64 عاماً على سبتمبر.. لماذا تعثر مشروع بناء الدولة في اليمن؟

في السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول 1962، دخل اليمن مرحلة سياسية جديدة بإسقاط حكم الأئمة وإعلان قيام الجمهورية العربية اليمنية، في تحول أنهى نظاماً سياسياً استمر عقوداً، وفتح الباب أمام مشروع بناء دولة حديثة تقوم على الجمهورية والمواطنة.
لكن بعد 64 عاماً، لا يزال اليمن يعيش أزمة الدولة التي أرادت الثورة تأسيسها. فمن حرب تثبيت الجمهورية وحصار صنعاء، إلى الوحدة وحرب 1994، ثم حروب صعدة، وصولاً إلى سقوط صنعاء عام 2014 والحرب المستمرة، ظل بناء مؤسسات الدولة وتوحيد السلاح والقرار السياسي من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث.
وتحوّل السؤال من كيفية إسقاط النظام الإمامي إلى سؤال أكثر إلحاحاً: لماذا لم تنجح الجمهورية طوال ستة عقود في بناء دولة مستقرة تحتكر السلاح والقرار؟
1962.. إسقاط الإمامة وإعلان الجمهورية
لم تكن ثورة 26 سبتمبر حدثاً معزولاً، بل جاءت تتويجاً لمسار طويل من المعارضة للحكم الإمامي ومحاولات التغيير التي سبقتها. وفي 26 سبتمبر 1962، أطاح ضباط بالأسرة الحاكمة وأعلنوا قيام الجمهورية العربية اليمنية، لتدخل البلاد في حرب طويلة بين الجمهوريين والملكيين.
وتصف مصادر تاريخية الثورة بأنها شكلت نقطة تحول رئيسية في تاريخ اليمن الحديث، إذ نقلت البلاد من نظام الإمامة إلى النظام الجمهوري، كما ارتبطت أهدافها بمفاهيم الحرية والمواطنة والمساواة وبناء الدولة.
لكن الجمهورية الوليدة لم تحصل على فرصة هادئة لبناء مؤسساتها؛ فقد تحولت السنوات التالية إلى حرب مفتوحة، وتداخلت فيها العوامل الداخلية مع التدخلات الإقليمية.
1970.. نهاية حصار السبعين وتثبيت الجمهورية
كان حصار صنعاء الذي بدأ أواخر 1967 واستمر نحو سبعين يوماً أحد أبرز الاختبارات المبكرة للجمهورية. وتمكنت القوات الجمهورية من الصمود وإنهاء الحصار، قبل أن تقود تسوية عام 1970 إلى مصالحة بين الجمهوريين والملكيين واعتراف نهائي بالنظام الجمهوري.
ومثلت تلك المرحلة انتقالاً من معركة تثبيت النظام الجمهوري إلى محاولة بناء نظام سياسي قادر على إدارة البلاد بعد سنوات الحرب.
غير أن انتهاء الحرب لم ينهِ مشكلة بناء الدولة؛ فقد ظلت المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية مرتبطة بتوازنات القوى والنخب ومراكز النفوذ، وهو ما سيظهر لاحقاً في أزمات اليمن المتتالية.
1990.. الوحدة اليمنية وحلم الدولة الواحدة
في 22 مايو/أيار 1990، أُعلنت الوحدة بين الجمهورية العربية اليمنية في الشمال وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، ليولد كيان الجمهورية اليمنية.
كان الحدث تتويجاً لحلم سياسي ظل حاضراً منذ ثورة سبتمبر، التي تضمنت الوحدة اليمنية ضمن أهدافها، وفتح الباب أمام بناء دولة واحدة تجمع شطري البلاد.
لكن الوحدة قامت وسط مؤسسات لم تكن قد اندمجت بصورة كاملة، خصوصاً الجيش والأمن. وبقيت الولاءات السياسية والعسكرية السابقة حاضرة داخل الدولة الجديدة، ما جعل الانتقال من دولتين إلى دولة واحدة أكثر تعقيداً من إعلان الوحدة نفسه.
1994.. الحرب والانقسام السياسي
لم تصمد الشراكة السياسية طويلاً. تصاعدت الخلافات بين طرفي الوحدة، وانتهت إلى حرب صيف 1994، التي حُسمت عسكرياً في يوليو/تموز لمصلحة قوات الرئيس الراحل علي عبدالله صالح وحلفائه.
وأدت الحرب إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة، وإقصاء الحزب الاشتراكي اليمني من مركز السلطة، كما تركت آثاراً سياسية واجتماعية عميقة في الجنوب.
ومن منظور بناء الدولة، كانت الحرب محطة مفصلية؛ إذ لم تنجح الوحدة السياسية في إنتاج اندماج مؤسسي كامل، بينما أدى الحسم العسكري إلى إعادة ترتيب مؤسسات الجيش والأمن ومراكز النفوذ وفق موازين القوة التي أفرزتها الحرب.
2004–2010.. حروب صعدة وعودة السلاح إلى مركز المشهد
بعد عقد من حرب 1994، اندلعت في يونيو/حزيران 2004 أولى جولات الحرب بين الحكومة وجماعة الحوثيين في صعدة.
وخلال الفترة بين 2004 و2010، شهدت البلاد ست حروب في صعدة، تحولت خلالها جماعة الحوثيين من حركة محلية إلى قوة عسكرية وسياسية أكثر تنظيماً وخبرة في القتال.
وتكشف هذه المرحلة جانباً آخر من أزمة الدولة اليمنية: ضعف قدرة المؤسسات الرسمية على احتكار القوة، وعودة الجغرافيا المحلية والولاءات المسلحة لتصبح عاملاً أساسياً في تحديد موازين النفوذ.
كما أن استمرار الحرب في صعدة لسنوات أتاح للحوثيين بناء خبرة عسكرية وتنظيمية، قبل أن ينتقل الصراع لاحقاً من نطاق المحافظة إلى محافظات أخرى.
2014–2015.. سقوط صنعاء واتساع الحرب
مثّل عام 2014 نقطة تحول جديدة. ففي سبتمبر/أيلول من ذلك العام، سيطر الحوثيون على صنعاء، قبل أن تتوسع سيطرتهم على مؤسسات ومناطق أخرى، بينما دخلت البلاد في مسار صراع أكثر اتساعاً.
ويربط عدد من الدراسات الصحفية والسياسية بين سقوط صنعاء وتفكك البنية العسكرية للدولة، بعدما كانت المؤسسة العسكرية قد عانت لعقود من انقسامات الولاء والصراعات بين مراكز القوى. وتشير دراسة حديثة إلى أن الجيش اليمني لم يُبنَ بصورة متماسكة على أساس عقيدة وطنية مستقلة، وأن صراعات الولاء السياسية والقبلية والمناطقية أسهمت في تفككه قبل أن يؤدي سقوط صنعاء إلى مزيد من الانهيار.
وفي مارس/آذار 2015، اتسعت الحرب إقليمياً مع بدء التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية، لتتحول الأزمة اليمنية إلى حرب متعددة الأطراف، وتتوزع مناطق النفوذ بين قوى محلية وإقليمية مختلفة.
اليوم.. دولة واحدة على خرائط متعددة
بعد أكثر من عقد على سقوط صنعاء، لم يعد المشهد اليمني محكوماً بمركز سياسي وعسكري واحد.
ففي مناطق سيطرة الحوثيين، نشأت مؤسسات وسلطات أمر واقع تقدم الجماعة من خلالها تصورها الخاص للدولة والحكم، وتتعامل مع 21 سبتمبر/أيلول 2014 باعتباره «ثورة»، في مقابل تمسك قطاعات واسعة من اليمنيين بمرجعية 26 سبتمبر باعتبارها لحظة تأسيس الجمهورية.
وفي الجنوب، برزت مشاريع سياسية تطالب بإعادة صياغة وضع الجنوب، وصولاً إلى الدعوات الانفصالية، فيما تتوزع مناطق الحكومة المعترف بها دولياً وحلفائها بين قوى سياسية وعسكرية متعددة.
وهكذا بات اليمن أمام سلطات ومراكز نفوذ متعددة، وجيوش وتشكيلات مسلحة مختلفة، ومشاريع سياسية متباينة حول شكل الدولة ومستقبلها.
وتشير دراسات وتقارير يمنية إلى أن ضعف حضور الدولة في بعض المناطق، وتعدد القوى المسلحة، يمثلان امتداداً لأزمة تاريخية تعود إلى ما بعد قيام الجمهورية نفسها. وفي صعدة، على سبيل المثال، ظل حضور الدولة ضعيفاً لسنوات، قبل أن تتحول المحافظة إلى مركز رئيسي لصعود الحوثيين.
تعثر الدولة.. هل كان الخلل في الجمهورية أم في إدارة مشروعها؟
إذا كانت ثورة 26 سبتمبر قد نجحت في إسقاط نظام الإمامة وإعلان الجمهورية، فلماذا لم تتمكن الجمهورية خلال 64 عاماً من بناء دولة مستقرة تحتكر السلاح والقرار؟
يقدم الإعلامي والمثقف اليمني علي صلاح أحمد تفسيراً يحمّل النخب السياسية مسؤولية تعثر مشروع الدولة، لا الثورة نفسها. ويقول، في حوار خاص مع قناة «المهرية»، إن الصراعات والانقسامات التي يعيشها اليمن اليوم لا تعني فشل ثورة سبتمبر، وإنما تعكس، من وجهة نظره، تعثر إدارة الدولة من قبل النخب السياسية خلال العقود الماضية.
ويرى صلاح أحمد أن أهداف الثورة الستة ما تزال تمثل مشروعاً وطنياً لم يكتمل، مشيراً إلى أن الانتكاسات التي تعرض لها المشروع الجمهوري ارتبطت بتغليب حسابات السلطة والصراعات والثأر على بناء مؤسسات الدولة.
ويضع هذا الطرح أزمة اليمن في إطار أوسع من مجرد الصراع بين القوى السياسية والعسكرية؛ إذ يرى أن المشكلة الأساسية تمثلت في عدم استكمال الانتقال من ثورة غيّرت نظام الحكم إلى دولة مؤسسات قادرة على حماية النظام الجمهوري وترسيخ المواطنة والشراكة السياسية.
ومنذ قيام الجمهورية، تعاقبت الحروب والصراعات على السلطة، فيما ظلت الدولة تواجه منافسة من مراكز قوى قبلية وسياسية وعسكرية. ومع كل أزمة، كانت المؤسسات الرسمية تتراجع لمصلحة قوى أكثر ارتباطاً بشبكات النفوذ والولاءات المحلية.
وجاءت حرب 1994 لتعمق الانقسام السياسي، ثم كشفت حروب صعدة بين 2004 و2010 محدودية قدرة الدولة على احتواء قوة مسلحة خارج مؤسساتها. وبعدها أدى سقوط صنعاء عام 2014 إلى انهيار واسع في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وانفتح الباب أمام تعدد السلطات والقوى المسلحة ومشاريع سياسية متباينة.
وبحسب رؤية صلاح أحمد، فإن تجاوز هذا المسار لا يكون بالتخلي عن الجمهورية، وإنما باستعادة مضمونها السياسي من خلال دولة قائمة على الشراكة والمواطنة وحكم الشعب، مع مراجعة أخطاء النخب التي أدارت الدولة خلال العقود الماضية.
وهنا تبدو المفارقة التي طبعت تاريخ اليمن منذ سبتمبر 1962: الثورة نجحت في تغيير شكل السلطة، لكن مشروع بناء الدولة ظل مؤجلاً؛ فكلما اقترب اليمن من مرحلة تثبيت مؤسساته، أعاد الصراع على السلطة والسلاح إنتاج الأزمة بصورة جديدة.
وبذلك، فإن السؤال بعد 64 عاماً لا يتعلق فقط بما إذا كانت ثورة سبتمبر قد نجحت أو فشلت، وإنما بما إذا كان اليمنيون قد تمكنوا من تحويل أهدافها إلى مؤسسات دولة مستقرة، يكون فيها السلاح والقرار السياسي خاضعين لسلطة الدولة والقانون.
المصدر: المهرية نت





