icons

آخر الأخبار

الدود الذي لا يولد في صحاف يأكل منها السود!!

السبت, 18 يونيو, 2022

تتعاظم الخبرات الإنسانية في حياة الأشخاص مع جملة التراكمات التي اكتسبونهامن الاحتكاك والمعايشة وتبادل المعارفوالمنافع مع غيرهم، وتبقى أكثرها ديمومة تلك التي تصير مع الوقت حكايات لا تبلى بالتقادم، يرويها أصحابها كملمح من ملامح التغيير في حياتهم وتشير إلى وعي جديد متفاعل مع محيطه.

يورد الراحل علوان سعيد الشيباني في كتابسيرته (الحياةُ كما عِشتُها)(*) الكثير من الحكايات التي كبرت معه منذ كان طفلاً  صغيراً فقيراً في إحدى قري بني شيبة في مطلع أربعينيات القرن الماضي، وتتصل بحياة القرية البائسة التي يغشاها الجوع والعزلة والبؤس، وانتجت في سياقه ثقافتها الاجتماعية الخاصة التي لا تخلوا من عنصرية وتعالي عرقي كما ترويه هذه الحكاية التي لم تمح من ذهنه منذ ثمانين عاماً ،بل ومنحته الكثيرمن التوهج لتحويلها إلى قيمة إنسانية رفيعة ويقول فيها:

حينما كنت طفلا صغيراً في بداية الأربعينيات، كنت انتظر، مثل جميع اقراني يوماً واحداً في العام بكل جوارحي ، وهو يوم الخامس عشر من شعبان ، أو "يوم الشعبانية" وهو اليوم الذي يقوم فيه شيخ المنطقة بإقامة موائد طعام لعامة الناس ، يأكلون فيها اللحمة  خارج مناسبات الأعياد، بسبب الفقر الذي يتركب الناس فكانت الأمهات يحذرننا من الأكل مع الأخدام "المهمشين" على مائدة الطعام، لان دوداً حياً يولد من أماكن "دحف" أياديهم السوداء للطعام ، فكنا نفعل ذلك في بداية الامر، لكني من شدة  توقي للدراية، راقبت ذلك كثيراً حين كنت اتلصص على الموائد التي  يجلسون إليها، ولم أر دوداً ينمو في صحاف الفتة ،أو صحون اللحم الذي يقدم إلينا شبه ناضج في كثير من الأوقات.

في ديردوا بالحبشة- التي هاجرت إليها وأنا ابن ثلاثة عشر سنة تقريباً- وجدت البلاد كلها تكتظ بأناس طيبين يشبهون تماماً مهمشي(أخدام) منطقتنا، تقاسيم الوجوه وملامحها، وتدرج الوان البشرة السمراء في أجسادهم ، لكنهم يلبسون الملابس العصرية ويذهبون الى المدارس و إلى أعمالهم وهم اكثر اهتماماً بمظاهرهم. كانوا هم اصحاب البلاد واسيادها، ولا اثر للدود في موائدهم الطيبة و حياتهم البسيطة والجميلة!

في أمريكا، وبعد أكثر من عشرين سنة من مغادرتي للقرية كنت أرقب سود امريكا يصنعون التاريخ لذوي البشرة السوداء أو الملونة، في معاركهم التي لا تنتهي ضد التمييز العنصري للرجل الأبيض ، وكان أبرز زعمائهم هو مارتن لوثر كنج الذي يعتبر من أهم الشخصيات التي ناضلت في سبيل الحرية وحقوق الإنسان ، وفي سبيل الحصول على الحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين ، ودفع حياته كثمن للحلم الذي كان بداخله مطلع ابريل 1968 ، علي يدأحد المتعصبين البيض في مدينة ممفيس، فاشعل اغتياله كل الولايات المتحدة ، لكن هذا الاغتيال هو الذي جعل الرئيس الأمريكي ليندون جونسون يصدر " قانون الحقوق المدنية "الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والأجناس في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، ودمه هو الذي عبَّد الطريق بعد  واحد وثلاثين سنة لوصول "باراك اوباما " كأول رئيس أمريكي أسود الى البيت الابيض في يناير 2009.
(**)

بعد قرابة سبعين سنة قام علوان الشيباني بإنشاء مؤسسة الخير للتنمية الاجتماعية كأداة من أدوات رؤيته المتقدمة في خدمة المجتمع في قضايا التعليم والصحة والتنمية الريفية والاستجابة الإنسانيةوالتدريب والتأهيل، وفي الأولى - أي في التعليم-  عمل وبكثير من الوسائل على إدماج المهمشين من أبناء منطقة بني شيبة في التعليم ،بتوفير الحوافز المالية و التشجيعية  لأسرهم من أجل الحاقهم بالتعليم والاستمرار فيه، وإن المتفوقين منهم تتولى المؤسسة بدعم مسار تعليمهم العالي في كليات علمية في الجامعات اليمنية في تعز وعدن وصنعاء، والحاق العديد منهم في وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم في الشركات والجهات التي تتبع مجموعة العالمية التي يرأسها.

أتذكر في حفل أقامته المؤسسة لتكريم الطلاب المتفوقين الذين ترعاهم في اكتوبر 2020، كانت المتحدثة باسم الطلاب المتفوقين احدى الطبيبات المهمشات التي تولت المؤسسة الانفاق على تعليمها منذ كانت طالبة صغيرة في مدرسة المنطقة حتى تخرجها من كلية الطب في جامعة عدن.

في ذكرى تأسيسها العاشرة-2019- اصدرت مؤسسة الخير للتنمية الاجتماعية ، عرضت فيه جملة أهداف تأسيسها وهي:

تحفيز الشباب على الاستثمار الامثل للوقت لتقوية رصيدهم المعرفي لمختلف العلوم، ودعم الحملة الوطنية للقضاء على الامية من خلال تشجيع الفتيات والامهات اللاتي لم تتح لهن فرصة الدراسة المنتظمة منذ الصغر، انشاء المراكز والمعاهد المتخصصة لتنمية قدرات الشباب، وتوفير خدمات التوجيه والارشاد للشباب في جميع النواحي الادارية والفنية والسياحية وكافة الانشطة، التعاون مع المؤسسات الاكاديمية والسعي لتنسيق الجهود المبذولة بما يخدم وينمي قدرات الشباب،و تقديم المساعدات  العينية والنقدية للأسر المحتاجة، المساهمة في دعم وتمويل مشاريع التنمية الاجتماعية.

ففي نظرة سريعة للأهداف سيلحظ القارئ  أن متلازمة التعليم والشباب هي المفاعيل الواضحة في معادلة الاهداف . فتحفيز الشباب على استثمار الوقت لتقوية رصيدهم المعرفي العلمي ،وانشاء للمراكز والمعاهد المتخصصة لتنمية قدراتهم، وتوفير لخدمات التوجيه والإرشاد لهم في نواح عدة إدارية وفنية وغيرها، وخلق جسور تواصل وتعاون مع المؤسسات الاكاديمية بما يخدم وينمِّي قدراتهم وملكاتهم  هي الغاية النبيلة في ذلك.

وقد لاحظ القائمون على المؤسسة مثلاً  أن الوقت المهدر من أعمار الشباب في سنوات التكوين ماقبل الجامعي يكون بدون  نفع يرتجي، كون الوقت الذي يفصل بين تخرج الطالب من الدراسة الثانوية والتحاقه بالجامعة لا يُستغل فيما هو مفيد وقد يسرِّع أيضا  من عملية تسرب أصحابها من العملية التعليمية العليا برمتها بسبب التكيف مع وضع الفراغ،أو الانخراط في سوق العمل دون مواصلة التعليم الجامعي . لهذا السبب ومن الضرورة بمكان أن يُعمل على تحفيز الشباب على استثمار وادارة الوقت بشكل امثل على نحو الانخراط في دورات لغات وحاسوب ودروس تقوية استعداداً للمرحلة الجامعية القادمة وهو ما صار يقدمه تالياً معهد الخير التابع للمؤسسة ،والذي هو في الاصل واحد من اهداف إنشاء المؤسسة بوصفه أحد المعاهد المتخصصة لتنمية قدرات الشباب .

وفي هذه الأهداف هناك ما هو في غاية الأهمية ويتصل أيضا بموضوع التعليم واكتسابه ، لكن هذه المرة فيما يتعلق بالنوع الأكثر إقصاءً ، ونعني النساء اللواتي فاتهن قطار التعليم لأسباب مرتبطة بموضوع التجريم أو الفقر . فكان هذا الهدف الذي يدعم الحملة الوطنية للقضاء على الأمية في أوساط النساء بدرجة رئيسية، لأن في محو اميتهن تعزيزاً لتأصيل الوعي بالحياة التي مدخلها التعليم.

وفي مقترب من هذا السياق  أولت المؤسسة تنفيذ برامج مكثفة لتسهيل إلحاق الفئات المهمشة بالعملية التعليمية وغرس ثقافة المعرفة فيهم ، وتوفير الحوافز لهم  في بعض المناطق كخطوة أولى وممهدة لدمجهم في المجتمع.
(*) من المتوقع اصدارها قريباً