icons

آخر الأخبار

اليمن غير الممزق على طاولة للعب الورق !!

الأحد, 10 أكتوبر, 2021

ذات وقت غير بعيد- أثناء اشتغالي على موضوع المقهى في اليمن ، وتأثيره على تشكيل الوعي الجديد بالمكان والمهنة، وتحوله من حالة منبوذة في وعي العامة  إلى عنوان للتمدن الصريح - كتبت عن طاولة في مقهى شعبي في شارع هائل بصنعاء، يتجمع حولها مجموعة من الأصدقاء في عصاري الأيام للعب الورق (البطة) ، في فعل صريح يتشكل خارج  تنميطات المكان وثقافته ، والذي يكون في ذات وقت اللعب محصور في مجالس القات، وأسير لها.

  الحضور المختلف في شارع عام ، كان يثير استغراب وفضول  المارين بجوار المقهى ،الذي يتجمع على رصيفه هؤلاء الأصدقاء، لمزاولة لعبة هي في الأصل لصيقة بالأماكن المغلقة وليس بالفضاء العام، وإن زاولها البعض في الأندية الشعبية (في التحرير وباب اليمن)  تظل فعلاً متوارياً عن الأنظار، حتى أن المرح الذي يبعثه الجالسون في المحيط - أثناء اللعب - كان جديداً على المتلصصين والفضوليين الذين لم يعتادوا على حالة مثل هذه. من سياق التتبع استنتجت  إن ما  أبرز هذا الفعل بجرأته في هذا  المكان هو  قيمة مدينية مؤصلة ، حملها من مدينة عدن مجموعة من الموظفين الذين استقروا بصنعاء في العام 90 وما بعده ( سنوات الوحدة الأولى). حملوا  روح عدن التي تخلقت في التسامح  وحلَّقت بها في فضاء المقهى ، بوصفه العتبة الاولى لمنزلة التعدد والقبول، وهو الذي رسُبَ في وعي العامة في المناطق المغلقة  كمنبوذ .

  الطاولة التي تفتقت أول مرة  في مقهى شعبي وتنقلت كحالة عامة إلى العديد من المقاهي في ذات الشارع صارت مع مرور الوقت  تستقطب إليها عشرات الوجوه من مناطق اليمن المختلفة. صار، هؤلاء المستقطبون،  مع الوقت  أصدقاء، تخلص أكثرهم من عادة تناول القات، ووجدوا في هذه الطاولة مكاناً لتصريف وقتهم بعيداً عن ضجيج المقايل وطقوسها المدمرة في صناعة الوهم.  مجالس في الغالب  تعيد انتاج عصبويات من نوع خاص،  ولها وهمها المقدس و عزلتها الغريزية ، التي تسوق أصحابها إلى ذات حالات التفكير المنمطة بالأشياء . أما مفاعيلها العزلوية تتحدد في الغالب بالانتماءات المناطقية والقروية التي تنظم مرتاديها، وإن خرجت قليلاً فتخرج إلى عصبويات أخرى محدداتها سياسية غالباً. بتعبير أدق : صارت المجالس (المقايل) محكومة بنزعات صماء، تتحكم فيها العشائرية والشللية وقليلاً الحزبية، فأصحاب القرية والمنطقة يلتقون ببعضهم في هذه المجالس، تماماً مثل أصحاب المصالح ، وقليلاً المتقاربين سياسياً.  على العكس من طاولة اللعب التي تفتح أمام الوافدين إليها مساحات مكانية للتعايش ، ويحفزها في ذلك الفضاء المفتوح (الشارع) بقبوله لكل راغب الانتماء إليه، وأيضاً لذة اللعب وحماسه ، فتتكون الصداقات فيها على تأسيسات مغايرة لوعي المقيل. في الوقت الذي صارت فيه مفاهيم الانعزال هي الضاغطة و المهيمنة على طرائق التفكير عند الكثير من اليمنيين بفعل استطالة الأزمات ولاحقاً هوجة الحرب  ومآلاتها البائسة وزيف خطابها العام ولافتاتها التفكيكية ، يجد اللائذون بهذه الطاولة  وطنهم الصغير والمتعدد  والمتماسك، يتجاور فيه : ابن صنعاء مع اليافعي ، وابن تعز، مع العدني، وصاحب إب مع التهامي، وابو حضرم مع المحويتي والذماري وهكذا . اليمن كلها إن أردت مشاهدتها  متعافية من أمراض الحرب وسعارها فعليك بالتلصص على طاولة للعب للورق في شارع شعبي في العاصمة.

  الحكايات التي تدوَّن عن هذه الحالة  لا تتوقف عند الانتماءات الجغرافية للأشخاص ( عدن، صنعاء، الحديدة، تعز، يافع ، إب ،حجة وحضرموت وذمار وغيرها من المناطق ) وليس  عند أعمالهم ومهنهم ووظائفهم (موظفون عموميون ومهنيون وعمال ومثقفون) ، وليس  في حدود أوضاعهم المادية ، و خلفياتهم الثقافية ، وتحيزاتهم السياسية، بل تتعداها إلى ما هو مشترك في الانتماء الكبير.   

       منذ سنوات عديدة وهذه الطاولة  تكبر بداخلي  وتغريني  بالكتابة عنها ، لأنها تحيل إلى ذلكم اليمن غير المتشظي،  حتى بعد أن صار أكثر مؤسسيها من أهل عدن المرحين  في براويز  محزونة في بيوت أسرهم  في صنعاء وعدن، وبعد أن ترك بعضهم صنعاء الى مستقرات جديدة ، وأنكفأ  البعض بفعل الكبر والمرض، لكنهم باقون  بسيرهم المحببة التي لم تنفك حتى الآن من شق مجاريها في طرق حياتنا التي لم تكن بسيطة بما فيه الكفاية قبل أن نتعرف عليهم، ولأنهم أرادوا من تأسيسها قبل أكثر من ربع قرن البحث عن الممكن في ردم الهتك الكبير الذي أحدثته جائحة صيف قائض، ترك ندبته الغائرة في وعي اليمنيين وتعايشهم، ولم يزل يفعل فعله القاتل في وعي العامة من الناس.   

      المقال خاص بموقع المهرية نت