آخر الأخبار

تعز.. الثوب الأبيض وقدسية المقاومة

تيسير السامعي

تيسير السامعي

 
شارك الخبر:

كانت المقاومة ضرورة قصوى؛ لأن البديل عنها لم يكن إلا الخنوع والارتهان لسطوة "الكهنوت"، والسقوط في براثنه.

لم تكن المقاومة الشعبية في تعز مجرد خيار سياسي، بل كانت قدراً ومساراً إجبارياً سلكته كافة المكونات المجتمعية والسياسية بعد أن استُنفدت كل الوسائل السلمية. 

إذا لم يقاوم الرجال قاومت النساء، وإذا غاب الشباب هبّ الكهول، ولو لم يتقدم الساسة لانتفض المواطن العادي الذي لم يعرف السياسة يوماً؛ ذلك أن المقاومة كانت حاجة وجودية، ولو لم يقدها من قادوها، لخلقت الأحداث قادتها من صلب المعاناة.

​لقد كانت المقاومة ضرورة قصوى؛ لأن البديل عنها لم يكن إلا الخنوع والارتهان لسطوة "الكهنوت"، والسقوط في براثنه بعد خمسة عقود من الثورة الجمهورية التي سقاها الآباء والأجداد بدمائهم الزكية.

وهذا بالنسبة لتعز هو "المستحيل" الذي لا يمكن لعقل أو ضمير من أبنائها أن يقبل به.

​لقد تجلت المقاومة كعملٍ مقدس، انطلق دفعاً للعدوان، وانتصاراً للكرامة، وذوداً عن حياض الجمهورية والعقيدة، وإعادةً للاعتبار لمكانة تعز التاريخية كعاصمة للثقافة ورائدة للتنوير.

​​إن المقاومة التي فرضها صلف المليشيات وغرورها، جاءت في زخم جماهيري وعفوي، ومن الطبيعي أن يعتري مسيرتها بعض الاخطاء العثرات؛ فالمقاومون ليسوا ملائكة منزهين، بل بشر يصيبون ويخطئون، فيهم "الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات".

​وإذا كان المجتمع ينشد في المقاومين الكمال، فذلك لنبل الغاية التي يناضلون من أجلها؛ لذا لم يتقبل الناس أخطاءهم وواجهوها بنقد لاذع. إلا أن هذا الانتقاد في جوهره هو "نقد محب" ورغبة صادقة في التصحيح، وهو ما يجب أن يستقبله المقاومون بصدور رحبة؛ فمن يعمل يخطئ، ومن يخطئ يُنقد. والمقاومة في نقائها كـ "الثوب الأبيض"، أي بقعة زيت تصيبه، يراها الجميع بوضوح.

​​لقد وجد أعداء تعز في هذه الأخطاء الفردية فرصة للتشويه، فاحتفوا بها وعملوا على تضخيمها، ليس إيماناً منهم بأنها تمس جوهر القضية — فهم يدركون أن خطاياهم تفوق هذه الأخطاء بمراحل — بل ليتخذوا منها متنفساً يدارون به هزيمتهم النفسية وانكسارهم الأخلاقي.

​إن الأخطاء الفردية لبعض المنتسبين للمقاومة لا تقدح أبداً في سمو الهدف ولا نبل الغاية، ولكن سمو الغاية لا يعني الصمت عن الخطأ أو ضيق الصدر بالحق. إن استعادة الثوب الأبيض لبهاءه لا تتم إلا بالحزم في المعالجة، وسعة الأفق في التقبل، وتطهيره المستمر من كل بقعة تشوه جماله.

المصدر: صفحة الكاتب على فيسبوك

تابعنا على :