هل تعود الإمارات إلى اليمن بأجندتها السابقة أم تحت المظلة السعودية؟

تثير زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى أبوظبي، في 18 أكتوبر/تشرين الأول، تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة السعودية الإماراتية في اليمن، وما إذا كان التقارب بين البلدين يمهد لعودة إماراتية جديدة إلى الملف اليمني، أم سيظل محكومًا بتباينات عميقة تتصل بمستقبل الجنوب، وطبيعة السلطة في المناطق المحررة، وكيفية التعامل مع جماعة الحوثيين.
وجاءت الزيارة في ظل تصعيد عسكري وسياسي تشهده الساحة اليمنية، وبعد التطورات التي شهدتها حضرموت والمهرة مطلع العام الجاري، والتي انتهت بتراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، وإقالة رئيسه عيدروس الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي، وإعلان حل المجلس، بالتزامن مع انسحاب القوات الإماراتية من اليمن عقب تصاعد الخلاف مع الرياض.
ورغم أن اللقاءات السعودية الإماراتية أكدت أهمية العلاقات الثنائية والتنسيق بشأن التطورات الإقليمية، فإنها لم تتضمن إعلانًا تفصيليًا عن تفاهمات جديدة بشأن اليمن.
وفي المقابل، أعاد الجدل الذي أثارته مقترحات الأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله بشأن مستقبل الشمال والجنوب طرح تساؤلات حول حدود التوافق بين البلدين، وإمكانية التوصل إلى رؤية مشتركة لمستقبل الدولة اليمنية.
ولا يتعلق الأمر بالخلاف حول وحدة اليمن أو انفصاله فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة الدور الإماراتي المحتمل في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت أبوظبي ستنخرط ضمن ترتيبات تقودها السعودية، أم ستسعى إلى استعادة نفوذها السابق عبر قوى محلية تحتفظ معها بعلاقات سياسية وعسكرية.
جوهر التباين السعودي الإماراتي
قال أكاديمي يمني مقيم في السعودية، طلب عدم الكشف عن هويته، إن جوهر التباين السعودي الإماراتي في الملف اليمني يتمحور حول مستقبل الجنوب، وطبيعة التسوية السياسية التي ستحدد شكل الدولة وترتيبات السلطة في المرحلة المقبلة.
وأوضح الأكاديمي، في تصريح لـ«المهرية نت»، أن التقارب بين الرياض وأبوظبي في مواجهة التهديدات الأمنية لا يعني بالضرورة تطابق رؤيتيهما بشأن مستقبل الجنوب، أو دور القوى السياسية والعسكرية المحلية، أو العلاقة بين القضية الجنوبية ومؤسسات الدولة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وأضاف أن الحسابات المرتبطة بالجنوب تختلف بين البلدين؛ إذ يرتبط الملف بالنسبة إلى السعودية بأمن حدودها واستقرار اليمن وترتيبات السلطة في المناطق المحررة، بينما تمتلك الإمارات علاقات ممتدة مع قوى جنوبية وتشكيلات عسكرية محلية، في مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي قبل التطورات التي أدت إلى حله.
وتابع أن المعضلة تتمثل في كيفية التوفيق بين المصالح الأمنية المشتركة للبلدين واختلاف رؤاهما بشأن مستقبل الجنوب، مشيرًا إلى أن الاتفاق على مواجهة الحوثيين لا يحسم تلقائيًا الخلاف حول شكل الدولة أو طبيعة النفوذ السياسي والعسكري.
وقال الأكاديمي إن «الإمارات تريد الجنوب وإبقاء الحوثي في الشمال، وهو ما يعني استمرار خطر حقيقي على أمن السعودية، كما أنه لا يحظى بقبول قطاعات من اليمنيين الذين يرون أن هذا المسار يكرس الانقسام ويضعف الدولة».
وأضاف أن على أبوظبي مراجعة مقاربتها للملف اليمني، معتبرًا أن التهديد الحوثي لا يقتصر على السعودية، بل يمتد إلى أمن الخليج والمنطقة، وأن التعامل معه يتطلب رؤية تتجاوز حسابات النفوذ المحلي.
مقترح يعيد الانقسام إلى واجهة النقاش
أثار الأكاديمي والمحلل السياسي الإماراتي عبدالخالق عبدالله جدلًا واسعًا بعدما طرح مقاربة تقوم على الاعتراف الخليجي الجماعي بدولة الجنوب العربي بوصفها حليفًا استراتيجيًا، وترك شمال اليمن لحروبه الداخلية، ووقف دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وعدم التعامل مع سلطة الحوثيين في صنعاء، لا حربًا ولا سلمًا، حتى إشعار آخر.
وقدم عبدالله مقترحاته، في مضمونها أعاد طرح سؤال جوهري بشأن مستقبل الدولة اليمنية: هل يمكن أن يؤدي الفصل بين الشمال والجنوب إلى تسوية مستقرة، أم أنه سيكرس الانقسام ويمنح الحوثيين فرصة لتعزيز سلطتهم في شمال البلاد؟
ويعكس هذا الطرح اتجاهًا يدعو إلى إعادة صياغة التعامل مع الأزمة اليمنية على أساس الفصل بين مساري الشمال والجنوب، بدلًا من ربطهما ضمن تسوية سياسية شاملة. لكنه يثير، في المقابل، إشكاليات تتعلق بمستقبل الحدود والموارد والمؤسسات الأمنية والعسكرية، فضلًا عن مصير المناطق التي تتداخل فيها المصالح السياسية والاجتماعية.
وتكتسب هذه المقترحات أهمية إضافية في توقيت تتصاعد فيه المواجهة مع الحوثيين، إذ إن أي إعادة لترتيب الخريطة السياسية والعسكرية في اليمن قد تؤثر في قدرة القوى المناهضة للجماعة على تنسيق عملياتها وتوحيد قرارها.
هل يخدم المقترح الحوثيين؟
قوبل طرح عبدالله بانتقادات من شخصيات يمنية وسعودية، رأت أن التخلي عن الحكومة اليمنية وترك الحوثيين يحكمون الشمال قد يؤدي إلى إضعاف الدولة، وتكريس الانقسام، والإبقاء على التهديدات الأمنية قائمة.
وقال الصحفي والناشط السياسي اليمني علي العقبي إن الدعوة إلى التخلي عن الحكومة الشرعية وترك ملايين اليمنيين تحت سلطة الحوثيين تكشف، بحسب تعبيره، عن قصور في تقدير مخاطر المشروع الحوثي على اليمن والمنطقة.
من جانبه، اعتبر الناشط السعودي غازي القحطاني أن المقترحات المطروحة تتعارض مع المصالح السعودية وتصب في مصلحة الحوثيين، في إشارة إلى مخاوف من أن يؤدي فصل الجنوب عن الشمال إلى بقاء الجماعة في موقع يتيح لها تعزيز نفوذها ومواصلة تهديد السعودية.
أما الصحفي والناشط السياسي اليمني مأرب الورد، فحذر من أن ترك الحوثيين يحكمون شمال اليمن مقابل الدفع نحو قيام دولة انفصالية في الجنوب قد يكرس الانقسام ويُبقي مصدر تهديد الأمن القومي السعودي قائمًا.
ويرى مراقبون أن التفاعل مع المقترح يعكس حساسية الملف الجنوبي في الحسابات الإقليمية، وأن النقاش لا يتعلق فقط بمطالب الانفصال، بل بتداعياتها المحتملة على أمن السعودية، ومستقبل مؤسسات الدولة اليمنية، وطبيعة الصراع مع الحوثيين.
المجلس الانتقالي.. ملف لم يُغلق بانتهاء وضعه السابق
يمثل المجلس الانتقالي الجنوبي أحد أبرز الملفات العالقة في العلاقة السعودية الإماراتية، بعد التطورات التي شهدتها حضرموت والمهرة مطلع العام الجاري، وما أعقبها من تحركات عسكرية وسياسية أدت إلى تراجع نفوذ المجلس وإعلان حله في يناير/كانون الثاني 2026.
وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قد أصدر قرارًا بإقالة عيدروس الزبيدي من عضوية المجلس وإحالته إلى النيابة العامة بتهم شملت الخيانة العظمى، وفق ما أعلنته السلطات اليمنية آنذاك. كما أُعلن حل المجلس الانتقالي من جانب قيادات شاركت في اجتماعات بالرياض، وسط خلافات بشأن الخطوة ومواقف من بعض قياداته.
وأعقب هذه التطورات انسحاب القوات الإماراتية من اليمن، في خطوة جاءت وسط تصاعد الخلاف بين الرياض وأبوظبي بشأن التحركات العسكرية والسياسية للقوى المرتبطة بالمجلس الانتقالي.
وعكست هذه الأحداث تحولًا في موازين القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتعزيزًا للدور السعودي في إعادة ترتيب المؤسسات والقوات في المناطق المحررة. لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء القضية الجنوبية أو اختفاء القوى الاجتماعية والسياسية التي يمثلها المجلس، خصوصًا مع استمرار المطالب باستعادة دولة الجنوب وتحركات أنصاره.
وهنا تظهر إحدى نقاط الاختبار الرئيسية لأي تقارب سعودي إماراتي جديد: كيف ستتعامل أبوظبي مع واقع سياسي وعسكري تغير بعد تراجع المجلس الانتقالي؟ وهل ستقبل بترتيبات تقودها الرياض وتضع القوى الجنوبية ضمن مسار سياسي أوسع، أم ستواصل دعم مشروع سياسي مستقل عن توجهات الحكومة اليمنية؟
ولا يرتبط هذا الملف بموقع المجلس السياسي وحده، بل يمتد إلى مصير التشكيلات العسكرية والأمنية التي ارتبطت به، وكيفية دمجها أو إعادة تنظيمها ضمن ترتيبات السلطة والأمن في الجنوب.
ومن ثم، فإن أي عودة إماراتية محتملة إلى الملف اليمني ستواجه واقعًا مختلفًا عن المرحلة السابقة، في ظل تراجع وضع المجلس الانتقالي، وتغير موازين القوى في حضرموت والمهرة، وسعي السعودية إلى تعزيز دورها في إدارة الترتيبات السياسية والأمنية بالمناطق المحررة.
هل تعود الإمارات بأجندتها السابقة؟
تطرح زيارة خالد بن سلمان سؤالًا يتجاوز استعادة التواصل بين البلدين: هل تعود الإمارات إلى الملف اليمني من بوابة التنسيق مع السعودية، أم أن عودتها المحتملة ستعيد إنتاج نمط النفوذ السابق القائم على دعم قوى محلية ذات مشاريع سياسية وعسكرية مستقلة؟
وقال مسؤول حكومي يمني، فضل عدم الكشف عن هويته، لـ«المهرية نت»، إن التجارب السابقة أثارت جدلًا بشأن أثر الدعم الخارجي للتشكيلات المسلحة على وحدة القرار العسكري والسياسي داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
وأضاف المسؤول أن تعدد مراكز القوة في الجنوب أسهم في تعقيد العلاقة بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي، وأدى إلى خلافات بشأن السيطرة على المؤسسات والمناطق الاستراتيجية وطبيعة السلطة في المناطق المحررة.
وتابع أن دعم تشكيلات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة أضعف، بحسب تقديره، قدرة الحكومة على توحيد القرار الأمني والعسكري في مواجهة الحوثيين، وعمّق الانقسام داخل المعسكر المناهض للجماعة.
وكشف المسؤول الحكومي أن التطورات الأخيرة تفرض سؤالًا بشأن طبيعة أي عودة إماراتية محتملة: هل ستكون ضمن ترتيبات تنسقها السعودية، وبما لا يتعارض مع أولوياتها الأمنية والسياسية، أم ستسعى أبوظبي إلى الحفاظ على نفوذ مستقل من خلال قوى محلية ما زالت تحتفظ بعلاقات معها؟
وأشار المسؤول إلى تشكيلات وقوى محلية، من بينها ألوية العمالقة بقيادة عبدالرحمن أبو زرعة المحرمي، ومحافظ شبوة عوض محمد بن الوزير العولقي، باعتبارها أطرافًا يُثار بشأنها نقاش حول طبيعة علاقاتها بالإمارات ودورها في الترتيبات المقبلة.
وشدد المسؤول على أن أي تقارب بين السعودية والإمارات ينبغي أن يفضي إلى تنسيق واضح بشأن مستقبل اليمن، وتوحيد الجهود المناهضة للحوثيين، وتجنب إعادة إنتاج الخلافات بشأن السلطة والنفوذ داخل معسكر الحكومة المعترف بها دوليًا.
تزامن الجدل السياسي مع تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية في 17 أكتوبر/تشرين الأول، تحدث عن تفاهم محتمل يقضي باستئناف الإمارات الدعم المالي لبعض القوات اليمنية المناهضة للحوثيين، ولا سيما ألوية العمالقة، مقابل توفير غطاء جوي سعودي.
وإذا تأكدت هذه المعلومات ونُفذت الترتيبات الواردة فيها، فقد تمثل مؤشرًا على عودة التنسيق العسكري بين البلدين، خصوصًا في ظل تصاعد المواجهات مع الحوثيين. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الرياض وأبوظبي توصلتا إلى تفاهم بشأن مستقبل الجنوب أو دور المجلس الانتقالي المنحل.
المصدر: المهرية نت





