آخر الأخبار

هجوم مطار الرياض الكبير.. هل دخلت المواجهة مع الحوثيين مرحلة اللاعودة؟

هجوم مطار الرياض الكبير.. هل دخلت المواجهة مع الحوثيين مرحلة اللاعودة؟
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

أعاد الهجوم الصاروخي الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية الرياض المواجهة بين السعودية وجماعة الحوثيين إلى مرحلة أكثر خطورة، مع انتقال الهجمات إلى أحد أبرز المرافق المدنية المرتبطة بحركة السفر والأعمال والاتصال الاقتصادي بالمملكة.

وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية أن الهجوم الذي استهدف المطار، السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول، أسفر عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين، بينهم حالات حرجة، فضلاً عن أضرار مادية يجري حصرها. وأوضحت السلطات أن العمليات التشغيلية عُلّقت مؤقتاً لتقييم الأضرار والتحقق من سلامة المرافق. 

ولا تقتصر خطورة الهجوم على حصيلته البشرية، بل تمتد إلى دلالاته الأمنية والاقتصادية، في ظل اتساع المواجهة على الجبهات اليمنية وتداخل الحسابات المحلية مع المصالح الإقليمية والدولية. كما يثير تكرار استهداف المطارات تساؤلات بشأن قدرة الدفاعات الجوية على احتواء الهجمات، ومدى إمكانية منع تحولها إلى نمط مستمر من الاستنزاف.

وفي قراءة لهذه التطورات، قال الدكتور محمد المقابلة، في تصريح لقناة «المهرية»، إن استهداف مطار الملك خالد الدولي يعكس تصاعد العمليات العسكرية وإصرار الحوثيين على رفع كلفة الصراع اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وربما جر أطراف إقليمية ودولية إلى المواجهة.

وأضاف المقابلة أن الأحداث تشهد تسارعاً في ردود الأفعال واتساعاً في مسارات العمليات، سواء داخل اليمن أو في مسرح العمليات المرتبط بالسعودية، معتبراً أن استهداف منشأة مدنية، مع احتمال سقوط ضحايا من جنسيات مختلفة، يعكس تغليب الاعتبارات القتالية على الاعتبارات الإنسانية وقوانين الحرب.

مطار الرياض.. من منشأة مدنية إلى محور في التصعيد

جاء الهجوم الأخير في سياق تصعيد متدرج شهدته السعودية خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مع تزايد الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت مطارات ومنشآت عسكرية، بالتزامن مع توسع العمليات العسكرية للقوات الحكومية اليمنية ضد الحوثيين.

وفي بيان رسمي نشرته وكالة الأنباء السعودية «واس» في 9 أكتوبر، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني أن مطار الملك خالد الدولي تعرض لاعتداءين يوم الخميس 8 أكتوبر؛ استهدف الأول مرافق المطار، فيما استهدف الثاني طائرة تابعة للخطوط السعودية. وأفادت الهيئة بأن الاعتداءين أسفرا عن مقتل ثلاثة مواطنين سعوديين وإصابة عدد من المواطنين والمقيمين من جنسيات مختلفة، إضافة إلى أضرار مادية، مشيرة إلى استئناف العمليات التشغيلية وعودة الحركة الجوية إلى طبيعتها. 

لكن التصعيد تجدد في اليوم التالي، إذ تعرض المطار لهجوم جديد أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، قبل أن تعلن السلطات السعودية الحصيلة النهائية المعلنة، التي بلغت 12 قتيلاً و309 مصابين. وأدى الهجوم إلى تعليق العمليات التشغيلية مؤقتاً واضطراب حركة الطيران. 

وفي تطور لاحق، أعلن المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، اعتراض وتدمير صاروخ جوال «كروز» في محيط مطار الملك خالد الدولي. كما تحدث في تصريح منفصل عن استهداف صالة المسافرين رقم (4) بمقذوف مجهول، ما أدى إلى اندلاع حريق، مشيراً إلى مباشرة الجهات المختصة التعامل مع الحادث.

وأدى تكرار الهجمات إلى اضطراب حركة الطيران، مع إلغاء رحلات وتأخير أخرى وتحويل مسارات طائرات كانت متجهة إلى الرياض. كما دفعت المخاطر الأمنية عدداً من الدول إلى إصدار تحذيرات لمواطنيها بشأن السفر واستخدام المجال الجوي السعودي. 

وتكشف هذه التطورات أن استهداف المطار لم يعد حادثاً منفرداً، بل أصبح جزءاً من سلسلة عمليات ترفع مستوى المخاطر على المنشآت المدنية، وتضع سلطات الطيران والأجهزة الأمنية أمام تحديات متزايدة لضمان سلامة المسافرين واستمرار التشغيل.

رفع كلفة الصراع

يرى الدكتور محمد المقابلة أن استهداف مطار الرياض يتجاوز البعد العسكري المباشر، ليحمل رسائل سياسية واقتصادية تتعلق بقدرة السعودية على حماية منشآتها الحيوية، وبمدى استعداد الحوثيين لتوسيع نطاق المواجهة.

وقال المقابلة، في تصريحه لـ«المهرية»، إن استهداف المنشآت الحيوية السعودية قد يهدف إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد السعودي ورفع الكلفة السياسية والأمنية، فضلاً عن محاولة دفع دول، بينها الولايات المتحدة وتركيا وباكستان، إلى الانخراط في الصراع، بما قد يؤدي إلى توسيعه إقليمياً.

وأضاف أن التطورات لا تشير، وفق تقديره، إلى توجه قريب لدى الحوثيين نحو التهدئة أو إفساح المجال أمام الحوار السياسي، بل تعكس إصراراً على توسيع نطاق المواجهة.

وتكتسب هذه القراءة أهمية في ضوء التداعيات المحتملة للهجمات على حركة الطيران والاستثمار؛ إذ لا تقتصر آثارها على الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى حسابات شركات الطيران والمسافرين والمستثمرين بشأن مستوى المخاطر الأمنية في المملكة.

وفي ما يتعلق بالموقف الأميركي، توقع المقابلة أن تركز واشنطن، خلال المدى القريب والمتوسط، على تعزيز دورها الدفاعي في حماية السعودية، دون الانخراط بالضرورة في عمليات هجومية مباشرة ضد الحوثيين.

وأوضح أن هذا الدور قد يشمل تعزيز التعاون الاستخباراتي الدفاعي، وتبادل المعلومات بشأن التحركات العسكرية الحوثية، وتقديم دعم عسكري إضافي للسعودية، إلى جانب تكثيف الضغط السياسي والدبلوماسي، بما في ذلك داخل مجلس الأمن.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة ستسعى، وفق تقديره، إلى إظهار قدراتها الدفاعية والتزامها بأمن السعودية في أعقاب الهجوم.

أخطاء إدارة الملف اليمني 

من جانبه، قال خبير عسكري يمني، فضّل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن الهجمات الأخيرة على مطار الملك خالد الدولي تفرض إعادة تقييم مسار إدارة الملف اليمني، معتبراً أن التعامل مع الحوثيين خلال السنوات الماضية لم يستند دائماً إلى تقدير دقيق لطبيعة الجماعة وقدراتها العسكرية.

وأضاف الخبير أن إيقاف العمليات في جبهات استراتيجية، بينها نهم القريبة من صنعاء ومناطق في الساحل الغربي، أتاح للحوثيين، وفق تقديره، الاحتفاظ بمساحات واسعة للمناورة وتعزيز قدراتهم على مواصلة القتال.

وأشار إلى أن الجغرافيا الجبلية في اليمن تمنح الحوثيين مزايا عسكرية، خصوصاً في إخفاء منصات إطلاق الصواريخ ونقل المعدات، وهو ما يجعل الاعتماد على الضربات الجوية وحدها غير كافٍ لضمان إنهاء التهديد.

وقال إن معالجة هذا التحدي تتطلب، من وجهة نظره، الجمع بين الضربات الجوية والضغط البري المنظم، مع إعطاء أهمية لجبهات تعز ومأرب والساحل الغربي، وتوحيد الجهود العسكرية للقوى المناهضة للحوثيين.

وأضاف أن الانقسامات بين القوى اليمنية المناهضة للجماعة والتباينات بشأن إدارة المناطق المحررة تضعف فرص تحقيق نتائج عسكرية مستدامة، حتى مع توافر الدعم الجوي والإمكانات العسكرية.

ولفت الخبير إلى أن الرياض تواجه معادلة معقدة؛ فالتوسع في العمليات العسكرية قد يرفع كلفة الحرب، بينما قد يؤدي الاكتفاء بالاعتراضات الدفاعية إلى استمرار استنزاف منظومات الدفاع الجوي والضغط على المنشآت الحيوية.

وشدد على أن أي تحرك عسكري واسع يحتاج إلى أهداف محددة، وقيادة موحدة، وخطة واضحة لما بعد العمليات، محذراً من أن غياب هذه العناصر قد يعيد إنتاج أنماط الاستنزاف التي شهدتها الحرب خلال السنوات الماضية.

 الاقتصاد والطيران.. تداعيات تتجاوز محيط المطار

يمثل مطار الملك خالد الدولي أحد أهم منافذ الاتصال الجوي بالعاصمة السعودية، ولذلك فإن استهدافه المتكرر يفتح تداعيات تتجاوز محيطه الجغرافي.

ويرى خبراء اقتصاد أن استمرار استهداف المطارات والمنشآت الحيوية قد يرفع كلفة التأمين والنقل، ويزيد الأعباء التشغيلية على شركات الطيران، فضلاً عن تأثيره المحتمل في قرارات المستثمرين والشركات الدولية بشأن السفر وإقامة الفعاليات الاقتصادية في السعودية.

ويحذر خبراء من أن تكرار الاضطرابات الجوية قد ينعكس على ثقة قطاع الأعمال، خصوصاً إذا امتدت المخاطر إلى منشآت أخرى مرتبطة بالطاقة والنقل والتجارة. ومع ذلك، فإن تقدير حجم التأثير الاقتصادي الفعلي يظل مرتبطاً بمدة التصعيد واتساع نطاقه، ومدى قدرة السلطات السعودية على احتواء المخاطر وضمان استمرارية الخدمات.

وتظهر بعض المؤشرات الأولية حساسية الأسواق تجاه التطورات الأمنية؛ إذ شهدت أسواق الأسهم العربية تراجعاً في تداولات الأحد عقب الهجوم على مطار الرياض، وسط حالة من الترقب بشأن تداعيات التصعيد. لكن تحديد حجم الأثر الاقتصادي طويل الأجل يتطلب متابعة مؤشرات الاستثمار وحركة الطيران والتأمين والتجارة، بدلاً من الاستناد إلى ردود الفعل الأولية وحدها. 

كما أن استمرار التهديدات قد يؤثر في تقييم المستثمرين للمخاطر المرتبطة بعقد المؤتمرات والفعاليات الدولية في المملكة، ويزيد الحاجة إلى تدابير أمنية إضافية لضمان سلامة الوفود والمسافرين.

ومن هنا، تصبح حماية الطيران المدني جزءاً من معادلة الردع، لا مجرد مهمة أمنية منفصلة؛ فكلما استمرت الهجمات، ازدادت أهمية إظهار قدرة السلطات السعودية على احتواء المخاطر وضمان سلامة المسافرين واستمرارية حركة النقل.

خيارات السعودية.. 

يبرز تعزيز الدفاعات الجوية بوصفه أحد المسارات المباشرة أمام الرياض، عبر رفع الجاهزية، وتحسين قدرات الإنذار المبكر، وتأمين إمدادات إضافية من الصواريخ الاعتراضية، وتوسيع نطاق حماية المطارات والمنشآت الحيوية.

ويتيح هذا المسار تقليل المخاطر المباشرة على المدنيين والبنية التحتية، لكنه لا يضمن وحده وقف الهجمات إذا احتفظ الحوثيون بقدرتهم على إطلاق الصواريخ والمسيّرات بصورة متكررة، وفق تقديرات مراقبين عسكريين.

وفي موازاة ذلك، قد تتجه السعودية إلى توسيع الضربات العسكرية ضد القدرات التي تستخدمها الجماعة في تنفيذ الهجمات، في محاولة لتقليص قدرتها على تكرارها. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر اتساع المواجهة، إذ قد تدفع الضربات الحوثيين إلى تنفيذ هجمات انتقامية إضافية، بما يرفع كلفة الحرب ويزيد الضغط على الدفاعات السعودية.

ويمثل دعم القوات الحكومية اليمنية مساراً آخر يمكن أن يرافق العمليات الجوية، من خلال إسناد الجبهات ذات الأهمية الاستراتيجية وتنسيق التحركات العسكرية بما يضع الحوثيين أمام ضغوط متزامنة. لكن فاعلية هذا الخيار تظل مرهونة بقدرة القوى المناهضة للحوثيين على تجاوز انقساماتها، وتوحيد القيادة، وضمان استمرار الإمدادات والقدرة على الاحتفاظ بالمناطق التي قد تستعيدها.

وعلى المستوى الدولي، تستطيع الرياض توسيع التعاون الدفاعي والاستخباراتي مع حلفائها، والسعي إلى تأمين إمدادات عسكرية إضافية، إلى جانب تكثيف التحرك الدبلوماسي للضغط على الحوثيين ومنع اتساع التهديدات للملاحة والطيران. إلا أن حجم الدعم الخارجي وطبيعته سيظلان مرتبطين بحسابات الدول المعنية ومخاوفها من الانجرار إلى مواجهة إقليمية واسعة.

وفي الوقت نفسه، يبقى المسار السياسي خياراً لا يمكن استبعاده، حتى مع تصاعد العمليات العسكرية. وقد تسعى السعودية إلى ربط أي تفاهمات مستقبلية بضمانات واضحة لوقف الهجمات عبر الحدود، وحماية المنشآت المدنية، وتأمين الملاحة، مع وضع آليات للتحقق من الالتزامات. غير أن فرص نجاح هذا المسار ستتأثر بمستوى الثقة بين الأطراف ومدى استعدادها لتقديم تعهدات قابلة للتنفيذ.

وتعني هذه المعطيات أن الخيارات السعودية ليست بالضرورة متعارضة؛ فقد تجمع الرياض بين تعزيز الدفاعات والضربات العسكرية ودعم القوات اليمنية والتحرك الدولي، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تسوية سياسية. ويظل التحدي في تحديد مستوى الرد الذي يعيد بناء الردع من دون فتح الباب أمام حرب طويلة تتسع جغرافياً وتزداد كلفتها السياسية والاقتصادية.

المصدر: المهرية نت

تابعنا على :