من جبال تعز إلى باب المندب.. هل تعيد معركة المرتفعات رسم خريطة الحرب في اليمن؟

دخل التصعيد العسكري في اليمن مرحلة جديدة مع اتساع رقعة المواجهات بين جماعة الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من السعودية، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، ولا سيما العاصمة الرياض، وتكثيف الغارات الجوية على مواقع الجماعة في عدد من المحافظات اليمنية.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز محافظة تعز باعتبارها أحد أكثر المحاور تعقيداً، ليس فقط بسبب اتساع رقعة القتال فيها، وإنما بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط بين المرتفعات الداخلية والساحل الغربي، ويمتد تأثيره إلى محاور باب المندب ولحج وعدن.
وتأتي أهمية تعز في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية، ضمن عملية «فجر اليمن»، تحقيق تقدم في عدد من المحاور، بينها الوازعية والسيطرة على جبهة كهبوب المطلة على باب المندب، فيما تستمر المواجهات في أجزاء من ريف تعز.
تصعيد متزامن في اليمن والسعودية
جاءت التطورات في تعز بالتزامن مع تصعيد حوثي جديد باتجاه السعودية. وأعلنت السلطات السعودية، الخميس، اعتراض صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه المملكة، بينما قالت جماعة الحوثيين إنها استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض.
وأفادت تقارير بأن شظايا صاروخ جرى اعتراضه تسببت بأضرار مادية في روضة أطفال ومجمع طبي بالعاصمة السعودية، فيما أظهرت تقارير إعلامية تصاعد الدخان من محيط مطار الملك خالد بعد هجوم صاروخي.
وقالت رويترز إن الهجوم على مطار الرياض أدى إلى اشتعال النيران في طائرة تجارية، في وقت تصاعدت فيه الهجمات الحوثية على السعودية خلال الأيام الأخيرة.
وفي المقابل، قالت وسائل إعلام تابعة للحوثيين إن الطيران السعودي شن غارات على مواقع في عدد من المحافظات اليمنية، بينها صنعاء وإب والحديدة وصعدة، بينما أفادت مصادر محلية وعسكرية بتوسع نطاق الغارات ليشمل مناطق أخرى.
ويعكس هذا التصعيد المتبادل انتقال المواجهة من جبهات يمنية محددة إلى نطاق إقليمي أوسع، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية تغيير خريطة السيطرة على الأرض.
تعز.. المعركة داخل الجغرافيا
في تعز، أفادت مصادر عسكرية لـ«المهرية نت» بتصاعد وتيرة المواجهات في مديريات المواسط وجبل حبشي والصلو والوازعية، بالتزامن مع تحركات عسكرية في محاور الساحل الغربي وريف المحافظة.
وتكتسب هذه الجبهات أهميتها من طبيعة الأرض نفسها. فتعز ليست مجرد محافظة تتوزع فيها خطوط تماس، بل مساحة جبلية واسعة تتحكم في عدد من طرق الحركة والإمداد بين الداخل والساحل والجنوب.
ويمتد القوس الجغرافي الأكثر حساسية من مناطق ريف تعز باتجاه الوازعية وكهبوب، وصولاً إلى لحج وباب المندب. ولذلك فإن السيطرة على المرتفعات لا تعني بالضرورة السيطرة على مدينة أو مديرية بعينها، لكنها تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على مراقبة الطرق والممرات والتحكم في حركة القوات والإمدادات.
وتقول قراءة عسكرية لمراقبين إن مناطق مثل الوازعية وكهبوب وجبل حبشي والكدحة تمثل حلقة مترابطة في مسرح العمليات، وإن السيطرة على المرتفعات الواقعة بين الساحل وريف تعز ترتبط بتأمين خطوط الحركة باتجاه باب المندب.
كهبوب والوازعية.. لماذا تزداد أهمية الجبال؟
أعلنت القوات الحكومية وقوات درع الوطن وألوية العمالقة السيطرة على جبهة كهبوب، فيما تحدثت عن تقدم في مديرية الوازعية غربي تعز.
وتقع كهبوب في محافظة لحج، وتضم سلسلة من المرتفعات المشرفة على باب المندب، ما يمنحها أهمية عسكرية في مراقبة المحاور المؤدية إلى المضيق والساحل الغربي.
وبالنسبة إلى القوات الحكومية، فإن تثبيت السيطرة في كهبوب والضغط باتجاه الوازعية يمكن أن يغير طبيعة خطوط التماس في الجزء الجنوبي والغربي من تعز، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تحركات في ريف المحافظة.
لكن السيطرة على المرتفعات لا تعني بالضرورة حسم المعركة؛ فالتضاريس الجبلية تسمح للقوات المدافعة باستخدام مواقع مرتفعة ومسارات فرعية، كما تجعل عمليات التقدم والتثبيت أكثر تعقيداً.
وبحسب وزير الدفاع، فإن العملية الحكومية الحالية تمر بعدة مراحل، فيما تخوض القوات المرحلة الأولى منها بمسارات متزامنة في أكثر من مسرح عمليات.
وكان وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي قد قال إن القوات الحكومية تستهدف استعادة السيطرة على جبهات تعز التي ما زالت خاضعة للحوثيين، في وقت تتركز فيه العمليات على الساحل والجبهات الخلفية له، ومنها الوازعية ومناطق في ريف تعز.
ويأتي ذلك بالتزامن مع إعلان القوات الحكومية أنها نفذت، ضمن عملية «فجر اليمن»، 1729 عملية استهداف ضد أهداف عسكرية حوثية، قالت إنها أسفرت عن تحييد 1370 عنصراً وتدمير أو إعطاب نحو 300 آلية ومعدة وعتاد ومواقع عسكرية.
غارات تمتد عبر ست محافظات
بالتوازي مع العمليات البرية، اتسعت الغارات الجوية على مواقع الحوثيين في عدد من المحافظات.
ورصدت تقارير محلية غارات في البيضاء وإب وصنعاء وريمة والحديدة وصعدة، إضافة إلى أنباء عن استهداف تعزيزات عسكرية متجهة نحو جبهات تعز.
وفي البيضاء، تحدثت مصادر عن غارات في مكيراس وذي ناعم والزاهر ومدينة البيضاء والسوادية ورداع، فيما أفادت مصادر موالية للحوثيين بتعرض مديرية الظاهر الحدودية في صعدة لغارة جوية.
كما تحدثت مصادر عن غارات في يريم والسياني بمحافظة إب، واستهداف شبكة اتصالات في جبل برد بمديرية كسمة في ريمة، وغارات على مواقع في بني مطر بصنعاء، إضافة إلى استهداف محيط مطار الحديدة.
هل تستطيع تعز تغيير مسار المعركة؟
قال خبير عسكري من صنعاء، فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن خارطة المواجهات في اليمن تشهد اتساعاً ملحوظاً، بعدما انتقلت من التركيز على الساحل الغربي وريف تعز إلى مأرب والجوف وجبهات أخرى، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية إلى مستويات غير مسبوقة.
وأضاف الخبير، في حديث لـ«المهرية نت»، أن هذا التصعيد يضع السعودية أمام خيارات أكثر حدة، لكنه يرى أن «جبهات تعز يجب أن تكون في مقدمة الأولويات»، بالنظر إلى موقع المحافظة وأهميتها في إعادة تشكيل خطوط المواجهة.
وأشار إلى أن وزير الدفاع اليمني تحدث عن ست مراحل للعملية العسكرية، وأن القوات تخوض حالياً ما وصفها بالمرحلة الأولى «ب»، موضحاً أن هذه المرحلة تشمل عدداً من المسارح والاتجاهات العسكرية.
وكان وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، قد أكد في تصريحات لقناة «الإخبارية» السعودية أن جميع جبهات تعز التي تحاصرها جماعة الحوثي ستكون قريباً تحت إدارة وسيطرة الحكومة الشرعية.
ويرى الخبير أن ثقل المعارك يتركز حالياً في الساحل والجبهات الخلفية له، بما في ذلك الوازعية وعدد من مناطق ريف تعز، مشيراً إلى إعلان القوات الحكومية وقوات درع الوطن والعمالقة السيطرة على سلسلة جبال كهبوب.
لكنه شدد على أن تثبيت المكاسب العسكرية يتطلب، في المقابل، تعزيز جبهات جبل حبشي واستعادة المواقع التي خسرتها القوات الحكومية في ريف تعز، معتبراً أن هذه المناطق لا تمثل مجرد نقاط ميدانية متفرقة، بل جزءاً من منظومة جغرافية ذات أهمية في أي معركة مستقبلية باتجاه صنعاء.
وأوضح أن المعارك تدور على سلسلة من المرتفعات الاستراتيجية الممتدة من قلب تعز باتجاه الجنوب والغرب، والمتصلة بمرتفعات المقاطرة وكهبوب شمال غربي لحج.
وبحسب الخبير، فإن السيطرة على هذه المرتفعات تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على مراقبة طرق الحركة والإمداد والتحكم في عدد من الممرات التي تربط المناطق الجبلية بالساحل والمدن الجنوبية.
وأضاف أن أهمية هذه الجغرافيا تتضاعف بفعل طبيعتها التضاريسية، إذ تمنح المرتفعات ميزة الإشراف على المناطق المنخفضة، ما يجعل السيطرة عليها، من منظور عسكري، أكثر تأثيراً من السيطرة المباشرة على مناطق ساحلية، مهما بلغت أهميتها الاقتصادية أو الجغرافية.
وأشار إلى أن جبل حبشي، على سبيل المثال، يكتسب أهمية خاصة بسبب موقعه بالنسبة إلى طرق الحركة المرتبطة بمدينة تعز، ولا سيما في ظل ظروف الحرب الحالية، فيما تضيف مرتفعات قدس والصلو والمقاطرة بعداً آخر للمواجهة، بحكم امتدادها جنوباً واتصالها بجغرافيا لحج والمناطق القريبة منها.
ويعتقد الخبير أن أهمية هذه الجبهات لا تتوقف عند حدود محافظة تعز، بل تمتد إلى منظومة جغرافية أوسع تشمل لحج وعدن والمناطق الساحلية وممرات الحركة المؤدية إلى باب المندب.
ويطرح في هذا السياق سؤالاً عسكرياً مركزياً: هل تتمكن جماعة الحوثي من تحويل الاختراقات التي حققتها في بعض المناطق إلى شريط جغرافي متصل، يتيح لها تثبيت مواقعها والتموضع لفترة طويلة؟ وفي المقابل، هل تستطيع القوات الحكومية قطع هذا الاتصال والإبقاء على الجبهات منفصلة، وتحويل التضاريس الجبلية إلى مناطق استنزاف للقوات المهاجمة؟
ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد جانباً مهماً من مسار المعركة المقبلة، خصوصاً إذا تمكنت القوات الحكومية من الانتقال من الدفاع إلى شن عمليات مضادة، بدعم جوي سعودي، تستهدف دفع الحوثيين بعيداً عن المواقع التي يحاولون تثبيت نفوذهم فيها.
وحذر الخبير من أن التأخر في دعم جبهات تعز قد يمنح الحوثيين فرصة لاستغلال الثغرات القائمة، والتوغل بصورة أعمق في جغرافيا المحافظة، بما يسمح لهم بتقطيع خطوط الحركة والإمداد وخنق مدينة تعز، إلى جانب توسيع نطاق سيطرتهم على الممرات والمرتفعات المشرفة على المدينة والمديريات الساحلية والمناطق المتصلة بلحج وعدن وباب المندب.
السعودية أمام اختبار القرار
وفي قراءة موازية، قال عادل الشجاع، عضو اللجنة الدائمة لحزب المؤتمر الشعبي العام، في برنامج «التاسعة» على قناة «المهرية»، إن السعودية، رغم الهجمات المستمرة التي تتعرض لها، لم تستشعر بعد، بحسب تقديره، حجم الخطر الذي تمثله جماعة الحوثي.
وأبدى الشجاع اعتقاده بأن المملكة تتصرف وكأنها تنتظر تعرضها لضربة كبيرة وموجعة قبل أن تبدأ «معركتها الحقيقية والفاصلة» ضد الحوثيين.
وقال إن السعودية تمتلك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً كبيراً، إلا أن «الاختلالات الموجودة داخل معسكر الشرعية» أسهمت في تجميد الموقف العسكري، وحصرت المعركة في اتجاهات محدودة، من دون تفعيل بقية الجبهات بصورة متزامنة.
وأشار إلى أن المواجهات التي تشهدها بعض الجبهات لا تزال، في تقديره، أقرب إلى مناوشات متفرقة تفتقر إلى التزامن الميداني والقرار القيادي الموحد، وهو ما يحد من قدرتها على الضغط على الحوثيين ودفعهم إلى مسار تفاوضي.
ونقل الشجاع عن محللين سياسيين استغرابهم من استمرار السعودية في سياسة «امتصاص الضربات» دون اتخاذ قرار حاسم بشأن إدارة المعركة، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد يشجع الحوثيين على توسيع نطاق هجماتهم.
وأضاف أنه في حال تعرض المملكة لضربة كبيرة، فلن يكون أمامها، وفق تقديره، سوى استخدام كامل ثقلها العسكري، لكنه شدد على أن إدارة الحروب لا ينبغي أن تنتظر وقوع ضربة موجعة حتى تتحرك، أو أن تجعل من تلك الضربة شرطاً لتبرير الدخول في مواجهة واسعة.
وفي ختام حديثه، اعتبر الشجاع أن السعودية، بوصفها قائدة للتحالف العربي، تمتلك غطاءً قانونياً يستند إلى قرار مجلس الأمن 2216، وبالتالي فإن قرار التحرك العسكري، بحسب رؤيته، لا يحتاج إلى انتظار موافقات جديدة من «الغرف الدولية».
وحذر من أن استمرار عدم الرد الحاسم قد يمنح الحوثيين مساحة أكبر لتوسيع هجماتهم وفرض وقائع ميدانية جديدة، بما قد ينعكس، في نهاية المطاف، على أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي.
المصدر: المهرية نت





