من جدل العلم والنشيد إلى أزمة الدولة

أحمد ناصر حميدان
حين تصبح الأحزاب السياسية تهمة، ويصبح الاختلاف في الرأي دليلًا على العمالة أو "اليمننة" أو الارتباط بمشروع سياسي آخر، فإننا لا نكون أمام خلاف سياسي طبيعي.
ليس كل ما يبدو لنا أزمة طارئة وليد اللحظة، فالأزمات السياسية الكبرى غالبًا ما تكون امتدادًا لمسارات أقدم، تتراكم فيها الخلافات وتتعقد المصالح، حتى تظهر في لحظة معينة على هيئة صراع حول رمز أو شعار أو موقف.
وما نشهده اليوم من جدل حول العلم والنشيد والصور في الجنوب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خلاف على رموز وطنية؛ فالمسألة في جوهرها أعمق من ذلك بكثير. إنها انعكاس لصراع ممتد حول مفهوم الدولة، وطبيعة النظام السياسي، وهوية الجنوب ومستقبله، ومن يملك حق تمثيله والتحدث باسمه.
عندما بدأت القضية الجنوبية تتبلور سياسيًا، كان جوهرها بالنسبة لكثير من الجنوبيين مرتبطًا بالعدالة والمواطنة المتساوية ورفض الإقصاء والاستبداد، والمطالبة بدولة مؤسسات تحكمها القوانين والديمقراطية والتعددية السياسية. ولهذا اكتسبت القضية في بداياتها حضورًا واسعًا، لأنها خاطبت مظالم حقيقية وشعورًا عامًا بضرورة إصلاح علاقة المواطن بالدولة.
غير أن خطورة هذا المسار، بالنسبة إلى القوى التقليدية، لم تكن في مجرد رفع مطالب جنوبية، وإنما في أن تتحول هذه المطالب إلى مشروع سياسي حديث يقوم على المواطنة والدولة الوطنية والمؤسسات، ويضع حدًا لاحتكار السلطة والثروة والنفوذ، أيا كان مصدر هذا الاحتكار.
ومن هنا بدأ الصراع على مضمون القضية نفسها.
فبدلًا من أن تتجه القضية الجنوبية نحو بناء توافق سياسي واسع حول شكل الدولة وضمانات المواطنة والعدالة، جرى في مراحل لاحقة دفعها نحو صراعات الهوية والجغرافيا واستدعاء ذاكرة الانقسامات القديمة. وأصبح الحديث عن المناطق والجهويات والتاريخ السياسي السابق يتقدم أحيانًا على الحديث عن الدولة التي يفترض أن تكون الهدف النهائي لأي مشروع سياسي.
وكان من أخطر نتائج ذلك إضعاف فكرة التعددية السياسية.
فحين تصبح الأحزاب السياسية تهمة، ويصبح الاختلاف في الرأي دليلًا على العمالة أو "اليمننة" أو الارتباط بمشروع سياسي آخر، فإننا لا نكون أمام خلاف سياسي طبيعي، بل أمام محاولة لإعادة تعريف الوطنية وفقًا لمعيار واحد: من معنا فهو وطني، ومن يختلف معنا يصبح موضع شك.
وهذه أخطر نقطة في أي مشروع سياسي؛ لأن الديمقراطية لا تقوم على إجماع الناس على رأي واحد، وإنما على حقهم في الاختلاف، وعلى وجود مؤسسات وصندوق اقتراع وقانون يحسم التنافس بينهم.
لقد أدى استدعاء الصراعات التاريخية والمناطقية إلى إنتاج انقسامات جديدة داخل الجنوب نفسه.
وبدلًا من أن تتحول عدالة القضية الجنوبية إلى مساحة جامعة، أصبحت بعض المشاريع السياسية تتعامل معها بوصفها ملكية سياسية خاصة، الأمر الذي ساهم في تعميق التباينات بين مناطق الجنوب ومكوناته، وفتح الباب أمام صراعات النفوذ والتمثيل والموارد.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: المشروع الذي يفترض أن يوحد الجنوبيين حول مستقبلهم، أصبح في بعض مراحله سببًا في إعادة إنتاج انقساماتهم.
وليس بعيدًا عن ذلك الجدل المتصاعد حول الهوية، ومحاولات إعادة تقديم تاريخ الجنوب من خلال ثنائية "الجنوب العربي" في مواجهة الهوية اليمنية.
فهذا النقاش، مهما كانت المواقف الفكرية منه، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء الآخر أو احتكار الوطنية. فالهوية السياسية لا يمكن أن تُفرض بالقوة، كما لا يمكن بناء دولة مستقرة على أساس إقصاء جزء من المجتمع من تعريفها.
إن المشكلة اليوم ليست أن الناس يختلفون حول علم أو نشيد؛ فالاختلاف حول الرموز أمر طبيعي في المجتمعات التي مرت بتحولات سياسية وحروب وانقسامات. المشكلة حين تتحول الرموز إلى أدوات اختبار للوطنية، وحين يصبح رفع علم أو عدم ترديد نشيد معيارًا للحكم على الناس، بدلًا من أن يكون النقاش حول المؤسسات والحقوق والحريات والقانون.
وهنا يمكن فهم ما يتعرض له بعض الشخصيات والمكونات التي تطرح خطابًا مختلفًا.
فالحملة التي تستهدف الشيخ هاني اليزيدي، مثلًا، تكشف جانبًا من هذه الأزمة. فبدلًا من مناقشة مواقفه أو تقييم أدائه التنفيذي والسياسي بالحجة، يجري اللجوء إلى التصنيف والوصم، وتوزيع تهم جاهزة من قبيل "إخواني" و"إرهابي" وغيرها.
وهذه الطريقة في إدارة الخلاف السياسي لا تخدم الجنوب ولا تخدم القضية الجنوبية، بل تعيد إنتاج الأسلوب ذاته الذي طالما عانى منه الجنوبيون: إقصاء المختلف بدلًا من الحوار معه.
والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الأصوات التي تتصدر اليوم مشهد التخوين والمزايدة في الوطنية تتعامل مع تاريخ المقاومة والتحرير وكأنه ملكية حصرية لها، بينما كان المشهد في سنوات الحرب أكثر تعقيدًا من هذه الرواية الانتقائية. فقد شارك أبناء الجنوب بمختلف توجهاتهم ومناطقهم وانتماءاتهم في مواجهة الحوثيين، وسقط منهم الشهداء، ومن غير المنطقي اليوم تحويل تلك التضحيات إلى شهادات وطنية تمنح لفئة وتحجب عن أخرى.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للجنوب في هذه المرحلة هو أن تتحول السياسة إلى سوق للمزايدات، والوطنية إلى شهادة تمنحها جهة لنفسها وتسحبها من خصومها، وأن يصبح الخلاف السياسي سببًا لتبادل الاتهامات بدلًا من أن يكون وسيلة لتطوير المشروع الوطني.
لقد آن الأوان للخروج من هذه الدائرة.
فإذا كان الهدف هو بناء دولة، فإن الدولة لا تبدأ بالعلم والنشيد، وإن كانت الرموز جزءًا من هويتها؛ بل تبدأ بالمؤسسات، والقانون، والمواطنة المتساوية، والتعددية، والعدالة، وحق الناس في الاختلاف.
أما العلم والنشيد، فيمكن أن يحسم أمرهما التوافق السياسي والمجتمعي، أو الآليات الديمقراطية التي يفترض أن تكون مرجعنا في القضايا المختلف عليها.
المطلوب اليوم ليس المزيد من التخوين، بل المزيد من السياسة.
وليس المزيد من استدعاء الماضي، بل بناء مستقبل يتجاوز أسباب الماضي.
وليس أن يسأل الجنوبي أخاه: "أنت مع أي علم؟"، وإنما أن يسأله: "أي دولة نريد؟ وكيف نضمن ألا تتحول هذه الدولة، أيا كان شكلها، إلى سلطة جديدة تحتكر القرار والثروة والتمثيل؟"
هذه هي القضية الحقيقية.
أما تحويل الصراع على الدولة إلى صراع على العلم والنشيد، فليس سوى نقل للأزمة من جوهرها إلى رموزها.
والجنوب، بعد كل ما مر به، يستحق نقاشًا أكبر من ذلك.
المصدر: المهرية نت


