آخر الأخبار

في الذكرى الـ 35 لإعادة تحقيق الوحدة: قراءة في اللحظة اليمنية ومشروع التقسيم

أحمد الأغبري

أحمد الأغبري

 
شارك الخبر:

تواجه الوحدة اليمنية تحديات جسامًا بعد 35 سنة على إعادة تحقيقها عام 1990م، وفي مقدمة تلك التحديات ليس مشروع الانفصال وملحقاته وما يلقاه من دعم خارجي، بقدر ما هو...

تواجه الوحدة اليمنية تحديات جسامًا بعد 35 سنة على إعادة تحقيقها عام 1990م، وفي مقدمة تلك التحديات ليس مشروع الانفصال وملحقاته وما يلقاه من دعم خارجي، بقدر ما هو في تساهل السلطات القائمة وتعاملها الرخوي ليس مع مشاريع الانفصال، بل تجاه الوحدة كحقيقة تسند استقرار البلد السياسي، وذلك انطلاقًا من تعاملها اللامسؤول مع ثنائي الدولة والمواطنة.
 
التعامل اللامسؤول من السلطات اليمنية القائمة حاليًا مع الوحدة ينطلق من أن ثمة ايمانًا بات راسخًا لديها أن التمزّق والتقسيم بات هو مآل هذا البلد، وهذا التصور بقدر ما ينطلق من دعم خارجي يعزّز من حضور مشروع الانفصال وملحقاته، هو يعكس، في الوقت ذاته، مدى نزوعها نحو السلطة مهما كان الثمن، حتى لو كان المآل هو أن يذهب اليمن إلى مزيد من الخراب والتمزق، وأن يفقد المواطن كل حقوقه التي تكفل له حياة كريمة، وهذه الأخيرة صارت واقعًا.
 
للأسف، اليمن ليس بخير! إذ تحلّ الذكرى الخامسة والثلاثين لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية والجغرافيا اليمنية مقسمة بين سلطات ترفض حتى فتح الطرقات فيما بينها، مما يعني أن ثمة حدود قائمة تُقسّم مناطق نفوذ هذه الجغرافيا، ضمن مشاريع تقسيم الواقع الراهن، الذي فرضته الحرب وتداعياتها. وحتى داخل بعض مناطق النفوذ مشاريع التقسيم تظهر مشاريع تفتيت صغيرة تحت لافتات مختلفة، ونعرف جيدًا أنه لا يمكن لمشروع تقسيم أن يقف على قدميه دون ممول خارجي.
 
22 مايو/ أيار هو اليوم الوطني للجمهورية اليمنية بناءً على دستور دولة الوحدة، التي قامت في ذات التاريخ عام 1990، بعد عقود من النضال السياسي والتضحيات المتواترة من أجل إعادة اللحمة اليمنية إلى وضعها الطبيعي، بلد موحد في جغرافيته وتاريخه وثقافته وتراثه، وقبل ذلك هويته، وبقدر ما هي غاية تكون وسيلة لبناء دولة تحقق العدالة في توزيع السلطة والثروة، وتحترم الحرية والمواطنة المتساوية.
 
لكن ذلك لم يتحقق، وكانت تلك أول ضربة في بدن دولة الوحدة، تم ترجمتها بوضوح في حرب صيف 1994، وصولًا إلى استمرار التعاطي اللامسؤول مع حقيقة الوطن والدولة بعيدًا عن مسار تعزيز المواطنة والدولة المدنية، وتجاهل مطالب المُسرحيّن من وظائفهم عقب تلك الحرب، حتى تحولت تلك المطالب إلى حراك يُطالب بالانفصال، وصولًا إلى بلورته وتمويله خارجيا.
 
اللافت أن مشاريع التقسيم، وفي مقدمتها، وربما عنوانها، الأبرز مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي، لم تستطع أن تنجح في إقناع المواطن بالأهمية السياسية للمشروع، لأن الرؤية والتطبيق فشلا في التعامل مع صوت كرامة الناس، من خلال توفير احتياجاتهم المعيشية، عندما تولى قادة هذا المشروع السلطة وتحكموا بمصادر التمويل.
 
يطمح «الانتقالي»، الذي تأسس عام 2017، إلى أن يعود باليمن إلى ما قبل عام 1990، وهو إعادة وضع الدولتين، إحداهما في الشمال، والأخرى في الجنوب وفق الحدود التي كانت قائمة قبل 22مايو/ ايار 1990، لكنه في ذات الوقت لا يريد استعادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي كانت قائمة جنوبًا، بل يريد دولة مختلفة، لأن مشروعه الانفصالي يتنكر للهُوية اليمنيّة، ويتعامل مع الانفصال باعتباره انفصالًا سياسيًا وثقافيًا، مكرسًا ثقافة مفادها أن جنوب وشرق اليمن لا يحملان الهُوية اليمنيُة، متنكرًا ، في ذلك، لتاريخ طويل بقي فيه اليمن بوتقة واحدة لهُوية واحدة على امتداد الجغرافيا والتاريخ في جنوب الجزيرة العربية، وهو بذلك يستهدف تحقيق الانفصال والقضاء، في الوقت ذاته، على أية محاولات لاستعادة الوحدة اليمنية مستقبلًا. الانفصال الهوياتي يمثل تحديًا خطيرًا لمستقبل اليمن، ويعكس الأهداف التي يطمح الممول لتحقيقها، بما يضمن له استمرار السيطرة الخارجية على مقدرات الداخل اليمني الاستراتيجية. أكد المجلس الانتقالي الجنوبي، في بيان اجتماع الهيئة الإدارية لما تُعرف بالجمعية الوطنية للمجلس، أمس الأربعاء، الثبات على مشروع الانفصال، محييًا الذكرى الـ 31 لإعلان «فك الارتباط» في 21 مايو 1994.
 
وفي مستهل حرب صيف 1994 أعلن نائب الرئيس اليمنيّ علي سالم البيض من عدن ما اسماه «فك الارتباط»، والعودة إلى ما كان عليه اليمن قبل عام 1990، وهي المحاولة التي فشلت بانتصار قوات صنعاء بقيادة الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، وتم استعادة الوحدة حينها، وإقصاء الحزب الاشتراكي اليمني كشريك في تحقيق الوحدة، لكن إجراءات صالح التي تلت ذلك النصر، تحت تأثير زهو ثقافة القوة، لم تكن في صالح ثقافة الوحدة، بل منحت أعداء الوحدة أرضية خصبة للانطلاق صوب المطالبة بالانفصال.
 
لكن مشروع «الانتقالي» يختلف كثيرًا عما كان يحمله البيض، فالأخير لم يتنكر للهُوية اليمنية، كما يفعل مشروع «الانتقالي».
 
في بيان اجتماعها، جددت الهيئة الإدارية للجمعية الوطنية لـ «الانتقالي»، «العزم على مواصلة شعب الجنوب مسيرة استكمال النضال حتى تحقيق استقلال الجنوب وطنًا ودولة وهوية».
 
كما جددت تمسك الانتقالي «بقضية شعب الجنوب ووحدة صفة ونضاله السياسي والشعبي حتى تحقيق الاستقلال التام واستعادة وبناء دولة الجنوب الفيدرالية المستقلة».

*نقلاً عن صحيفة القدس العربي
تابعنا على :