آخر الأخبار

عودة شبح الاغتيالات إلى مناطق الشرعية.. تصفيات أمنية أم رسائل سياسية؟

عودة شبح الاغتيالات إلى مناطق الشرعية.. تصفيات أمنية أم رسائل سياسية؟
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

عاد شبح الاغتيالات مجددًا  ليخيم على مناطق سيطرة الحكومة الشرعية في اليمن، محولًا عددًا من المحافظات إلى الساحة الأبرز لتصفية الحسابات عبر سفك الدماء، ومبددًا حالة السكينة النسبيّة التي سادت الأوساط المجتمعية عقب التطورات السياسية التي تمثلت بطرد الإمارات وحل المجلس الانتقالي في التاسع من يناير من العام الجاري.

ولم  تمض فترة قصيرة على تلك التحولات وتحديدًا في الواحد والعشرين من الشهر نفسه استفاقت العاصمة المؤقتة عدن على حادثة استهداف قائد الفرقة الثانية بقوات العمالقة، العميد حمدي شكري، عبر سيارة مفخخة في منطقة "جعولة"، أسفرت عن سقوط  قتلى وجرحى. 

وفي مشهد يتسم بالتصعيد المتزايد تلت هذه الحادثة جريمة أخرى  باغتيال  الدكتور عبد الرحمن الشاعر نفذها مسلحون مجهولون  بالقرب من  فرع مدارس النورس الأهلية وهو في طريقه للمشاركة في  فعالية طلابية تتعلق بالروبوت والذكاء الاصطناعي في الخامس والعشرين من أبريل. 

وفي حضرموت لم تفق المحافظة من فاجعة  اغتيال مراسل قناتي “العربية” و”الحدث” الصحفي محمد عيضة في مدينة المكلا، حتى فجعت بحادثة جديدة، تمثلت باغتيال قائد اللواء الرابع المعروف بـ”لواء الدكام” في الفرقة الثانية التابعة لقوات “درع الوطن”، أبو العز أسامة عبدالكريم الردفاني، في منطقة العبر شرقي المحافظة،  في الأول من أغسطس الجاري.

ويفتح هذا الاستهداف المتزامن للقيادات العسكرية والشخصيات المدنية والإعلامية باب التساؤلات حول الأطراف المستفيدة من خلط الأوراق وإعادة تدوير الفوضى في هذه المرحلة الحساسة.

​ محللون سياسيون يرون  أن عودة الاغتيالات  بهذا التوقيت  ترتبط بالتحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، وبالصراعات الإقليمية والداخلية المتشابكة، معتبرين أن هذه العمليات تحمل رسائل أمنية وسياسية تتجاوز استهداف الأشخاص إلى محاولة إعادة تشكيل موازين القوى على الأرض.

فراغ أمني وصراع نفوذ

بهذا الشأن  قال الصحفي والمحلل السياسي عبد الرقيب الهدياني إن"  المشكلة الحقيقية التي تعاني منها المحافظات التابعة للحكومة الشرعية—والتي تسببت في انتشار جرائم الاغتيالات— تكمن في كون هذه المحافظات واسعة ومترامية الأطراف وتضم مناطق صحراوية مثل "العَبْر"، إلى جانب عدم امتلاك الحكومة الشرعية القوة الكافية لملء الفراغ الأمني القائم"، مؤكدًا  أن هذا الضعف في الأداء الأمني يُعد أمرًا واقعيًا يجب التسليم به.

​وأوضح الهدياني، في تصريح خاص لـ "المهرية نت"، أن حالة التجاذب الراهنة تجمع بين عدة أطراف: الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا  والمجلس الانتقالي الذي فقد نفوذه ومكانته في هذه المحافظات، إضافة إلى جماعة الحوثي التي تملك أدواتها وأذرعها وقد تستفيد من هذه الجرائم كونها تستهدف قيادات موالية للشرعية.

​ولفت إلى أن عملية اغتيال الشيخ الردفاني ومرافقيه عقب عودتهم من "مطرح الريان" تأتي في هذا السياق؛ كونه قائدًا عسكريًا مناوئًا  للحوثيين وله تصريحات واضحة ضدهم؛  لذا فحالة التجاذب الثلاثي تجعل كل طرف يسعى لاصطياد واستهداف قيادات الطرف الآخر.

​صراع إقليمي وتصعيد ميداني

وأكد الهدياني أن للإمارات يدًا  في هذا التصعيد؛ ورغم خروجها من هذه المناطق إلا أن نفوذها لا يزال قائمًا،  لافتًا  إلى وجود صراع إقليمي واضح بين أبوظبي والرياض يمتد من اليمن إلى السودان والصومال والبحر الأحمر.

​وأضاف أنه وفي ذروة هذا الصراع وتلقي الإمارات هزائم في عدة ساحات كالسودان، وتوجه السعودية لبناء تحالف بحري بعيدًا  عنها، عمدت الإمارات إلى تحريك أذرعها المتمثلة بالمجلس الانتقالي، وهو ما يفسر ظهور التصعيد الأخير، والتحركات والتصريحات الصادرة عن عيدروس الزبيدي، مؤكدًا  أن هذا الصراع الإقليمي يرتد ميدانيًا  على شكل تصعيد واغتيالات وتصفية حسابات.

​وأشار الهدياني إلى أن عملية اغتيال القائد العسكري الردفاني في العَبْر—باعتباره شخصية محسوبة على المملكة العربية السعودية— تندرج ضمن هذا الصراع، إذ  تواجه السعودية أطرافًا  مناوئة ومعادية لها في اليمن تتمثل بالإمارات والمجلس الانتقالي والحوثيين.

​رسائل سياسية وأمنية بالدم

​وبيّن المحلل السياسي أن الأطراف التي تقف خلف الاغتيالات تهدف إلى إيصال رسائل مباشرة للحكومة الشرعية ولدول التحالف وفي مقدمتها السعودية، مفادها أن "الخيار العسكري والأمني والتحضير للتصعيد أو الضربات الجوية غير مقبول"، وأن استهداف القيادات يأتي لإجبار هذه الأطراف على التراجع والقبول بخيار التفاوض والحلول السياسية.

​وأضاف أن الإمارات تسعى أيضًا لإيصال رسالة للأطراف الدولية والراعية للملف اليمني بأن انسحابها من هذه الجغرافيا  تسبب في خلق فراغ أمني أدى لظهور الإرهاب والاغتيالات، وذلك لتبرير ضرورة عودتها مجددًا.

​الحل في دولة قوية وتكامل سيادي

​واختتم الهدياني تصريحه بالتأكيد على أن الفراغ والحوادث والاختلالات الأمنية ستستمر طالما بقي اليمن في وضعية "اللادولة" والتجزئة بين الشرعية وجماعة الحوثي، وفي ظل غياب دولة ضامنة على كامل التراب الوطني المفتوح جغرافيًا على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، مما يجعل الحدود منافذ سهلة للمخربين والإرهابيين.

​وشدد على أن حالة الانقسام تشكل بيئة خصبة للجماعات الإجرامية، وأن الحل الوحيد يكمن في عودة الدولة لبسط سيطرتها الكاملة على التراب الوطني، وبناء دولة قوية تملأ الفراغ الأمني، وتحتكر السلاح والقوة، وتحارب كافة أشكال العبث والإجرام والاغتيالات.

الاغتيالات ليست وليدة اللحظة

في السياق ذاته قال المحلل السياسي والاستراتيجي الدكتور علي الذهب إن توقيت الاغتيالات الأخيرة لا يمكن فصله عن الظروف الراهنة، إلا أنها ليست أحداثًا طارئة أو وليدة اللحظة، بل تأتي في سياق صراع استخباري مستمر بين الحكومة اليمنية وخصومها، سواء جماعة الحوثيين، أو المتمردين الانفصاليين، أو تنظيمي القاعدة وداعش، وغيرها من الجماعات المسلحة المناوئة.

وأوضح الذهب، في تصريح خاص لـ"المهرية نت"، أن المشهد يتسم بتداخل الصراعات، إذ لا تقتصر الخصومات على المواجهة بين الحكومة وخصومها، بل تمتد إلى خلافات داخل أوساط تلك الجماعات نفسها، وقد تستهدف شخصيات بعينها، قبل أن تُوجَّه أصابع الاتهام إلى أطراف أخرى.

وأشار إلى أن الحكومة اليمنية تعرضت خلال السنوات الماضية لهزات أمنية متكررة، وانقسامات داخل المؤسستين العسكرية والاستخباراتية، فضلًا عن خروج عناصر فاعلة منهما وتحول بعضهم إلى أدوات تعمل ضدها، وهو ما أضعف قدرتها على مواجهة التهديدات الأمنية.

وأضاف أن جماعة الحوثيين تنظر إلى العمل الاستخباري باعتباره جزءًا أصيلًا من معركتها العسكرية، إذ لا يقتصر نشاطها على المواجهات المباشرة، بل يشمل تنفيذ عمليات تهدف إلى إرباك خصومها، من خلال استهداف القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، وإثارة الفوضى، والتأثير على الخدمات الأساسية، بما فيها الكهرباء والمياه والاتصالات، في إطار ما وصفه بـ"المعركة الكلية المتكاملة" التي تجمع بين العمل العسكري والاستخباري والتخريبي.

وفي حديثه عن العوامل التي تهيئ البيئة لمثل هذه الجرائم، أكد الذهب أن الفقر، وشح الموارد، وضعف التنمية، تمثل الأسباب الرئيسة التي تغذي حالة الانفلات، موضحًا أن التنمية الشاملة قادرة على استيعاب الأيدي العاملة والعاطلين عن العمل، وتجفيف منابع التجنيد التي تعتمد عليها الجماعات المسلحة.

بيئة خصبة للجريمة المنظمة

ولفت إلى أن مناطق النزاعات تشهد عادةً انتشارًا للجريمة المنظمة، والإرهاب، والمخدرات، وغيرها من الظواهر الخطرة، مشددًا على أن معالجة هذه التحديات تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات تبدأ بالتنمية الاقتصادية، وتتزامن مع إصلاحات أمنية وحقوقية وسياسية.

ورأى أن الدولة باتت بعيدة عن المواطنين في ظل انقطاع المرتبات، وتدهور الخدمات الأساسية، واتساع الفجوة بين السلطات والشارع، الأمر الذي يولد حالة من السخط تدفع بعض العاطلين والناقمين على الحكومة إلى الانخراط في صفوف الجماعات المناوئة، ليصبحوا أدوات تُستخدم في استهداف الأرواح، والمنشآت، والبنية التحتية، ومؤسسات الدولة.

حربٌ استخباراتية 

وحول الرسائل التي تحملها عمليات الاغتيال، قال الذهب إنها تهدف بالدرجة الأولى إلى إيصال رسالة مفادها أن الجهات المستهدفة "ليست بمنأى عن الاستهداف"، مؤكدًا أن هذه العمليات تمثل شكلًا من أشكال الحرب الاستخبارية والتخريبية، وليست حربًا تقليدية تقوم على المواجهة المباشرة.

وأردف أن دلالات هذه العمليات تختلف باختلاف الجهة المنفذة وخلفيتها الفكرية والسياسية؛ فقد تحمل رسائل تتعلق بفرض الشراكة بالقوة، أو السعي لاستعادة النفوذ والسيطرة على الأرض، أو تستند إلى مبررات أيديولوجية ودينية وسياسية تختلف من طرف إلى آخر.

ولم يستبعد الذهب وجود أطراف خارجية تسهم في تأجيج الصراع، عبر تغذية الانقسامات بين القوى المحلية، بما يعمق فجوة الخلاف بينها، ويحول دون الوصول إلى سلام دائم، أو إنهاء الحرب التي أنهكت اليمن واليمنيين لأكثر من عقد.

المصدر: المهرية نت