icons

آخر الأخبار

وهمٌ مستدام بـ (قراطيس) لامعة !!

السبت, 19 نوفمبر, 2022

الذي لا يختلف فيه اثنان  من متابعي الحالة اليمنية هو القول: أن اليمنيين في الشمال والجنوب  يقتاتون من وهم النخب التي تتكسب من معاناتهم القاسية منذ عقود طويلة، وتجلت اكثر في سنوات الحرب الثمان، والتي هُندس لها لتفكيك التراب اليمني، وهتك نسيجه المجتمعي، وتدمير بنى التعايش المذهبي فيه، بأدوات محلية صرفة تعمل تحت لافتات مراوغة وزائفة.



في الشمال لم تزل جماعة الحوثيين تبيع وهم الانتصار على اتباعها ، وتعمل ماكيناتها الاعلامية الضخمة - في  الوسائل المحتكرة والمساجد والدورات الثقافية والمهرجانات- على ضخ مئات الفبركات الزائفة عن استقلال القرار وبناء الدولة والتعافي الاقتصادي ومجتمع الإيمان وهويته الموحدة, وتعمل أيضا من خلالها اقناع المجتمع من أن ما تقوم به من تجريف مناهج التكوين الأساسي للتعليم العام، وتشكيل جماعات الفضيلة تحت مسميات مختلفة وصولاً إلى انتاج مدونة سلوك وظيفي بها بطابعها الاستعبادي هي أعمال في مجملها سترفع عن كاهل اليمنيين بؤس السنين.



لم ير المواطنون الذين يقيمون تحت سيطرتها من نتائج هذه الشعارات غير مزيد من الافقار والاستبداد لكل شرائح المجتمع عدا الشريحة العضوية المرتبطة بالجماعة إما بالانتماء العصبوي بطابعه السلالي الفج، أو الموالين المبتذلين والاشياع المناطقيين، والذين تملكوا الوظائف واستأثروا بالأموال التي تحصلها مفارز الجباية القاهرة تحت مسميات الضرائب والجمارك والأوقاف والزكاة  والمشاركات المجتمعية وصناديق الدعم  وغيرها  وغيرها من الأشكال غير القانونية ، وتعمل بمحفزات  الجوع التاريخي والنهم الغريزي العارض الذي يحكم وعي العصابات الطارئة.



وفي الجنوب لم تزل قيادات المجلس الانتقالي تتنعم  بمزايا مالية وانتفاعات لا تنتهي  تحصلت عليها بطرق احتيالية شتى بدء من المتحصلات المالية والجبايات الكثيرة التي يقوم بها متنفذو الأحزمة والأذرع العسكرية  المرتبطين بالمجلس من الميناء والمطار والمنافذ البرية وأسواق القات وبيع التراخيص وحماية الممتلكات المنهوبة والمتاجرة بالفضاء العام ومتنفسات المدن ( أنموذج مدينة عدن).



ارتباط  قيادة المجلس الانتقالي ودوائره الخاصة بدولة الامارات صاحبة الأطماع الاستراتيجية الواضحة في الشريط الساحلي والجزر والموانئ في المحيط وعلى البحرين الأحمر والعربين وكذا مناطق الثروات البكر، واحدة من معضلات بيع الوهم لمواطنين فقراء ظنوا أن خلاصاً كبيرا سيحمله مثل هؤلاء النابتين من أوساطهم ، وسيزيل عن كواهلهم سنوات طويلة من المعاناة والافقار المتعمد من تحالف سلطة 7/7، غير أن الأيام تثبت أن الشعارات التي ترفع ليست أكثر من وسائل تخدير كبيرة، وإن التجريف المناطقي القروي لهوية المدن المسالمة ومقدراتها بقوة السلاح وسطوة المحاسيب ملمح لهذه المرحلة التجزيئية في كل مناطق الجنوب.



وبين الحوثيين والانتقالي تحضر قوة ثالثة تعمل بذات استنفاعات الطرفين وبطرائقهما الاستحواذية على المجال العام، لها أذرعها الأمنية والعسكرية المتطرفة لحكم المناطق التي تحت سيطرتها في تعز ومارب وقبلهما شبوة، ونعني بهذه القوة حزب الاصلاح الحاضر القوي في اقتسام كعكة التراب.


غير أن الأوهام التي باعتها السعودية لليمنيين طيلة سنوات الحرب، وكان آخرها تشكيل مجلس الرئاسة على أنقاض حكم الرئيس المستضعف عبدربه منصور هادي، لا تعد ولا تحصى، ومن نتائجها الكارثية هذا الوضع المزري الذي يعيشه اليمن بجغرافيته المتنوعة ، فلا دولة استعيدت ولا انقلاب تبدد ولا موالين لها اتفقوا، حتى يطمئن الجميع لسلامة المسار التي قالت انها رسمته بعناية للخروج من نفق الحرب المظلم (إما إلى السلام أو انهاء الانقلاب واستعادة الدولة عسكرياً).



القراءة المتأنية للمشروع السعودي في اليمن منذ ثلاثينيات القرن الماضي تفضي في كل مرة إلى كشف جملة من أطماع الجارة في البلد المُفقر، وعلى رأسها انتاج سلطات ضعيفة موالية لها بمراكز نفوذ متعددة (قبلية ودينية) تعمل وبشكل مستمر ومستدام لإعاقة بناء دولة قوية لجميع مواطنيها، بدون تمايزات اجتماعية وثقافية وجغرافية، وبدون احتكار للوظيفة العامة وسلطة المذهب.


كانت ولم تزل ترى في نهوض دولة كبيرة متعددة وبعمق حضاري موغل في التاريخ سيكون إلى جوارها سبباً في تقويض مشروع دولة العائلة السعودية الطارئة.. فبعد ان كسرت شوكة جيش الامام يحيى في حرب 1934م ووصولها إلى مناطق بيت الفقيه بالقرب من الحديدة بفضل التسليح البريطاني الحديث لقواتها، واجبارها سلطة الإمام على الاعتراف بسيطرتها على المخلاف السليماني ونجران (عسير ونجران) وبشرعنة اتفاقية الطائف، جعلت السلطة الامامية أشبه بتابع، استنجت بها لحماية العرش الإمامي من السقوط في أكثر من محطة حت لا تقوم دولة مستقلة عصرية على أنقاض العرش، لهذا حين انفجرت ثورة سبتمبر 1962م حشدت كل امكانياتها لمحاربة الجمهورية الوليدة  تحت مبررات كثيرة، فصارت هي راس الحربة في إدارة الصراع الجمهوري الملكي، وبذهبها وبارودها عملت المستحيل لإسقاط النظام الجمهوري عبر مسارين عسكري وسياسي، وفي المسار الأول خاضت القوات الملكية ومرتزقتها الأجانب حروباً كثيرة في شمال وشرق اليمن، وكانت قريبة جداً من قطف ثمار مغامرتها بإسقاط صنعاء مطلع 1968 والقضاء على النظام الجمهوري، لولا القوى الجمهورية الشابة التي استماتت في الدفاع عنها بعد انسحاب القوات المصرية من اليمن بعد نكسة يونيو/ حزيران 1967م .


في المسار السياسي عمِلت على دعم مواليها داخل بنية النظام الجمهوري الذين، وبعد أقل من عام من قيام الثورة، عقدوا مؤتمراً قبلياً في عمران ثم اعقبوه بمؤتمر خمر في 1965م، قبل أن تُكتلهم كبنية صلبة في مؤتمر حرض في نوفمبر 1965م.. رأت في انقلاب الخامس من نوفمبر انتصار لمشروعها، وانفاذا لمقررات مؤتمر الخرطوم التي انتجتها بشأن المصالحة بإمساك التيار القريب منها بالسلطة ، والذي مهدَّ تالياً لعملية المصالحة التي رعتها في 1970، والتي على ضوئها تمت عملية تقسيم السلطة على التيارات الموالية لها ( التيار القبلي والتيار الديني والملكيين والضباط المخلصين لمشروعها)  وهي السلطة التي لم تزل حاضرة في حياة اليمنيين بعد أكثر من نصف قرن، واعادت تنصيعها في مطلع ابريل 2022 بصورة جديدة في مجلس القيادي الرئاسي، فبمعاينة قريبة لتركيبته وهويات أعضائه  سيجد  الناظر أنهم بشكل أو بأخر يغطون خارطة التحالفات تلك ، فالضابط الموالي حاضر إلى جانب الشيخ والاثنان بمعية قائد سلفي ، ودور المجلس بكل أعضائه المتناقضين في نهاية المطاف هو بيع اليمنيين وهم قديم يُستدام بقراطيس لامعة.
تريد السعودية من كل الأطراف أن تعمل معها ليس كأنداد، بل تابعين مستصغرين، حتى اولئك الذين رفعوا شعارات تاريخية ضدها في العقود الماضية صاروا اليوم بيادق صغيرة تحركهم أصابع خشنة لضباط متعجرفين في الدوائر الاستخباراتية الضيقة.

     
**المقال خاص بالمهرية نت**