icons

آخر الأخبار

حكايتان عن الإمام أحمد في تعز!!

الأحد, 06 يونيو, 2021

في تتبعي لبعض من جوانب سيرة الإمام "أحمد حميد الدين" كما رواها بعض من عايشوه وعملوا معه ، أو من عاشوا في زمنه من الشخصيات المعروفة  وأصدروا مذكراتهم الشخصية  يتملكني إحساس عجيب بأن أحداً من المبدعين وعلى وجه الخصوص كاتب سرد موهوب وصبور لو غامر و أعاد انتاج هذه الشخصية روائياً، اعتماداً على ما  كُتب،  أو روي عنها من غرائب وجنون مرضي وهوس في الاستعباد هنا وهناك ، لاقترب كثيراً من مزاج سرديي أمريكا الجنوبية الكبار، الذين قاموا  بترسيمهم شخصيات الديكتاتور في صور "الحكام العسكريين "  و أعادت أعمالهم السردية الرائجة تقديم أو تظهير هؤلاء الحكام بصورهم الحقيقية كمستبدين ودمويين ومرضى؛ اذاقوا شعوبهم الويلات، ولم يكن انعتاق  شعوب هذه الجغرافيا  من بؤسها الطويل إلاًّ بالتخلص من هؤلاء ، تماما كما فعلت ثورة 26 سبتمبر العظيمة في اليمن مع حقبة الإمامة الطويلة.

فمن منا مثلا لم يقرأ لـ (ماركيز) ، و (يوسا ) ، و (استرياس) ، و (أيزابيل الليندي ) ؟! ومن منا لم تدهشه روايات مثل خريف البطريرك ، والسيد الرئيس ، وحفلة التيس،  و بيت الأرواح ؟! و بعض الأعمال الأخرى ،التي قاربت الاستبداد والانغلاق في تلك البلدان. حتى أنتج مبدعوها الكبار مدرسة مختلفة في الكتابة السردية، والتي صارت مع الأيام تُعرف في العالم أجمع بمدرسة (الواقعية السحرية) .

أعرض هنا حكايتين مثيرتين عبرتا عن هذه الشخصية ومزاجها الشيطاني المريض. الأولى تتصل بإحراقه الآت الطرب وأسطواناتها ، والثانية أمره بخلع  بعض أسنان النساء المدخنات في قصره بتعز. الحكاية الأولى يوردها اللواء عبدالله جزيلان في كتابه (لمحات من ذكريات الطفولة) ، أما الثانية فيرويها طبيبه الايطالي (جوزيبي جاسبيريني) الذي أشرف على علاجه ابتداء من العام 1959، وتضنها كتاب العميد محمد علي الأكوع (شخصية الإمام أحمد ورجالات عهده)  

 (1)إحراق صناديق الطرب واسطواناتها
 يقول اللواء عبدالله جزيلان:
"نمى الى علم ولي العهد أحمد  ـ في أول استقراره له في المدينة بعد إقالة علي الوزير مطلع أربعينيات القرن الماضي ـ  بأن أهالي المدينة يحوزون صناديق الطرب (فونوغراف) يحصلون عليها بطرق متعددة من عدن  ومن بلدان المهجر في أفريقيا وأروبا   فأمر العكفة (الحرس الخاص) باقتحام البيوت ومصادرة هذه الصناديق لأنها كما أشاع سبب الفساد، وهدد بهدم كل بيت يخفي شيئاً من الصناديق، أو الصحون (الإسطوانات) وفعلاً هُدمت بعض البيوت .
جمع الحراس كمية كبيرة من الصناديق والصحون التي كانت الوسيلة الوحيدة لتسلية أهالي تعز و وضعت في الميدان حيث قام  ولي العهد أحمد بنفسه بإضرام النيران فيها أمام الناس، وكان يهدف من هذا التصرف زرع الخوف في نفوس أهل تعز, وإظهار قوته كنوع من الحرب النفسية  لإثبات جبروته.

وكان يؤمن بأن الأمة الجاهلة أسلس قياداً من الأمة المتعلمة، فأمر بإغلاق مدرسة الحجرية في التربة، ومدرسة تعز التي حولها الى بيت خاص للقاضي "حسين  الحلالي"  عامل الحجرية ،الذي اُعجب به وعينه مستشارا له"
(2) خلع أسنان المدخنات في القصر
يروي طبيب الإمام أحمد الخاص الإيطالي (جوزيبي جاسبيريني) الذي رافقه إلى روما وأشرف على علاجه في العام 1959م أنه قبل وصوله إلى تعز بقليل مر طبيب أسنان أجنبي بالحديدة، فطلب الإمام مقابلته ومن ثم فحصه، فكان رد الطبيب بعد الفحص أن هناك بعض التسوس في أسنان الإمام  وضروسه  وبحاجة للعلاج، والأفضل كما أشار الطبيب تركيب طقم كامل . وحتى يركب الطقم قام الطبيب بتخديره وإزالة كل الأسنان المتسوسة وغير المتسوسة، وعندما أدرك الإمام الأمر لاحقاً غضب غضباً شديداً وطلب إحضار الطبيب الذي كان قد غادر البلاد بعد علمه بغضب الإمام ،الذي كان يرى في الطقم إنقاصاً من هيبته بعد أن بدا شكل فمه مغايراً تماماً لما اعتاده المحيطون به، إلى جانب أنه لم يستطع التعود عليه ، ولم يناسبه صحياً ، ولتلافي الأمر تم إحضار طبيبي أسنان من أريتيريا يحملون الجنسية الأمريكية ، فعملا له تركيبة ممغنطة  على اللثة العليا لتجاوز هذه المشكلة.

بعد أيام حصل ما يمكن وصفه  بحالة الرفض للجسم الغريب  مع التهابات شديدة في الفم ، والآم مبرحة مصحوبة بحمَّى  مما أوجب خلع الأسنان والتركيبة الممغنطة التي كانت تتسبب في الأذى للمريض وقت استخدامه لبعض أنواع الملاعق المصنوعة من بعض أنوع المعادن ،وكانت هذه الملاعق تُجذب من التركيب الممغنط  فتبقى ملتصقة داخل الفم ، مع ألم شديد يصاحب إخراج الملعقة من الفم.

أدت هذه الحالة إلى شعور الإمام ( يسميه الطبيب في كل الكتاب الملك)  ببعض القصور، مما جعله يعتبر ذلك الشيء نوعاً من العقاب يتعرض له, فكان أن فكَّرفي وضع نفس العقاب موضع التنفيذ في يوم تناهت فيه رائحة الدخان إلى أنفه منبعثة من حرملك (مخدع) النساء في القصر وهو في حالة غضب شديد . استدعى كل النساء (زوجات وحفيدات ومحظيات وخادمات) في القصر إلى حجرته، فخفن خوفاً شديداً منه واعترفت المدخنان  منهن بفعلتهن، فأمر ممرضه الخاص (شيبا) بالذهاب إلى المستشفى {الأحمدي} وإحضار كمَّاشة خلع الأسنان، ثم أمره بخلع سنين من كل فم امرأة اعترفت بالتدخين، وبدون تخدير ؛ بعد أيام رق قلبه بعد أن رأى كيف أن الحياء كان يمنع الضحايا من الابتسام  أمام الآخرين خوفاً من أن يُرين بفم دون بعض الأسنان،  لذا فقد بعث بهن من جديد إلى طبيب الأسنان  لتركيب سنات من الذهب لكل واحدة منهن بدلاً عن تلك التي خُلعت. وبعد تلك الحادثة  كان بوسع كل من في القصر التعرف على كل امرأة مدخنة ، وإن كل امرأة في القصر كانت تظهر بسنة مذهبة  يُنظر إليها ببعض الريبة أو أنها فاجرة كما يقول الطبيب (**)
(*) منشورات العصر الحديث بيروت الطبعة الثانية 1987م  ص 78 -79
(**) من كتاب محمد علي الأكوع  (شخصية الإمام أحمد ورجالات عهده) ، ومن الجزء الخاص والمسمى برحلة الإمام أحمد إلى روما للطبيب الإيطالي جوزيبي جاسبيريني- طبعة 1/ 2011م  ص 269 وما بعدها.
المقال خاص بموقع المهرية نت