icons

آخر الأخبار

عن خراب الروح الذي يشبه العمران!!

الأحد, 29 أغسطس, 2021

تبدو مدينة صنعاء القديمة للكثير من محبيها اليوم غريبة، بعدما أصابها الكثير من التشويه والعطب؛ وكأن القائمين عليها وعلى إدارة شئونها يريدونها علامة مضافة إلى علامات التدمير الممنهج للجمال والقيم في البلاد ككل . تتساقط بيوتها القديمة، والتي صمدت لمئات السنين في وجه الزمن، دون أن تحرك الجهات ساكناً للحفاظ عليها، وإن رممتِ بعضها، وعلى عجل، فبمواد غير تلك التي أهلتها لتكون إحدى المدن المستوعبة في قائمة اليونسكو( قائمة التراث العالمي)، وستكون الترميمات والصيانة بهذه المواد سبباً في إخراجها في المستقبل، إن تعاظمت وتائرها بسبب غياب الرقابة.
ممراتها الحجرية التي تربط الأسواق والأحياء، وأزقتها المبلطة في الحارات صارت، في كثير من المواضع، مخلَّعة الأحجار، التي كانت تمنحها جمالاً بسيطاً، وتمنح أقدام زوارها راحة في المشي والتجوال، بالإضافة إلى مساعدتها في تصريف مياه الأمطار بسهولة، فصارت الأزقة، في معظمها، مجموعة من الحفر القذرة التي تتجمع بها المياه المتسخة وطفح البيارات والقاذورات.
في أركان معظم أحيائها العتيقة، وفي أطراف ساحاتها ،يمكن لزائرها مشاهدة أكوام القمامة مكدسة، تُخرجها البيوت إلى الفضاء العام، دون أن تمر لالتقاطها (بوابير) القمامة في مواعيدها، فتتحول إلى مُبصرات قبيحة، وروائح نتنة، وجيوش من البعوض العدواني، الذي يستقبل زوارها بالطنين الغريب.
واجهات مساكنها، وأسوار بيوتها ،وسورها الطيني العتيق، وسور سائلتها الحجري صارت كلها معبأة ومشغولة بصور ضحايا الحرب من الشبان الصغار من أبناء المدينة وخارجها، وملطخة بالشعارات التعبوية والطائفية والتحريض، التي أنتجت حالة بائسة من التلوث البصري الذي لا عهد لليمنيين به في المجال العام.
ماكنا نلمسه من نظافة قليلة وتنظيم محبَّب في أسواقها الشعبية خلال السنوات المنصرمة، صار في خبر كان، وإن العشوائية والقذارة صارت هي العنوان المتسيد في هذه الأسواق، والتي كانت فيما مضى الجزء الحيوي من صورة المدينة في وعي الأخر القرائي، وأنتج عنها - هذا الوعي - كتباً وأبحاثاً في سياق التثاقف الأنثروبولوجي، وليس كتاب فرانك مراميه (شيخ الليل / أسواق صنعاء ومجتمعها ) وحده الذي طرق هذا الباب وعبر إلى المدينة في أزمنتها العابرة للتاريخ.(*)
قال لي أحد الأصدقاء من أبناء المدينة أن صنعاء لم تعد صنعاء، وإن روح أبنائها التي غادرتها، قد سحبت معها روح المدينة، فبقيت المباني هياكل بلا روح، وإن من يسكن هذه المدينة اليوم صاروا من خارجها، وليس بينهم وبين المكان من حميمية، يمكن أن تتعاظم بالمحبة، فيبقي العمران صحيحاً وروح المدينة تمنح العشاق بعض أسرارها.
من يسكنونها اليوم أشبه بعابرين فيها، على الرغم مما تمنحهم من دفئ الإقامة وسلوى الهدوء، ولا يعنيهم فيها تساقط أحجارها التي عبرت التاريخ ونقشته في الأفئدة، وتخلع بلاطاتها التي عبرت عليها الأحلام والأماني، ولا انسداد مجاريها التي حولت روائح بساتينها إلى ما يشبه المستنقعات الأسنة التي يصعب المرور بجوارها.
صنعاء بحاجة إلى عشاق حقيقيين للحفاظ عليها، ولن يكون ذلك إلاَّ من أبنائها الذين هجروها، فغيرهم لا يحسون بها، مثلما هي لا تحس بهم ..هي اليوم أشبه بمريض دنف فقد البهجة بداخله، لإحساسه أن محبيه تخلوا عنه.
 تفقد صنعاء يوماً بعد أخر الكثير من خصائصها الثقافية وعاداتها في المأكل والمشرب وتصريف المناسبات، وصارت تتشابه بغيرها من المدن المعلبة التي غزتها الثقافة البلاستيكية، فهل من منقذ لها؟
 (2)
قبل أسابيع قليلة كتبت عن واحد من أشهر أصحاب المقاهي فيها، فظهر متحسراً على تلك الأيام التي كانت المدينة تزدحم أسواقها وسماسرها بالسواح والزائرين، وحواريها تعج بالساكنين من الأجانب، وصارت اليوم أكثر بؤساً وشقاء، فعلق صقر الصنيدي بما يشبه القراءة عن بوح يحيى بن يحيى النبوص حين قال:
" كانت الفرنسية "شيري" تهتم بي، وتحضر لي الأدوية، يقول رجل تجاوز الثمانين عاماً من عمره ذلك ويكمل حديثه لمحمد عبدالوهاب الشيباني، بينما يعد له شراب القهوة كما يفعل مع غيره منذ نصف قرن.
ثم لا ينسى الإيطالية بلانكا.
كيف حفظ يحيى النبوص صاحب مقهى يعيش في حارة الأبهر بصنعاء هذه الأسماء.
فشل الزمن في محو الفتاتين من ذاكرته وأن إحداهن تهتم به والأخرى تبعث الضحك في مقهاه حين تحضر إليه وتمازحه.
ما أقسى أن تعيش في مدينة لا تمازحك!
كان ذلك زمن صنعاء الجميل أو ما قال يحيى في مقابلة ودودة أجراها محمد عبد الوهاب ونشرت على موقع بلقيس أنها أحلى أيام صنعاء، أيام كنت ترى أجانب يسيرون ظهراً في مدينتك وتنطق ألسنتهم بلغة مختلفة، تحاول أنت فهمها قبل أن تسود لغة واحدة كل جهة في العاصمة.
ويدرك الكل أن صنعاء في طريقها إلى لهجة واحدة وليس فقط لغة.
وقبل أيام أطل رجل من مدينة لها لسانها الخاص، وهو يتحدث بلهجة أصحاب القوة اليوم وكان كمن يجبر لسانه على الالتواء.
سبق لأهل التعريفات أن اشترطوا تعدد اللهجات واللغات لتصبح المدينة عاصمة.
ولقد بعث أهل قريش أطفالهم ومنهم النبي محمد "ص" إلى الريف للحفاظ على لسان العرب، ما يوضح أن التعدد سمة المدن منذ زمن.
في مدينة ذمار المجاورة لصنعاء يأتي الطلاب من أريافهم محملين بحلم النطق بلغة مختلفة.
وقد حلم المئات أن يفهموا "شيري" ولغتها وقبل عشر سنوات. سجل القسم الفرنسي مئات الدارسين، لكن في العام 2020 لم يأتي أحد لطلب الانضمام إلى القسم الفرنسي وعندما دون أحدهم اسمه في استمارة الالتحاق وان رغبته الثانية اللغة الفرنسية جرت الجامعة خلفه وطلب منه أن يلتحق بالقسم الفرنسي وأخبروه أن اللغة الفرنسية مهمة لكنه رفض الالتحاق وبقت السنة الأولى من دون طالب.
في الطريق من السنة الأولى إلى الرابعة تمتد الصحراء.
أربعة طلاب في السنة الثانية، ثلاثة طلاب فقط في السنة الثالثة، ومثلهم في الرابعة وهؤلاء لن يجدوا من يفهمهم حين يتحدثون بلغة سهروا لتعلمها وليس لديهم عاصمة يذهبون إليها، وفيها يجدون وجوهاً شاهدوها في صفحات كتبهم سيجدون أناساً غيرهم.
يقول طه ياسين وهو فتى يمني يعمل في برلين إنه يحب مدينته ليس لجمال العيون أو لجودة هندسة المباني، بل لشيء آخر "حين أصعد إلى المترو وأسمع كل لغات العالم أشعر بالأمان".
 تلك هي المدينة وليس اللون الواحد الذي أنجبته لحظة الهزيمة ورغبة الانتقام ولا حتى الميادين الممتلئة بالحشود ذات اللكنة الواحدة.
حين غادرت بلانكا، فقد يحيى روح مرحة من أبعيدة، ومعها فقد أحلى الأيام.
الأيام ذاتها جلبت له البديل، رجال يحملون على أكتافهم الماضي والرغبة في إعادته وغالباً هم لا يمازحونه ولا يشربون القهوة، هم حتى ليسوا غريبين عنه عندما كان يافعاً.
كان يرى حاملي البنادق القديمة يحملون أبواباً ونوافذ المدينة وقد أباح لهم الإمام مدينة اللغة الواحدة. كبر وأراد أن لا يكون مثل من رآهم، وقلة من الناس هم من يريدون أن لا يكونوا مثل من يرون."
 ____________
(*) في مقدمة فرانك مرامية لكتاب (شيخ الليل) يقول:
"من أجل الدخول إلى قلب مدينة، من أجل الإمساك بأكثر أسرارها دقَّة، ينبغي العمل بأكثر قدر ممكن من الحنان وكذلك بصبر يدفع أحياناً إلى فقدان الأمل. على المرء أن يلامسها بدون مراءاة، أن يداعبها من دون كثيرٍ من الأفكار المسبقة، وذلك لعدة قرون من الزمن"  
 
*المقال خاص بموقع "المهرية نت"