حين يصبح الانحياز أقوى من الحقيقة

أحمد ناصر حميدان
أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع هو أن يفقد القدرة على قول كلمة الحق.
للأسف، نعيش اليوم في مجتمع أنهكته الانقسامات والانحيازات السياسية والاجتماعية، حتى أصبح البعض لا ينظر إلى الفعل هل هو صحيح أم خاطئ، ولا إلى الموقف هل هو حق أم باطل، بل ينظر أولا إلى صاحبه: من أي قبيلة؟ من أي منطقة؟ من أي عائلة؟ هل هو من جماعتنا أم من جماعتهم؟
هذه الثقافة تجعل البعض يقول، بوعي أو من غير وعي: أنا مع قريبي أو مع جماعتي، حتى وإن أخطأ، لمجرد أنه منا وفينا. وهي عقلية خطيرة لأنها تجعل الانتماء مقدما على الحق، وتضع الولاء للأشخاص والجماعات فوق الولاء للقيم والوطن.
والأخطر من ذلك أن نجد المثقف الذي يفترض أن يكون أكثر قدرة على التمييز، ينحاز أحيانا إلى هذا الطرف أو ذاك لا اقتناعا بموقفه، وإنما لأن السياسة أصبحت بالنسبة للبعض مصدر رزق ومصلحة. وهنا تتحول الثقافة إلى وسيلة للتبرير، ويصبح الصمت عن الخطأ ثمنا للمصلحة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع هو أن يفقد القدرة على قول كلمة الحق. أن ترى الخطأ واضحا، ثم تبحث أولا عن هوية من ارتكبه: هل هو منا أم منهم؟ فإذا كان منا صمتنا، وإذا كان منهم هاجمناه. وهكذا تضيع الحقيقة، وتضيع معها العدالة.
الوطن لا يبنى بهذه العقلية. لا يمكن أن نخرج من أزماتنا ونحن نقيس الحق بمقياس الانتماء، ونغفر الخطأ لمن نحب، ونجرم الفعل نفسه إذا صدر ممن نختلف معه.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تقول بوضوح: الحق حق، والخطأ خطأ، أيا كان صاحبه. وأن يكون معيارنا هو القانون والعدالة والضمير، لا القبيلة ولا المنطقة ولا العائلة ولا الحزب.
لقد ضاع الوطن كثيرا بسبب هذه الثقافة، وحان الوقت أن نراجع أنفسنا. فالأوطان لا تنهض عندما ينتصر كل طرف لجماعته، وإنما تنهض عندما ينتصر الجميع للحقيقة والعدل، ويصبح الوطن هو الانتماء الأكبر الذي يجمعنا جميعا.
المصدر: المهرية نت
