آخر الأخبار

باب المندب.. خطر يحدق بالعالم

راجح بادي

راجح بادي

 
شارك الخبر:

مقال يستعرض المخاطر التي تحيط بباب المندب عقب تقدم الحوثيين في مناطق بمحافظتي تعز والحديدة غربي اليمن.

لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب المندب هذه الأيام في احتمال تعرض سفينة لهجوم أو اضطرار شركة ملاحية إلى تغيير مسارها، الخطر أكبر من ذلك بكثير.

فحين تتمكن ميليشيا مسلحة من الاقتراب من واحد من أهم الممرات المائية الدولية، وتصبح لديها القدرة على تهديد حركة السفن فيه، فهي بذلك إنما تفرض تحدياً شاملاً يتجاوز حدود البلد الذي يقع الممر داخل حدوده، ويضع التجارة الدولية أمام واقع جديد يصعب ضبطه كلما طال أمده.

باب المندب ليس نقطة على الساحل اليمني يمكن عزلها عن بقية العالم، إنه إحدى حلقات الطريق الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.

وليس من الصعب إدراك القيمة الإستراتيجية لهذا الموقع، لاسيما إذا استحضرنا واحدة من وقائع التاريخ الحديث، ففي حرب أكتوبر 1973، استخدمت جمهورية مصر الشقيقة، موقع باب المندب للضغط على حركة الملاحة المتجهة إلى الكيان الإسرائيلي، وفرضت حصاراً بحرياً عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهي خطوة أثبتت أهميتها في حسابات الحرب آنذاك، عندما ظهر موضوع حصار باب المندب لاحقا في صلب المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار وفك الاشتباك، وأصبح رفعه جزءاً أساسياً من الترتيبات التي جرى التفاوض عليها بين الأطراف.

هذه الواقعة التاريخية تكفي وحدها لتذكير العالم بأن أي اضطراب في هذا المضيق سينعكس بشكل فوري على حركة التجارة، وأسعار النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، وتدفقات الطاقة، وعلى اقتصادات دول ليست لها علاقة مباشرة بالحرب في اليمن.

وتزداد خطورة الوضع بالطبع مع سيطرة الميليشيات الحوثية على عدد من الجزر اليمنية المهمة الواقعة في محيط باب المندب، لاسيما جزيرة ميون التي تقع في قلب المضيق وتشق ممراته المائية.

كما يتمتع أرخبيل حنيش وزقر، بأهمية إستراتيجية في معادلة الأمن البحري جنوب البحر الأحمر، ولعل تاريخ المنطقة يقدم دليلاً واضحاً على حساسيتها الإستراتيجية.

فقد اندلع نزاع بين بلادنا وإريتريا في منتصف تسعينيات القرن الماضي حول هذا الأرخبيل، قبل أن تحسم محكمة التحكيم الدولية هذا النزاع لصالح اليمن وتقر بسيادته على الأرخبيل.

ومكمن الخطر هنا أن تحويل هذه الجزر إلى قواعد نفوذ مسلح لجماعة الحوثيين سيوسع نطاق التهديد من الساحل إلى داخل الممر المائي نفسه، ويمنح هذه الجماعة قدرة أكبر على خنق حركة السفن، ووضع أمن الملاحة في مهب الريح.

لقد اعتقدنا في اليمن أن تجربة السنوات الماضية كانت كافية لإظهار حجم هذه التداعيات؛ فالحكومة الشرعية كانت تدرك هذه المخاطر منذ وقت مبكر، الأمر الذي دفعها إلى إطلاق تحذيرات متكررة من أن بقاء الحوثيين قوة عسكرية خارج مؤسسات الدولة، وتمكينهم من الوصول إلى الساحل ومراكمة قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، ستجعل من اليمن مصدراً دائماً لتهديد الملاحة في البحر الأحمر.

ولم تكن هذه التحذيرات بالطبع منفصلة عن التحذير الأهم المتعلق بالعلاقة بين الحوثيين وإيران، ولا عن تدفق الأسلحة والخبرات والتقنيات التي ساعدت الجماعة على تطوير قدراتها العسكرية.

ولهذا السبب خاطبت الحكومة اليمنية المجتمع الدولي، في مناسبات عديدة، بضرورة التعامل بجدية وحزم مع قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر السلاح ومنع وصول الإمدادات العسكرية إلى الحوثيين.

لكن التعامل مع هذه التحذيرات ظل في مراحل كثيرة، وعلى نحو مستغرب ومؤسف، دون مستوى الخطر الذي كنا نشير إليه.

اليوم وقد أصبح باب المندب عرضة لتهديدات مباشرة من جماعة مسلحة منفلتة تبدو الصورة أكثر وضوحاً؛ فالمشكلة ليست في قدرة الحوثيين على مهاجمة سفينة أو تهديد أخرى، وإنما في أن تصبح لديهم القدرة على استخدام موقع اليمن الجغرافي كورقة ضغط على العالم.

والخطر لا يتوقف عند البحر أو عند حدود الملاحة الدولية، لأن امتلاك جماعة منفلتة مثل الحوثيين لهذه القدرات العسكرية سيوسع دائرة التهديد والخطر ليطول المنطقة والعالم بأسره.

وقد رأينا في الأيام الأخيرة كيف وصل تصعيد هذه الميليشيات إلى مستوى بالغ الخطورة، بعد محاولتها استهداف مكة مكرمة قبلة المسلمين، دونما أي اكتراث لما يمثله هذا المكان المقدس من رمزية دينية لدى ملياري مسلم في كل أصقاع الأرض.

ما الذي يجب فعله الآن؟

أولا، يجب ألا تنخدع الأسرة الدولية بأي تطمينات حوثية بشأن حرية الملاحة والمرور الآمن في مضيق باب المندب، لأن أمن الممرات الدولية لا يبنى على وعود دول مارقة وجماعات منفلتة، وإنما على وجود سلطة قادرة على فرض القانون ومحاسبة من يهدد الملاحة، وما لم تعد الدولة اليمنية هي صاحبة القرار الحصري في أراضيها وسواحلها، فإن باب المندب سيبقى عرضة للتحول إلى منصة ابتزاز مفتوحة.

نعم، فأي تباطؤ في التحرك لمنع تحويل هذه السيطرة إلى أمر واقع، سيجعل من المرور الآمن في باب المندب خاضعاً لمزاج جماعة مسلحة يمكنها تغيير موقفها وفق حساباتها وحسابات داعميها.

ونحن كحكومة شرعية لا نعفي أنفسنا من المسؤولية بهذا الشأن، فاليمن معني باستعادة سيادته على المنطقة، مثلما أن المجتمع الدولي تقع على عاتقه مسؤولية حماية واحد من أهم طرق التجارة في العالم. ولذلك فإن دعم الحكومة والقوات المسلحة اليمنية بشكل حاسم وسريع هو الطريقة المثلى لإعادة هذه المنطقة إلى سلطة الدولة، ومنع تحولها إلى منطقة نفوذ مسلح تفتح أبواب الجحيم على الجميع.

قواتنا المسلحة الباسلة تقاتل منذ أيام على امتداد مسرح العمليات في باب المندب والساحل الغربي والمناطق المحيطة به، وتدفع ثمناً بشرياً كبيراً في هذه المواجهة، وهي تحتاج إلى موقف دولي أكثر وضوحاً، ودعماً أكثر فاعلية، بالتوازي مع وقف مصادر التسليح الحوثي وتنفيذ قرارات مجلس الأمن بهذا الخصوص.

ونشدد، كما أشرت سابقا، على أن المسألة في نهاية المطاف لا تتعلق بالممر المائي، ذلك أن بقاء جزء من الأراضي اليمنية مرتهنا لجماعة مرتبطة بمشروع إقليمي سيظل مصدراً محتملاً للتهديد، سواء في البحر أو البر، ما يحتم على المجتمع الدولي دعم الدولة اليمنية لاستعادة قرارها وسيادتها، وإنهاء قدرة إيران على استخدام الأراضي اليمنية كمنصة للضغط والتهديد، باعتبار ذلك الطريق الوحيد لضمان ملاحة آمنة، وإغلاق باب الخطر بشكل نهائي.

المصدر: الشرق القطرية

تابعنا على :