icons

آخر الأخبار

حاضرنا ليس لقيطاً فهل تعقلون ؟!

السبت, 21 مايو, 2022

قبل أيام قليلة نشرت في صفحتي على الفيس بوك منشوراً قصيراً للرد على سؤال باغتني به أحد الأصدقاء يتسأل عن كثرة كتاباتي عن الموتى - من رموز الثقافة والفن والأدب والسياسة اليمنيين- حينما كان يشير إلى ما كتبته تواً عن شيخ المطربين اليمنيين (علي أبوبكر باشراحيل) والمعروف بعلي العدني، والذي جعل من أداء أغاني اللون الصنعاني في مدينة عدن خلال الأربعينيات جزء أصيلاً من ثقافة الأعراس والمناسبات، وكان يؤديها بشجن كبير وهو الطاعن في السن وتحاصره جميع الأمراض، في وقت كان من يريد جر المدينة إلى العزلة والانكفاء بعيداً عن المشروع الوطني اليمني.

  كان ردي عليه "حتى لا تظن جماعات التجريف (العصبوية) التي خرجت من عباءة الحرب إن حاضرنا (لقيط)، وليس له إرث أبوة. إرثٌ نستطيع الاستقواء به على ذاكرة طارئة ومنفلتة تشكلت لدعم مشاريع صغيرة يُراد استنباتها على تراب مفكك وتاريخ مجزأ " الكتابة بالنسبة لي عن رموز حركة التنوير في اليمن ليس حنيناً للماضي وتذكير بسيَر الموتى، وإنما هي بحث مضنٍ في محطات مضيئة داخل زمننا القريب. زمن بأسمائه الكبيرة يصح أن يكون أباً (جمعياً) حقيقياً وحارساً لأحلامنا مهما كانت متهتكة، و يمكن الرهان عليه في مقاومة المشاريع الطارئة التي يريد أصحابها أن نحيا بلا ذاكرة.


  قبل أشهر طويلة كتبت عن استنارة (محمد عبدالله المحلوي) أحد آباء التنوير الكبار في صنعاء، والذي دفع ثمن مواقفه سجناً طويلاً فخرج منه معلولاً ليموت خارجه منتصف الثلاثينيات. فقد فطن هذا الرجل المنسي باكراَ لمرامي مشروع الإمامة الهدام للوطنية اليمنية وتفكيكها. اكتسب لقبه من المِهنة التي كان يزاولها مع عائلته، وهي 'صناعة الحلوى' التي كانت، مثل بقية المِهن، محتقرة في التمييز الاجتماعي لأدوات السلطة، ومع ذلك لم تقف هذه الحمولة التمييزية العنصرية حائلاً أمام تحقيق هدفه الكبير، وهو إحداث الاختراق المُهم في جدار التخلّف الذي صلَّبته السلطة في وعي المجتمع المعزول. كتبت عن (أحمد عبدالله السقاف) صاحب أول رواية يمنية أصدرها قبل قرابة قرن في مهجره الإندونيسي لتصير مع الوقت رواية (فتاة قاروات) عنواناً كبيراً لتغريبة الحضارمة اليمنيين مع الهجرة. وفتحت أفقاً جديداً للكتابة السردية في اليمن، التي راكم عليها الروائيون اللاحقون ، ومنهم الرائد محمد عبد الولي الذي عاين ظاهرة الهجرة اليمنية في شرق أفريقيا، بعد أن عاينها السقاف في شرق أسيا قبله بثلاثة عقود.


  قبل تسعين عاماً في مدينة عدن كان (محمد علي لقمان) يُقارب سؤال النهضة والتنوير، بإصدارة كتاب (بماذا تقدم الغرب !؟) في العام 1933، والكتاب في توجهه العام خاض في سؤال النهضة والتنوير، الذي ظل يشغل الحيز الأكبر من تفكير النهضويين العرب ،وعُدَّ هذا الكتاب تمثيلا واضحاً للتوجهات التنويرية التي استوعبتها المدينة التي شهدت في العام 1925ولادة أول نادٍ أدبي (ترأسه لقمان نفسه) وصولاً الى تشكيل الأحزاب والنقابات فيها بعيد الحرب العالمية الثانية . ولقمان كما يصفه الدكتور أحمد الهمداني هو المفكر السياسي والفيلسوف الاجتماعي وهو المناضل الجسور والثائر الصبور، وهو التربوي العملي والصحافي الناجح، وهو الناشر الذكي والمحامي المقتدر، وهو الشاعر الجميل والقاص المبدع والروائي الرائد.


  عن الأستاذ (أحمد محمد نعمان) بوصفه أحد رموز التنوير في اليمن قاربت أيضاً بعض سيرته منطلقاً من( أنَة الطالب الأزهري الأولى) ففي العام 1937 كتاب (الأنَّة الأولى)، الذي عُد أول مطبوعة في أدبيات الأحرار اليمنيين ، متميزة على مستوى مرحلتها الوطنية (التنويرية) وقدم فيها رؤية مبكرة حول بعض جوانب التاريخ الاجتماعي لليمن.هذا الطالب الذي سيتحول بعد سبعة أعوام ، الى قائد في حركة الأحرار الذي تشكلت في عدن في العام 1944، بعد أن أظهر نبوغاً قيادياً ومركزياً مبكراً في حركة الأحرار لدعم القضية الفلسطينية في أواخر الثلاثينات. وكان اكثرهم إيماناً بالعلم كمدخل للتحول.



  كتبت عن الرجل التهامي الذي نفض غبار الخرافة من عقله باكراً ،وصار أحد رموز ثورة سبتمبر المغيبين، وأعني هنا الراحل (عبد الرحمن جابر) الذي قال عنه عبد الغني مطهر في كتابه " يوم ولد اليمن مجده" أنه وأثناء عمله في مكتب ولي العهد البدر في مدينة الحديدة كان يصعد الى السفن والبواخر القادمة من عدن الى ميناء الحديدة بحجة تفتيشها ،لكنه كان يقوم في الأصل بإنزال المنشورات والمطبوعات الآتية من عدن ، وأحيانا أسلحة ويقوم بإيصالها الى خلايا الأحرار؛ وفي احدى المرات انكشف أمر أحدهم بقضية توزيع منشورات ضد نظام الإمامة، فتولى التحقيق في القضية من أجل تمييعها ، حتى لا تنكشف أسرار كبيرة تتصل بحركة المعارضة لنظام بيت حميد الدين والإمامة.


  درست السيرة الباكرة للسياسي الشجاع (عمر الجاوي) وتحديداً فترة التكوين التي ارتبطت عنده بدرجة رئيسة بالتعليم الحديث، الذي تحصل عليه أولاً في المدرسة المحسنية في حوطة لحج ، بمدرسيها العرب المستنيرين حين كان طالباً بها مطلع الخمسينات، وتالياً بالتعليم العصري الذي نعم به في المدارس والكليات المصرية في ذروة المد الناصري ، والذي كان يمثل القيمة المتعاظمة لتأسيسات الخطاب العام الذي تشربه مع صعود حركة التحرر الوطني بعيد الحرب العالمية الثانية ، وثالثاً بدراسته للصحافة في جامعة موسكو في ذرة الاستقطاب الأيديولوجي ، لهذا كان من الطبيعي جداً أن يصير الهم الوطني على رأس شواغل الطالب المتمرد ، الذي لم يكل أو يمل طيلة حياته من مقارعة الاستبداد والقوى الرجعية المعيقة لبناء الدولة وتطور المجتمع.


  الدكتور (جعفر الظفاري) واحد أبرز المؤرخين اليمنيين ولا يُستدل عليه عند عشرات القراء ، وأنا واحد منهم ،الاَّ من خلال كتابين يتيمين: الأول صدر قبل وفاته بقليل والثاني جُمِّع وصدر بعيد وفاته بخمسة أعوام ، ومحتوى الكتابين في الأصل قليل من انصرافات الراحل العلمية والبحثية التي ابتدأت مطلع الستينيات ، ولم تتوقف الامع توقف قلبه بعد ثلاث وسبعين سنة في مدينة عدن ،التي ولد وعاش فيها.



  الأستاذ (محمد علي الربادي) والذي يجد المتتبع لرحلته في الحياة أن إرث حركة الأحرار اليمنيين وتكوينات مستنيريها المعرفية والسياسية صارت جزءا مهماً من سيرة الرجل، الذي أصبح امتدادا واضحاً لها ، وهو أقرب في تشكله الباكر لفيلسوف الأحرار وحكيمهم الريفي الشيخ حسن الدعيس، فصار مع الوقت الخطيب المفوه باسم فقراء اليمن ومستضعفيه.


  الفنان (هاشم علي عبدالله) لم يكن فقط رساماً ملهماً ورائدا للتشكيل الحديث في اليمن كما يعده الدارسون والمهتمون ، و تتلمذ على يديه عشرات الفنانين المبتدئين الذين صار بعضهم أسماء رائجة داخل اليمن وخارجها ، بل كان مفكراً حقيقياً وفيلسوفاً نابهاً يحيط بتاريخ الفنون والحضارات الانسانية بشكل لافت، لهذا جاء نتاجه التشكيلي انعكاساً حقيقياً لتحليق هذه الروح الكبيرة. المطرب والمثقف الرفيع (محمد مرشد ناجي) فنان الشعب وقضاياه الوطنية كان طوال مسيرته شديد التنوع والثراء ؛عانى من قسوة الحياة كثيراً في طفولته، وتنقل بين أعمال هامشية عديدة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي في مدينة عدن، قبل أن تنصفه في العقود التالية وتقدمه كأحد رموز اليمن ومستنيريه الكبار، لنصف قرن واكثر غنّى للإنسان والأرض والجمال وبكل ألوان الفنون اليمنية الصنعانية والحضرمية واليافعية واللحجية والتعزية والبدوية.


  الأستاذ (أحمد قاسم دماج) أحد أولئك الكبار الذين انحفرت اليمن في وجدانه على هيئة روح كبيرة، وارتسمت بكل تفاصيلها بوعيه كقارئ متفحص لتاريخها البعيد، أو باعتباره شاهد و فاعل في معتركات أحداثها المعاصرة، منذ اختطفه نظام الإمامة كرهينة وهو طفل صغير منتصف الأربعينات حتى وفاته مطلع العام 2017م وهو يبصر اليمن تتسرب من حلمه كطائر مفزوع. الشاعر (محمد حسين هيثم) وأحد من اسماء الشعرية اليمنية الحديثة، واكثرها تأثيراً وعمقا على التجارب الشعرية الشابة، التي انحازت لصوت الحداثة، لأن هذه التجربة بثرائها وخصوصيتها الأسلوبية والجمالية أغرت ،ولم تزل، الكثيرين الاقتراب منها قراءة وفحصا وتأثراً، لأنها لم تتخشب لغة ،أو تشيخ أسلوباً، بل ظلت تتجدد، وكأن سريان الزمن في حياة الشاعر ،الذي مات وهو في أوَّج عطائه، كان لمد شاعريته بالتجدد الدائم.


   هؤلاء عينِّة حيَّة صغيرة ممن كتبت عنهم من جيل الآباء وينتمون لكل اليمن بتعدده الجغرافي والثقافي، ولا زالوا يحيون بيننا بسيرهم وأفعالهم العطرة فنستمد منهم قوَّتنا في وقت يريد أصحاب المشاريع الصغيرة محو صلتهم بنا، وطردهم من وعينا لنبقى بذاكرة مثقوبة يهرب من وعائها ماء الوفاء والمحبَّة.


    المقال خاص بالمهرية نت