icons

آخر الأخبار

ما حاجتكم للتعليم ؟

الأحد, 15 أغسطس, 2021

روى لي صديق:  أنه وأثناء ذهابه إلى أحدى المدارس الخاصة لتسجيل أطفاله  خلال الأسبوع الماضي في صنعاء وجد بالمصادفة أحد جيرانه من المستنفعين الجدد ، وبعد السلام  لفت نظر الجار الملفات الخاصة بالأطفال بيد والدهم ، والذي - بعد أن سأله  الجار عنها -  بدأ يشكوا استغلال المدارس الخاصة لأولياء الأمور مقابل رسوم التسجيل والدراسة والمواصلات والمناهج والملابس  بمبالغ غدت أكثر من ضعف ما كان يطلب منهم  في السنة الماضية، لهذا السبب هو ذاهب إلى مدرسة أخرى لتسجيلهم ، لعله يجد  تسهيلات أفضل في المدرسة التي هو في طريقه إليها !!

  وبكل برود رد عليه الجار المستنفع : وأنتم ما حاجتكم للتعليم ؟، فالجبهات أولى  بطاقات الشبان ، ثم أن الشخص المسئول عن الطائرات المسيَّرة (في صفوف المجاهدين ) لا يمتلك حتى الشهادة الابتدائية !!. قال صديقي:  كنت أظنه يمزح في بداية الأمر ، لكنه كان جاداً فيما يقول ، و قال له أنه لم يسجل أولاده ، وأنه سيلحقهم في الجبهات ، وإن الهوية الايمانية التي يغرسها المرشدون في أفئدتهم هي التي ستحصنهم من اختراقات اليهود والنصارى، الذي يستعمرون الشعوب بهذا التعليم الزائف !!


  قال تركته وأنا مصدوم جداً ، فهذا الجار - كما يقول صديقي - خريج إحدى الجامعات المرموقة وعمل في مواقع وظيفية مهمة ولا يدري ما الذي قلب حاله بهذا الشكل ، وبذات طرائق المتشددين الدينيين - المغسولة أدمغتهم -  الذين صاروا يرون في التعليم المعاصر هدماً لأركان الدين ، وتمييع الإيمان، وهم الخريجون من جامعات مرموقة فيما مضي من وقت قبل تدينهم المتشدد.


  يتجنب الكثير من أولياء الأمور إلحاق أبناءهم بالمدارس الحكومية ، بحثاً عن فرص تعليم حقيقية  لهم في المدارس الخاصة ، لأن انعدام التعليم في المدارس الحكومية صار ظاهرة مؤصلة في سنوات الحرب ، بسبب تخلي المعلمون عنها  والالتحاق بالمدارس الخاصة(1)، التي صارت تنتشر كالفطر في الأحياء والحواري(2) ، ثم أن المدارس الحكومية صارت معامل تفريخ للتشدد والتعبئة الطائفية وساحات للمهرجانات الدينية التي لم يعهدها - بمسمياتها الكثيرة- اليمنيون. قال لي أحد الزملاء العاملين في مكتب التربية والتعليم الرئيس أن قيمة التصاريح الذي تصدر بإنشاء المدارس الخاصة تتجاوز النصف مليون ريال، غير الاتاوات والجبايات ومصاريف لجان المعاينة التي ترسلها دوائر التعليم الأهلي والخاص في مكاتب التربية  للتحقق من صلاحية المباني وملاءمتها . 

  المبالغ الباهظة التي ينفقها الملاك  يعوضونها  من جيوب أولياء الأمور. ولا يسلم أيضاً المعلمون الملتحقون بهذه المدارس من الاستغلال المريع ، اذ يوظفونهم بمبالغ بخسة جدا لا تتجاوز الخمسين ألف ريال في أكثر التقديرات ، وحين تصل مثل هذه التذمرات  لإدارات المدارس  يقابلها المديرون بصلف  وتعنت، ويهددون المدرسين بالطرد واستبدالهم بغيرهم  ، فيضطر المعلمون للرضوخ والقبول بما تجود بها أيادي اللئام من المالكين الجشعين ، وبمقابل ذلك لا يخلص المعلمون لمهنتهم ، فينقلون اختلالات ا لمدارس الحكومة إلى المدارس الخاصة ، ويكون التغاضي من الادارات عن هذه التجاوزات المهنية واضحاً، بل ومرحباً به مادام كل الطلاب سينجحون ، ويرضى عنهم أولياء الأمور، ومادامت السلعة المغشوشة التي يقدمونها للطلاب ستجتذب غيرهم من ذات دائرة الأهل والأقارب ودائرة المعاريف  ومن الجيران، لأن كل طالب سعيد في المدرسة تلك سيؤثر على غيره من الطلاب في الأسرة ومحيطها.

  قال لي أحد الزملاء أن اغلب المدارس الخاصة  تمضي العام الدراسي في الغالب بأنشطة ترفيهية ( حفلات ورحلات وأسواق خيرية) وليس في حصص صفية مكتملة ، ومثل هذه الانشطة تكون مستحبة من الطلاب الصغار والكبار أيضاً لأنها تعفيهم من مشقة  الدروس والواجبات الصفية وغيرها.

  أغلب المدارس الخاصة تستقدم معلمين من الخرجين والخريجات الجدد الذين لا يمتلكون من الخبرة شيئاً ، ويوظفونهم بمبالغ زهيدة جداً ، خصوصاً الفتيات منهم ، واللواتي يرين في أي دخل كان أهون من الجلوس في البيوت في ظل أوضاع  اقتصادية  في غاية الصعوبة. جيش من الأميين يتخرجون سنوياً من هذه المدارس، التي يفتتحها أناس جشعون من طبقة الحكم الجديدة ، والذين يرون في  افتتاح هذه الدكاكين التي يسمونها بهتانا (مدارس تؤدي رسائل تربوية وتعليمية)  مورداً اضافياً لتنمية ثرواتهم على حساب اسر الطلاب، الذي التجأوا إلى هذه المدارس بحثاً عن فرص تعليم حقيقية  لأبنائهم ، وفي سبيل ذلك ينفقون كل مدخراتهم من أجل هذه الخدمة، ليكتشفوا في نهاية المطاف أنهم وقعوا ضحية أناس لا ضمائر لهم، يعملون على تجهيل أبنائهم عوضاً عن تعليمهم. 

  (****) قبل قرابة عام من الآن ( 30 آب/ أغسطس 2020)  قمت ، وفي هذه المساحة، بعرض دراسة عن تأثير الحرب على التعليم في اليمن التي أشرف عليها الدكتور هاني المغلس  الذي لاحظ : " إن الرياضيات واللغة الإنجليزية والعلوم "فيزياء وكيمياء وأحياء" واللغة العربية "القراءة والكتابة هي المواد الأكثر صعوبة لدى أكثر الطلاب في العينة، ويعد ضعف استيعاب وفهم هذه المواد سبباً رئيسياً في تدني مستوى التحصيل العلمي لدى الطلاب كونها المواد المعنية بتكوين المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والعمليات الحسابية خلال المرحلة الابتدائية، ومن ثم اكتساب المعارف والمهارات العلمية والحياتية الأخرى في مراحل التعلم اللاحقة، و قد أرجع الطلاب في العينة أسباب تدني مستوى التحصيل العلمي لديهم إلى عدة عوامل، مثل انعدام الهدوء في الفصل أثناء الدروس، وضعف اهتمام المعلمين باستخدام الوسائل التعليمية الملائمة للشرح ، وإهمال المعلمين حل التمارين الصعبة في الكتاب المدرسي، وعدم استغلال المعلمين الوقت المخصص للحصة في شرح المادة، إضافة إلى تغيب التلاميذ عن بعض الدروس.  { هذا الاستخلاص ينطبق على حال التعليم قبل سنوات الحرب وفي ظلها، والذي كانت ولم تزل  تكرسه المدارس الحكومية.} من جهتهم ، وحسب الدراسة ، فقد عزى المعلمون أسباب تدني المستوى العلمي للطلاب إلى سوء الأحوال المعيشة. 

  المقال خاص بموقع المهرية نت