icons

آخر الأخبار

أن تحجز قبراً عوضاً عن شقة في اليمن السعيد !!

الأحد, 02 مايو, 2021

 توفي منتصف الأسبوع الأخير من أبريل في صنعاء أستاذٌ مرموقٌ للرياضيات في كلية العلوم بجامعة صنعاء، استمراراً لحالة النزف والفقد التي تعيشها جامعة صنعاء والجامعات الأخرى  وتعيشها أيضاً كل البلاد لخيرة عقولها ، في ظل ظروف اقتصادية وصحية بالغة السوء يعيشها الجميع، وفرضتها عليهم جماعات الحرب وأمراؤها وممولوها.

أول من نعى هذا الرحيل المؤلم صديق قريب وحميم للمتوفي، وهو بالمناسبة صديق حميم لي ، ويعاني ،هو الآخر، منذ أسابيع من حالة صحية صعبة ، لم يزل يعاني من أثارها المقلقة حتى اليوم. وحين تواصلت معه للتعزية في فقده الكبير عرفت منه ، ومن شقيق له  ملابسات الرحيل المؤلم لأستاذ الرياضيات ، لكنه حسب قول الشقيق  كان محظوظاً جداً، لأن أحد أبنائه الميسورين   كان قد حجز أكثر من قبر خلال الفترة الماضية، تحسباً لأي  موت طارئ في أفراد العائلة في هذا الظرف الصعب.

لهذا حين توفي الأب ، بعد معاناة من الحميات حسب التشخيص الطبي،  لم يجدوا صعوبة في إيجاد قبرٍ له في إحدى المقابر الجديدة التي يكثر فيها الطلب على القبور،  بسبب جائحة كورونا التي تضرب البلاد شمالها والجنوب ،دون أن تحرك السلطات ساكناً لإيجاد حلول ناجعة أو اتخاذ تدابير وقائية وتوعوية  تحد من انتشاره في أوساط المواطنين 
كتب الصديق حسن الدولة أواخر أبريل الماضي في صفحته على الفيس بوك :
"اثناء مواراة جثمان المناضل اللواء محمد علي الثلايا { مؤسس ومدير نادي ضباط القوات المسلحة في صنعاء}  الثرى في مقبرة الدفعي بميدان السبعين وصلت ست جنازات خلال ربع ساعة بعد صلاة العصر، فسالت المشرف على المقبرة فقال 18 جنازة من الفجر!- كوفيد 19 !!- كانت المقبرة مزدحمة بالمشيعين ، غير مستخدمين للكمامات!! "

أنت محظوظ لأنك حجزت قبراً في هذه البلاد، التي صارت نهباً للقتل ببارود المتحاربين ، أو بفيروسات الأوبية ، أو بسهام الجوع، أو بسموم المبيدات المحرَّمة ،التي تستخدم في رش الخضروات والفواكه والأغذية والقات ، والمتورطة باستيرادها وتهريبها إلى داخل البلاد إمبراطوريات تجارية جديدة ،نشأت في سنوات الحرب ومن فيوضها المالية، وتديرها أسماء وجهات قريبة من قيادة سلطة الأمر الواقع في صنعاء.

أنت محظوظ لأنك حجزت قبراً وكفناً عوضاً عن حجزك  لشقة سكنية تؤويك مع أسرتك ، وتقيك شر المؤجرين وأطماعهم ، ويمكنك أن تقفل على نفسك أبوابها إذا اقتضت الحاجة ذلك ، دون أن تتسول أحداً.

 قبل  قرابة عام وفي ذروة تفشي الوباء في موجته الأولى  كتبت عن هذه الجائحة كثيراً ومما كتبت في هذا الموضع:
"حينما اجتاح الوباء هذا العالم - الصغير بوسائل تواصله ، المتسع  بجغرافيته وتعدده الثقافي والاثني والديني - انهارت أمامه أعتى الأنظمة الصحية وأكثرها تطوراً في بلدان صفه الأول  ، وأدى استهتار ولامبالاة  العديد من سكان بعض هذه البلدان  بخطر هذا الوباء الى تحوله الى جائحة مدمرة  ، لم يُستطع  حتى الآن لجمها، بعد مضي  ما يقارب من نصف العام، والمثال الأشد سطوعاً  هنا بما هو حاصل في"  ايطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة  المتحدة والبرازيل و..."
في اليمن ، وخلال الأشهر الأربعة المنقضية {مارس- يونيو2020} ، تم التعامل بخفة فارطة  مع هذا الوباء من قبيل الجهات التي تحكم في الشمال والجنوب ،  فضاعف من كارثته ودماره . فتارة عندها هو وباء طارئ  ترتب على كارثة الأمطار والسيول  التي شهدتها عدن ومحيطها الجغرافي القريب  في شهر ابريل 2020 وليس له علاقة بكوفيد 19، أو هو نوع من الحميَّات الموسمية " الجازعة" التي يمكن السيطرة عليها  ، أو هو طاعون رئوي تسببت به القوارض والجرذان التي تعشش في المدن المنكوبة وتعاني من انهيار البنى التحتية للصرف الصحي وشبكات المياه والمجاري .  والأخطر من ذلك كان بنفي وجوده بالأصل في اليمن ، كما راج في مناطق سيطرة الحوثيين.
 
حين بدأت مصلحة الأحوال المدنية و السجل المدني في عدن  نشر تقارير يومية  عن عدد الموتى في المدينة ، من واقع شهادات الوفاة التي تصدُر عن  فروعها في المديريات والمناطق، و يُكتب في خانة أسباب الوفاة  (ضيق في التنفس)  تكشفت حجم الكارثة التي تلف المدينة  وعرَّت النظام الصحي ومن يقوم بتسييره ، فعمدت سلطة الأمر الوقع - سلطة الإدارة الذاتية للمجلس الانتقالي الجنوبي -  الى اسكات هذا الصوت، لأنه حسب التعليل الشائع يثير البلبلة، ويعظم من التلقي السلبي لأخبار الفواجع، خارج مساقها الطبيعي ومبرراته.
وبالمقابل لم تزل سلطة صنعاء " ميليشيا الحوثي"  تمارس تعتيماً مريباً على تفشي الوباء في العاصمة ، والمناطق التي تسيطر عليها في شمال اليمن ووسطه وغربه،  وتتعامل مع الضحايا ومخالطيهم بأساليب أمنية  شديدة القسوة، بذات الطريقة والكيفية  التي تدير بها الشواغل غير الصحية. وحين بدأت الأصوات تتعالى من واقع المرصود اليومي لتفشي الوباء في الأحياء والمناطق، قامت بترويج خبر حالة وفاة واحدة  لمهاجر صومالي،  كان يقطن أحد الفنادق الشعبية في المدينة، ثم بعد فترة عن حالة ثانية لمصابة عادت من الخارج ، وبعدها حالة ثالثة لمتوفٍ طاعن في السن .. في الوقت الذي كانت تُتداول  تقارير ورسائل لأطباء أفصحوا عن أعداد مهولة لحالات الإصابة ، وحالات الوفاة في صفوف المصابين، وصارت مع  أيام العيد  فاجعة بكل المقاييس ، كشفت عنها شبكة  ميدانية طوعية للرصد، ومن هذه الحالات قيادات حوثية تعاملت بخفة عجيبة مع الجائحة، من خلال تصريحات إعلامية نُسبت اليها."

ما حدث قبل عام يتكرر اليوم  في أغلب المدن اليمنية من حضرموت شرقاً إلى تهامة غرباً ومن عدن جنوباً إلى صعدة شمالاً، وبتمظهرات أكثر فتكاً، جعلت الأنسان الذي يحصل على قبر بعد موته وبدون صعوبات شخصاً محظوظاً للغاية.
  المقال خاص بموقع المهرية نت