عدن... المدينة التي ظلمت كثيرا

أحمد ناصر حميدان
البعض يتعامل اليوم مع عدن وكأنها إرث خاص، يمنح حق الانتماء لمن يشاء، وينزعه عمن يشاء.
مسكينة عدن... فما أكثر من أحبها بلسانه وأسهم في ظلمها بأفعاله.
هذه المدينة لم تبنها قبيلة، ولم يؤسسها عرق، ولم تكن يوما ملكا لعائلة أو جماعة. منذ نشأتها الحديثة وهي مدينة مفتوحة لكل من قصدها باحثا عن العمل أو العلم أو الأمن أو الحياة الكريمة.
احتضنت الجميع دون أن تسألهم عن أصولهم، وجعلت معيار التفاضل بينهم ما يملكونه من علم وكفاءة وإبداع، لا ما يحملونه من أنساب وألقاب.
غير أن البعض يتعامل اليوم مع عدن وكأنها إرث خاص، يمنح حق الانتماء لمن يشاء، وينزعه عمن يشاء.
يستحضر تاريخ أجداده لا للاعتزاز به، بل ليصادر حق الآخرين، ويصف كل من جاء إلى عدن وأسهم في بنائها بأنه دخيل، في خطاب لا يخدم سوى تمزيق النسيج الاجتماعي الذي عرفت به المدينة.
وفي المقابل، هناك من لم ير في عدن سوى غنيمة سياسية وعسكرية، فسعى إلى إخضاعها بقوة السلاح والنفوذ، وتعامل معها باعتبارها مكسبا يجب أن تحتكره جماعته أو قبيلته أو أسرته.
وهكذا التقت عقلية الوصاية مع عقلية الغلبة، وكلتاهما أساءتا إلى عدن وإلى تاريخها.
عدن ليست مدينة يمكن احتواؤها داخل حدود القبيلة أو السلالة أو المنطقة.
إنها مدينة مدنية بطبيعتها، ازدهرت بالتنوع، وقويت بالتعايش، وأصبحت رمزا للمواطنة والانفتاح. وكل مشروع يسعى إلى احتكار تمثيلها أو مصادرة هويتها محكوم عليه بالفشل، لأنه يصطدم بحقيقة راسخة في تاريخها.
المؤسف أن حب عدن تحول عند البعض إلى مزايدات، يتنافسون فيها على ادعاء تمثيلها والدفاع عنها، بينما يكشف التاريخ أن بعض من يرفعون هذه الشعارات اليوم وقفوا، في مراحل مختلفة، مع القوى التي أضرت بالمدينة أو بررت الاعتداء عليها.
لقد ظلمت عدن كثيرا، وربما كان أشد ما يؤلم أن بعض هذا الظلم جاء ممن عاشوا في كنفها واستفادوا من خيرها.
ومع ذلك ستبقى عدن أكبر من الجميع، وستظل مدينة الإنسان والمواطنة، لا مدينة الامتيازات والوصاية، ولن يحميها إلا مشروع الدولة العادلة وسيادة القانون والمساواة بين جميع أبنائها وسكانها
المصدر: المهرية نت

