آخر الأخبار

الجباية التي تأسست على إرث إمامي قديم!!

الأحد, 03 أبريل, 2022

كنّا مكدسين بالجولة المزدحمة بانتظار ميكروباص في ذروة زحام الظهيرة، وفجأة سمعنا مُنبِّه اللينش الخاص بشرطة المرور، وتعالى صوت ميكرفونه يطالب سائقي السيارات المزدحمة في الجولة أن يفسحوا المجال لمروره الصاخب ، وبعد أول انعطاف له توقف بشكل مخالف مسبباً بازدحام اضافي؛ ترجل منه شخص بملابس مدنية متسخة و بدأ بإرشاد السائق لتنفيذ وقوف اعتراضي، قام بعدها الرجل بتشغيل بعض المقابض لانزال بكرات العمود لإلصاق صفيحة معدنية ثقيلة في مقدمة سيارة كالحة متوقفة ،ورفع جزئها الأمامي في الهواء قبل أن يسحبها باتجاه مدخل شارع فرعي، بعد أن أوقف الشارع المختنق لعشر دقائق أخرى. الغريب أنه التقط السيارة المتواضعة من بين عديد سيارات ،تاركاً أخريات ذات مظهر فاره، كانت تقف بذات الكيفية وبطريقة مخالفة مثل تلك السيارة المسحوبة. كان إلى جواري شخص يتابع الحالة بتحفز وتركيز شديدين، وحينما خرج مالك السيارة وعائلته من المول المجاور مفزوعين على وقع الضجيج والصراخ ، خاطبه بصوت مرتفع : الحقهم إلى حوش "عبده محسن ". عرفت منه أن سائق اللينش ومعاونه المدني وآخرين مستأجرون حوش قريب يوصلان السيارات المخالفة إليه ،ولا يخرجونها لملاكها أو سائقيها إلا بعد أن يدفعوا غرامات مالية تعتمد على منسوب الجشع لدى مستأجري الحوش!! مباشرة تذكرت حوشاً مفتوحا مجاوراً لورشة ميكانيك في حارتي القديمة ،كان لينشاً مشابهاً يوصل إليه سيارات مسحوبة بذات الطريقة، وكنت أظنه يوصل سيارات معطوبة إلى الورشة ، ولم يخطر ببالي أن هذا الحوش مستأجر هو الآخر من متعهدين مدنيين بالاتفاق مع قيادات في المرور؛ يقوم بموجبه المتعهدون بدفع ايرادات واتاوات مقابل رسوم المخالفات التي تُجتبى من مُلاك السيارات العاديين.


  أثناء روايتي الحادثة للأصدقاء في المقهى انبرى العديد منهم لرواية حوادث مشابهة ، ومنها معركة دامية نشبت بين شخصين بملابس عسكرية في أحد مداخل المدينة في وقت مبكر، اتضح بعدها أن الأول يدفع اتاوات لمتنفذ في المنطقة من مبالغ معلومة يفرضها على السيارات والناقلات التي تحمل الخضر والفواكه والمواشي والحطب من المناطق الريفية،في أوقات مبكرة من الصباحات، وجاء الثاني لينافسه على عمله لصالح متنفذ أخر، فنشبت هذه المعركة الدامية، وكانت أكثر الكلمات المستخدمة في العراك ،حسب رواية الصديق، (هذه بقعتي ومستأجرها)!! يتكرر، من وقت لآخر، أثناء قعودنا في المقهى أن يمر أشخاص غريبون ( شخصان أو ثلاثة) ومعهم دفاتر أو كشوف مدون عليها أسماء المحلات وأصحابها، ويطالبونهم بدفع رسوم أو مستحقات للجهات الإيرادية ( ضرائب - أوقاف - زكاة -أشغال- تحسين)، وفي الغالب يكون هؤلاء متعهدو تحصيل من داخل هذه الجهات أو من خارجها، يقوم اقرباؤهم أو معارفهم في هذه الجهات بمناولتهم قوائم بأسماء المحلات التجارية والمطاعم والبوفيهات ويطلبون منهم إحضار اصحابها إلى واحدة من الجهات التي زودتهم بالقوائم أو ابتزازه؛ يحدث أن يكون صاحب المحل قد استوفى كافة رسوم الدفع فيُخرج لهم الوثائق التي تثبت سداد ما يدعون به، لكنهم يتصلَّبون في موقفهم فيصرون على أخذه معهم لحل مشكلته في مكاتب الجهة ، فيضطر وقتها لمصالحتهم بأي مبلغ، لأن ذهابه معهم سيتسبب بتعطيل لعمله، وإن ما سينفقه على مشوار مرافقتهم سيكون مبلغاً مضاعفاً لمرات عما سيعطيه لهم.

  قال لي صاحب محل معروف أن هؤلاء يقومون غالباً بالاتفاق مع نافذين في هذه الجهات لتزويدهم بهذه الكشوف ( لقاء مبالغ محددة)،ويحصلون على أثمانها مضاعفة من أعمال التهديد والبلطجة التي يمارسونها على أناس مسالمين، يفضلون الدفع على الجرجرة والبهذلة ، وعادة ما يكون مثل هؤلاء المحصلين في منتهى الرخص والبذاءة.

  حينما تقرأ القصص أو تسمع حكايات (التنافيذ) التي كان يقوم بها عساكر الإمام من البرَّانية قبل سبعين سنة تشبه تماماً أفعال المتحصلين الجدد اليوم ، فقد كان الحكام والقضاة يعتاشون من خصومات المتقاضين (المتشارعين) عندهم ، لهذا كانوا لا يفصلون ولا يحكمون في هذه القضايا لسنوات، بل ويغذّون أسباب استمرارها، حتى يتسنى لهم إفقار المتخاصمين من خلال (تنفيذ) العسكر عليهم فيضطرون إلى التنازل عن الأرض المتنازع عليها لصالح القضاة أو وكلائهم نظير الديون المتراكمة عليهم، ولهذا تملّك الكثير من قضاة دولة الإمامة وحكامها مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة في المناطق التي كانوا يحكمون فيها، ولم يزل يتوارثها أبناؤهم وأحفادهم حتى اليوم.

  ومن الحكايات التي صارت نادرة منذ ثمانية عقود أن الإمام يحيى بن حميد الدين - المشهور ببخله ولؤمه - عيَّن حاكما في منطقة ريفية بالقرب من عمران، أغلب قاطنيها من اليهود الفقراء، ولم يُقرِّر له معاشاً ،وطلب منه اقتطاع معاشه، من الجزية المفروضة على يهود المنطقة - باعتبارهم أهل ذمة وليسوا مواطنين يمنيين- وبعد وصوله بأيام استدعى حاخام الطائفة وطلب منه الجزية فرد عليه الحاخام أنهم فقراء ولا تجوز عليهم الجزية ، فاصر الحاكم على أخذ الجزية منهم، باعتبارهم غير مسلمين ولا يعفوا منها ما داموا ذميين ويعيشون بحماية إمام مسلم ، فاقترح عليه الحاخام أن يُسلِم هو ويهود المنطقة على يديه فجنّ جنون الحاكم ، مطالباً ببقائهم على ديانتهم، حتى لا يخسر دخلاً مالياً مغموساً بالخسة.

  من النوادر المشابهة أيضاً أن قاضياً معروفاً عيَّنه الإمام يحيى أيضاً حاكماً في إحدى النواحي القريبة من صنعاء، وحينما سأله أحد أصدقائه عن معاشه قال خمسه فرنصي (خمسة ريالات فضة ماريا تريزا) وقدح حَبْ (مكيال محدد من الحبوب) فاستغرب السائل من قلة المبلغ والإعاشة وقال له وكيف ستتدبر حاجتك؟ رد القاضي من ظهر القبيلي.

  وهاهم المتنفذون الجدد يعتاشون من كدٍّ وفقر وجوع الجميع ... إنها الإمامة بلبوسها العصرية والعنصرية ،حين تُكرِّس في وعي العامة نوعين من المواطنين في البلد المتهتك والدامي: قلة من الأسياد المتخمين الذين لا يعملون، وكثرة من العبيد الكادحين الجياع.

  المقال خاص بالمهرية نت 

لماذا يشوهون عدن الجميلة؟!
الأحد, 10 ديسمبر, 2023
الجبايات بموازين حسَّاسة!
الأحد, 26 نوفمبر, 2023