آخر الأخبار

بعد تراجع نفوذه.. هل تمثل مدارس عدن محاولة يائسة للانتقالي لإحياء مشروع الانفصال؟

بعد تراجع نفوذه.. هل تمثل مدارس عدن محاولة يائسة للانتقالي لإحياء مشروع الانفصال؟
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

مع انطلاق العام الدراسي الجديد، يبدو أن أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل تحاول نقل معركتها السياسية إلى داخل المدارس، مستغلة واحدة من أكثر ساحات المجتمع حساسية وتأثيراً في تشكيل وعي الأجيال الجديدة.

وشهدت بعض مدارس مدينة عدن ممارسات ذات طابع مناطقي وانفصالي، تمثلت في رفع أعلام مرتبطة بالمشروع الانفصالي وترديد نشيد مرتبط بالمجلس الانتقالي، بدلاً من النشيد الوطني للجمهورية اليمنية.

وتثير هذه الممارسات مخاوف من تحول المدارس إلى مساحة جديدة للصراع السياسي والمناطقي، بما يتجاوز وظيفتها التعليمية والتربوية، ويفتح الباب أمام ترسيخ الانقسام في وعي جيل جديد من الطلاب.

كما تضع هذه الوقائع الحكومة اليمنية ووزارة التربية والتعليم أمام اختبار حقيقي بشأن قدرتها على فرض اللوائح التعليمية وحماية المدارس من التوظيف السياسي، خصوصاً في مدينة يفترض أن تخضع مؤسساتها الرسمية لسلطة الدولة.

وتأتي هذه الممارسات، بالتزامن مع تدشين وزارة التربية والتعليم بدء العام الدراسي 2026-2027 في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً، وسط ظروف استثنائية يعيشها قطاع التعليم نتيجة أكثر من عقد من الحرب والانقسام السياسي والمؤسسي.

التعليم.. ضحية أخرى للحرب

لم تعد الحرب اليمنية محصورة في جبهات القتال، إذ امتدت تداعياتها إلى مؤسسات الدولة والمناهج التعليمية والرموز الوطنية، وأصبح قطاع التعليم واحداً من أكثر القطاعات تأثراً بالانقسام الذي فرضته الحرب.

ويواجه ملايين الأطفال اليمنيين صعوبات في الوصول إلى التعليم، فيما تعاني المدارس من نقص الكتب والمستلزمات التعليمية، وتواجه الكوادر التربوية أوضاعاً اقتصادية صعبة، فضلاً عن تضرر أو تدمير آلاف المدارس خلال سنوات الحرب أو خروجها عن الخدمة التعليمية.

وفي ظل هذا الواقع، تبرز عدن باعتبارها حالة أكثر تعقيداً، فهي العاصمة المؤقتة التي يفترض أن تمثل مركزاً لمؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة للحكومة، لكنها في الوقت ذاته ظلت ساحة لصراع سياسي وأمني حول مستقبل اليمن وشكل الدولة اليمنية.

"أدوات الانتقالي تعبث بالتعليم"

مصدر تربوي تحدث لـ"المهرية نت" قال إن ما وصفها بـ"أدوات المجلس الانتقالي المنحل" رفضت توجيهات وزارة التربية والتعليم المتعلقة بإلغاء نشيد المجلس واستبداله بالنشيد الوطني للجمهورية اليمنية في الطابور الصباحي بعدد من مدارس عدن.

وأضاف المصدر أن هذه الممارسات أثارت استياءً في أوساط تربويين، الذين طالبوا مؤسسات الدولة بإلزام المدارس بتطبيق اللوائح التعليمية وتوحيد الرموز الوطنية في مدارس المدينة.

ويرى المصدر أن السماح بتعدد الرموز داخل المؤسسات التعليمية يهدد وحدة العملية التعليمية، معتبراً أن المدرسة ينبغي أن تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية والمشاريع المناطقية.

ويذهب المصدر إلى مقارنة ما يحدث في بعض مدارس عدن بما هو قائم في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين، حيث تُستخدم، بحسب انتقادات خصوم الجماعة، المدارس لترويج شعاراتها ورموزها وخطابها السياسي.

وبحسب المصدر، فإن الخطر لا يكمن في النشيد أو العلم بحد ذاتهما، وإنما في تحويل المدرسة إلى مساحة للصراع على هوية الدولة ومستقبلها.

وفي شهادة تعكس جانباً من هذا الجدل، قال الطالب وائل عبدالوهاب لـ"المهرية نت" إن مدرسته في عدن شهدت خلال الطابور الصباحي رفع العلم الجنوبي وترديد نشيد مرتبط بدولة الجنوب السابقة، بدلاً من النشيد الوطني للجمهورية اليمنية.

وأضاف أن أحد المعلمين، الذي وصفه بأنه من أنصار المجلس الانتقالي، تحدث مع الطلاب خارج إطار المنهج الدراسي عن "دولة الجنوب" وضرورة استعادتها، مشيراً إلى أن الحديث تضمن تقديم عيدروس الزبيدي باعتباره رئيساً لها.

 المدرسة ليست ساحة للصراع

وعلى صعيد متصل، عبّر عدد من أولياء الأمور والمواطنين عن استيائهم من إدخال الخلافات السياسية والمناطقية إلى المدارس، معتبرين أن المؤسسة التعليمية يجب أن تكون مساحة جامعة لا امتداداً للصراع السياسي.

وقال أولياء أمور في تصريحات خاصة لـ"المهرية نت" إن المدرسة تمثل اللبنة الأولى في تشكيل الوعي الوطني لدى الطفل، فمن خلالها يتعرف إلى العلم والنشيد الوطنيين، ويتعلم مبادئ المواطنة والانتماء، وهو ما يجعل إدخال الخطابات السياسية والمناطقية إلى البيئة التعليمية أمراً بالغ الحساسية.

وأضافوا أن القضية، في نظرهم، لا تتعلق بخلاف سياسي عابر، وإنما بأزمة ينبغي على الحكومة معالجتها قبل أن تتحول إلى ممارسة مستقرة داخل المؤسسات التعليمية.

وحذر أولياء الأمور من أن السماح بتمكين الخطاب المناطقي داخل المدارس قد يؤدي إلى تعميق الانقسام الاجتماعي، خصوصاً عندما يصل هذا الخطاب إلى الأطفال في مرحلة مبكرة من تكوين وعيهم، بما قد يترك آثاراً طويلة الأمد على نظرتهم إلى الدولة والمجتمع والهوية الوطنية.

وحملوا الحكومة ووزارة التربية والتعليم مسؤولية ضبط العملية التعليمية، مؤكدين أن حماية المدرسة من التجاذبات السياسية جزء من مسؤولية الدولة في الحفاظ على قيم المواطنة والانتماء الوطني.

الحكومة أمام مسؤوليتها

وفي هذا السياق، يرى التربوي مجاهد عز الدين أن استمرار رفع الرموز الانفصالية وترديد الأناشيد السياسية داخل المدارس لا يمكن التعامل معه باعتباره سلوكاً عابراً أو خلافاً شكلياً بشأن برنامج الطابور الصباحي، بل يمثل مؤشراً خطيراً على انتقال الانقسام السياسي والمناطقي إلى واحدة من أهم مؤسسات تشكيل وعي الأجيال الجديدة.

وقال عز الدين، في تصريحات لـ"المهرية نت"، إن هذه الممارسات تأتي في وقت فشل فيه المجلس الانتقالي، بحسب تقديره، في تقديم نموذج مؤسسي أو خدمي قادر على تلبية تطلعات المواطنين، معتبراً أن استمرار فرض خطاب مناطقي داخل المدارس يستوجب تدخلاً حكومياً حازماً ووضع حد لهذه الممارسات.

وأضاف أن الجهات التي تقف وراء هذه السلوكيات تتحمل مسؤولية مباشرة عنها، غير أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة اليمنية ووزارة التربية والتعليم، باعتبارهما الجهة الرسمية المعنية بحماية المؤسسات التعليمية وفرض اللوائح المنظمة للعملية التربوية في المناطق الخاضعة لسلطتهما.

وتابع أن الاكتفاء بالصمت أو بالتوجيهات الإدارية لم يعد كافياً، مطالباً الحكومة بفتح تحقيق في الوقائع المتداولة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تسييس المدارس أو فرض رموز حزبية ومناطقية داخلها، بما يضمن عدم تحويل المؤسسات التعليمية إلى منصات للتعبئة السياسية.

وشدد عز الدين على أن المدرسة ليست ساحة للصراع على النفوذ، ولا منبراً للمشاريع السياسية أو المناطقية، وإنما مؤسسة تربوية يفترض أن تسهم في بناء جيل يؤمن بالمواطنة وسيادة القانون والانتماء الوطني.

وحذر من أن أي تهاون في التعامل مع هذه الممارسات قد يفضي إلى ترسيخ خطاب التجزئة داخل وعي الأجيال الجديدة، وتعميق الانقسامات الاجتماعية، في وقت يحتاج فيه اليمن إلى مؤسسات تعليمية تجمع أبناءه حول مفهوم الدولة والمواطنة، لا أن تتحول إلى مساحة إضافية لإعادة إنتاج الصراع.

المصدر: المهرية نت