آخر الأخبار

من الضالع إلى المهرة... احتفالات سبتمبر تجدد حضور اليمن الواحد

من الضالع إلى المهرة... احتفالات سبتمبر تجدد حضور اليمن الواحد
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

لم تكن الاحتفالات الشعبية بثورة 26 سبتمبر في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية هذا العام مجرد استعادة لذكرى وطنية؛ فقد حملت، في ظل التحولات السياسية والأمنية الأخيرة، دلالة سياسية واضحة تمثلت في رفع العلم اليمني، وإحياء رموز الثورة، والتأكيد على الجمهورية والوحدة اليمنية.

ومن الضالع وحضرموت إلى المهرة وسقطرى، خرج مواطنون وشباب إلى الشوارع للاحتفاء بذكرى الثورة، في مشهد أعاد إلى الواجهة خطاباً وطنياً ظل حضوره محدوداً خلال سنوات هيمنة القوى التي تبنت مشروع الانفصال.

وتزامن هذا الحضور الشعبي مع انحسار سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، الأمر الذي أتاح، وفق مؤيدي هذا التوجه، مساحة أوسع للتعبير عن موقف مختلف عن الخطاب الانفصالي، وعن تمسك أبناء الجنوب بفكرة اليمن الواحد والجمهورية باعتبارهما إطاراً جامعاً للبلاد.

صوت الجمهورية من جنوب اليمن

في المحافظات الجنوبية، لم يكن رفع العلم اليمني في احتفالات 26 سبتمبر تفصيلاً بروتوكولياً؛ بل جاء في صلب المشهد الشعبي.

ففي حضرموت، شهدت مدن مثل المكلا وسيئون فعاليات ومسيرات احتفالية، فيما ظهرت مظاهر الاحتفاء في سقطرى والمهرة والضالع، في مشاهد أعادت رمزية الثورة إلى المجال العام في مناطق ظل فيها حضورها خلال السنوات الماضية محدوداً.

ويقرأ مؤيدو هذه الفعاليات المشهد باعتباره رسالة سياسية تتجاوز إحياء ذكرى الثورة، مفادها أن الجمهورية ما تزال حاضرة في الوعي الشعبي الجنوبي، وأن الانتماء إلى اليمن الواحد لم ينتهِ رغم سنوات الصراع ومحاولات فرض مشاريع سياسية متنافسة بالقوة.

وبهذا المعنى، تحولت ذكرى سبتمبر إلى مساحة للتعبير عن رفض مشروع الانفصال، وإعادة التأكيد على أن مستقبل الجنوب، بالنسبة إلى قطاعات من أبنائه، لا يُختزل في مشروع إقامة دولة منفصلة.

حضرموت.. الرسالة الأكثر وضوحاً

تكتسب الاحتفالات في حضرموت أهمية خاصة، بالنظر إلى ثقل المحافظة السياسي والجغرافي والاقتصادي، وإلى تعدد الرؤى السياسية داخلها.

فرفع العلم اليمني وإحياء ذكرى سبتمبر في المكلا وسيئون يقدمان، بحسب المشاركين في الفعاليات، صورة مختلفة عن الخطاب الذي يقدم الجنوب باعتباره كتلة سياسية واحدة خلف مشروع الانفصال.

فالجنوب، وفق هذا التصور، ليس صوتاً سياسياً واحداً، بل مجتمع متعدد التوجهات، ويضم تياراً يرى أن حقوق المحافظات الجنوبية يمكن تحقيقها داخل دولة يمنية اتحادية عادلة، من دون اللجوء إلى تفكيك البلاد أو إعادة رسم حدودها.

ومن هنا، يصبح الاحتفال بسبتمبر تعبيراً عن خيار سياسي واجتماعي يرى في الجمهورية إطاراً للحل، وفي اليمن الواحد مظلة للمستقبل، مع المطالبة بدولة اتحادية تضمن الشراكة والعدالة وتقاسم السلطة والثروة.

من سبتمبر إلى أكتوبر.. وطن واحد

يحاول خطاب الانفصال في بعض الأحيان تقديم ثورة 26 سبتمبر باعتبارها حدثاً شمالياً منفصلاً عن تاريخ الجنوب، لكن الاحتفالات الحالية تعيد طرح رواية مختلفة.

فثورة 26 سبتمبر عام 1962 وثورة 14 أكتوبر عام 1963 كانتا محطتين أساسيتين في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية؛ الأولى أطاحت بنظام الإمامة وأعلنت الجمهورية في الشمال، والثانية أطلقت الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب.

ومن هذه الزاوية، يرى المحتفلون أن سبتمبر وأكتوبر لا تمثلان مشروعين متعارضين، وإنما محطتين في مسار وطني واحد نحو التحرر وبناء الدولة.

وهكذا، فإن استعادة ذكرى سبتمبر في المحافظات الجنوبية تحمل رسالة إضافية: أن أبناء الجنوب الذين احتفلوا بالثورة لا يرون في الجمهورية مشروعاً شمالياً، ولا في الوحدة عبئاً تاريخياً، بل يعتبرون اليمن الواحد إطاراً وطنياً مشتركاً يمكن إصلاحه وإعادة بنائه على أساس الشراكة والمواطنة.

سقطرى والمهرة.. اليمن الواحد يصل إلى الأطراف

في سقطرى والمهرة، اكتسبت الاحتفالات دلالة خاصة بفعل الموقع الجغرافي للمحافظتين، وبعدهما عن مركز الأحداث السياسية في البلاد.

رفع العلم اليمني في شوارع الغيضة وحديبو، وإحياء ذكرى الثورة، يبعث برسالة مفادها أن البعد الجغرافي لا يعني بالضرورة ابتعاد هذه المناطق عن الهوية الوطنية الجامعة.

كما يعكس، وفق المشاركين في هذه الفعاليات، تمسكاً بسيادة الدولة اليمنية ورفض تحويل المناطق الشرقية والجزر إلى كيانات منفصلة عن محيطها الوطني.

وهنا تتقاطع رمزية سبتمبر مع مطلب أوسع: اليمن الكبير، بوصفه دولة واحدة تضم شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، مع الاعتراف بخصوصية كل منطقة وحقوق أبنائها.

ربما تكون الرسالة السياسية الأبرز لاحتفالات هذا العام هي أنها أعادت فتح المجال أمام خطاب ظل محاصراً لسنوات: خطاب الجمهورية والوحدة.

ففي ظل سيطرة القوى المسلحة وتعدد المشاريع السياسية، لم يكن المجال العام مفتوحاً بالقدر نفسه أمام جميع التيارات والمواقف.

لكن مشاهد الاحتفال بذكرى سبتمبر أظهرت أن المشروع الانفصالي ليس الموقف الوحيد الموجود في الجنوب، وأن هناك حضوراً شعبياً وسياسياً يرى مستقبله داخل اليمن الواحد.

سبتمبر في مواجهة الحوثي والانفصال

وفي الجانب الآخر من المشهد، تضع هذه الاحتفالات الجمهورية أمام خصمين سياسيين مختلفين: مشروع الحوثيين القائم على إعادة إنتاج سلطة سلالية في الشمال، ومشروع الانفصال الذي يدفع باتجاه تقسيم البلاد في الجنوب.

وبين المشروعين، يستعيد المحتفلون بثورة سبتمبر شعار الجمهورية باعتباره خياراً ثالثاً: دولة يمنية واحدة، جمهورية، اتحادية، تتسع للجميع، وتنهي احتكار السلاح والسلطة من أي جماعة أو منطقة.

ومن هنا، لا تبدو شعارات سبتمبر بالنسبة إلى هؤلاء مجرد حنين إلى الماضي، بل محاولة لاستعادة معنى الدولة نفسها؛ دولة لا تقوم على السلالة أو المناطقية أو الانفصال، وإنما على المواطنة والشراكة وسيادة القانون.

رسالة 26 سبتمبر

بعد 64 عاماً على الثورة، تبدو الاحتفالات في الجنوب والشرق وكأنها تعيد طرح سؤال اليمن الكبير من جديد.

فبينما أفرزت الحرب مشاريع متعددة للسلطة والانقسام، جاء الاحتفاء الشعبي بذكرى سبتمبر ليقول، وفق المشاركين فيه، إن فكرة الجمهورية لا تزال حاضرة، وإن اليمن الواحد لا يزال يمتلك أنصاراً في الجنوب كما في الشمال.

ويرون أنها في جوهرها، رسالة سياسية تقول إن أبناء الجنوب لا يريدون أن يكونوا أسرى لمشروع انفصالي، كما لا يريدون العودة إلى حكم سلالي؛ وإنما يريدون دولة يمنية واحدة، جمهورية وعادلة، تحفظ خصوصية الجنوب وحقوقه، وتمنح أبناءه شراكة حقيقية في صناعة مستقبل اليمن الكبير.

المصدر: المهرية نت