لم تقتصر تداعياتها على الخسائر البشرية، بل امتدت إلى تدمير واسع في الممتلكات العامة والخاصة، وانهيار طرق رئيسية، وتضرر كبير في مخيمات النازحين التي تُعد الأكثر هشاشة في مواجهة الكوارث الطبيعية.
ومع تكرار هذه المشاهد سنوياً، يبرز غياب الاستجابة الحكومية الفاعلة كعامل رئيسي في تضاعف حجم الأضرار واتساع نطاقها.
وتصدرت محافظة تعز قائمة المناطق الأكثر تضرراً، حيث ارتفعت حصيلة الضحايا إلى 15 وفاة، غالبيتهم من النساء والأطفال، ونفوق 460 رأساً من المواشي، إلى جانب أضرار واسعة في البنية التحتية والممتلكات، وفق مصادر محلية لـ"المهرية نت".
خسائر بشرية
في المناطق الساحلية الغربية، خصوصاً مديريتي المخا وموزع، أسفرت السيول عن سقوط أكثر من 15 قتيلاً في حصيلة أولية غير نهائية، بينهم خمس نساء، وسط تحذيرات من موجة أمطار رعدية جديدة قد تضرب معظم المحافظات.
وأفادت مصادر محلية متطابقة لـ"المهرية نت" بتسجيل فقدان خمسة أشخاص، مع تدمير نحو 50 منزلاً بشكل كلي وجزئي، وانقطاع طرق رئيسية، وتجريف مساحات زراعية، ونفوق أعداد من المواشي، ما يعكس حجم الخسائر التي تكبدتها المجتمعات المحلية في هذه المناطق.
وفي محافظة الحديدة، انتشلت فرق الإنقاذ جثتي طفلين جرفتهما السيول، بعد العثور عليهما أسفل أحد الجسور، في حادثة تعكس خطورة الأوضاع في المناطق المنخفضة ومجاري السيول، حيث تتكرر مثل هذه الحوادث بشكل مأساوي.
شهادات السكان
شهادات السكان تعكس حجم الكارثة الإنسانية، إذ يقول أحد المتضررين في مديرية موزع، وهو المواطن حسين مهيوب، لـ"المهرية نت"، إن "السيول الجارفة ألحقت أضراراً جسيمة بكل محتويات المنزل، ما أدى إلى تشريد أسرته بعد تضرر منزلهم بشكل شبه كامل، في ظل عجز السلطات عن تقديم المساعدة، الأمر الذي ترك عشرات الأسر بلا مأوى".
بدوره، أوضح أحد سكان المخا، خالد البرعي، لـ"المهرية نت"، أن "المنطقة لم تشهد مثل هذه الأمطار التي استمرت لساعات، بالتزامن مع تدفق السيول من الأودية، ما أدى إلى كارثة حقيقية، إذ جرفت المياه قرى بأكملها وسيارات ودمرت منازل، إضافة إلى تدمير مزارع المواطنين، ومقتل العشرات ونفوق مئات الحيوانات التي تمثل مصدر رزقهم الوحيد".
مخيمات النزوح تواجه الخطر
لم تكن مخيمات النازحين بمنأى عن الكارثة، بل كانت في صدارة المتضررين. ففي محافظة الجوف، تضررت 1370 أسرة نتيجة العواصف والسيول، منها 508 أسر فقدت مساكنها بشكل كلي، و862 تعرضت لأضرار جزئية، ما أدى إلى تشريد مئات العائلات وبقائها في العراء.
وأطلقت الجهات المختصة نداءات استغاثة عاجلة للمنظمات الدولية، مطالبة بتوفير الاحتياجات الأساسية من مأوى وغذاء ومياه وخدمات صحية، محذرة من تفاقم الأزمة مع استمرار التقلبات الجوية ونقص الإمدادات.
وفي مأرب، تكررت الصورة ذاتها، حيث تسببت عاصفة رعدية مصحوبة برياح شديدة وأمطار غزيرة في تدمير مئات الخيام، وسقوط أعمدة كهرباء على مخيمات النزوح، ما أثار حالة من الذعر بين السكان، خاصة النساء والأطفال، وترك مئات الأسر دون مأوى.
ولم تقتصر الأضرار على المدنيين، إذ طالت السيول معسكراً عسكرياً في منطقة الوديعة الحدودية، حيث أدت إلى مقتل جندي وإصابة نحو 40 آخرين، بعد أن جرفت المياه الخيام والمنشآت المؤقتة. وتزامنت السيول مع عاصفة رملية ورياح قوية، ما صعّب عمليات الإنقاذ وزاد من حجم الخسائر في المعدات والمنشآت.
وبحسب مصادر "المهرية نت"، تزامنت السيول مع عاصفة رملية ورياح شديدة تسببت في اقتلاع خيام ومنشآت داخل المعسكر، وأدت إلى حالة من الارتباك في صفوف الجنود، في حين واجهت فرق الإنقاذ صعوبات في الوصول إلى الموقع بسبب استمرار تدفق المياه وسوء الأحوال الجوية.
وفي السياق ذاته، توقع المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر هطول أمطار متفاوتة الشدة، بعضها رعدي وغزير، على عدد من المحافظات، بينها المهرة وحضرموت وشبوة وأبين والبيضاء ولحج والضالع وتعز وإب وذمار وريمة، إضافة إلى السواحل الجنوبية والشرقية، مع أمطار متفرقة على أجزاء من صعدة وصنعاء وعمران والمحويت وحجة.
انهيار الطرق وشلل الحركة
على صعيد البنية التحتية، تسببت السيول في قطع الخط الدولي الرابط بين العرقوب وشقرة في محافظة أبين، ما أدى إلى شلل كامل في حركة السير وتعطل المسافرين. واضطرت عشرات المركبات إلى التوقف لساعات طويلة، بينما لجأ بعض المسافرين إلى طرق بديلة محفوفة بالمخاطر.
وفي شهادة تعكس حجم الخطر، روى المواطن ياسين عبدالعزيز لـ"المهرية نت" نجاته مع أسرته من حادث كاد أن يكون مأساويًا، بعدما جرفت السيول سيارته أثناء توجهه إلى محافظة أبين. وأوضح أنه فوجئ بتدفق سيول قوية غمرت أجزاء كبيرة من السيارة، قبل أن تدفعها المياه نحو طرف الطريق، ما أتاح لهم الخروج بصعوبة بمساعدة سكان المنطقة.
من جانبه، أرجع المهندس المدني ماهر يحيى تفاقم الأضرار إلى هشاشة البنية التحتية في اليمن، مؤكدًا أن غياب شبكات تصريف السيول والتخطيط الحضري السليم يضاعف من آثار الكوارث الطبيعية. وأشار في تصريح لـ"المهرية نت" إلى أن معظم المدن تفتقر إلى أنظمة فعالة لتصريف مياه الأمطار، ما يؤدي إلى تراكم المياه لساعات أو حتى أيام في الشوارع.
وأضاف أن شبكة الطرق تعاني من تدهور حاد نتيجة غياب الصيانة منذ سنوات الحرب، حيث أنشئت غالبية الطرق الحالية قبل عقود، وتجاوزت عمرها الافتراضي دون تحديث أو تأهيل، ما يجعلها عرضة للانهيار مع أي أمطار غزيرة.
كما أوضح أن الطبيعة الجغرافية لليمن تلعب دوراً إضافياً في تعقيد المشهد، خصوصاً في المناطق الجبلية التي تمر فيها الطرق عبر مجاري السيول، في ظل غياب المعايير الهندسية الحديثة, مما فاقم من خطورة الوضع مع انتشار البناء العشوائي في مجاري الأودية، ما حول السيول إلى تهديد مباشر للأرواح والممتلكات.
وتعكس هذه الأحداث المتكررة نمطاً واضحاً من غياب المعالجة الجذرية، حيث تتحول الأمطار الموسمية كل عام إلى كارثة إنسانية، في ظل ضعف الاستعدادات وغياب خطط الطوارئ. وبينما تتزايد التحذيرات من موجات أمطار جديدة، يبقى آلاف اليمنيين في مواجهة مباشرة مع خطر السيول، دون حماية كافية أو بنية تحتية قادرة على الصمود.
المصدر: المهرية نت





