آخر الأخبار

الأشخاص يُحترمون ولا يُقدَّسون

تيسير السامعي

تيسير السامعي

 
شارك الخبر:

الاحترام هو أن تُقدِّر الإنسان لإنجازه أو علمه أو أخلاقه، مع إيمانك بأنه بشرٌ يخطئ ويصيب.

أكثرُ ما أمقته في الحياة، إلى حدِّ الاشمئزاز، هو تقديس الأشخاص، ومنحهم مكانةً تعلو على بقية البشر.

أؤمن إيمانًا راسخًا بأن الناس جميعًا سواسية، وأن الإنسان، مهما امتلك من موهبة أو عبقرية، ومهما بلغ من سلطة أو شهرة، يظل بشرًا، يخطئ ويصيب، ويصنعه ما يصنع سائر البشر من ظروف وفرص وجهد.

ولا أرى أن التفوق حكرٌ على أحد، فكم من إنسانٍ طواه النسيان لا لقصورٍ في قدراته، بل لأنه لم يجد الفرصة التي وجدها غيره. وكثيرًا ما تصنع الفرص العظماء أكثر مما تصنعهم المواهب وحدها. لذلك لا أستبعد أنني، أو غيري من ملايين البشر، لو أُتيحت لنا الظروف نفسها التي أُتيحت لمن يُرفعون إلى مصاف الأساطير، لقدمنا ما يوازي إنجازاتهم أو يفوقها.

ولكي لا يُساء فهم هذا الموقف، فأنا لا أدعو إلى التقليل من شأن أصحاب الإنجازات، ولا إلى إنكار فضل المبدعين والعلماء والمصلحين. بل على العكس، أرى أن احترامهم واجب، والاعتراف بفضلهم خلقٌ نبيل.

الأشخاص يُحترمون ولا يُقدَّسون. فالاحترام هو أن تُقدِّر الإنسان لإنجازه أو علمه أو أخلاقه، مع إيمانك بأنه بشرٌ يخطئ ويصيب، وأن من حقك أن تناقشه وتختلف معه وتنتقده إذا أخطأ.

أما التقديس، فهو أن تنزع عنه بشريته، وتُحيطه بهالةٍ من العصمة، حتى يصبح رأيه حقيقةً لا تُناقش، وخطؤه صوابًا لا يُراجع، ويغدو مجرد نقده جريمةً في نظر أتباعه.

ومن هنا تبدأ الكارثة؛ لأن الأمم لا تتخلف حين ينقصها الأذكياء، بل حين يتوقف أبناؤها عن التفكير، ويستبدلون عقولهم بعقول الأشخاص، مهما كانت مكانتهم.

إن الإنسان العظيم لا يحتاج إلى التقديس، بل إلى التقييم العادل. ولا يخشى النقد إلا من كانت عظمته قائمة على الوهم. أما صاحب الإنجاز الحقيقي، فيزداد احترامًا كلما خضع للنقاش والمراجعة، لأن الحقيقة لا تخاف النقد.

لهذا سأظل أؤمن بأن كل إنسان، مهما بلغ من المجد، يبقى إنسانًا، وأن أعظم تكريم للعظماء ليس أن نحوّلهم إلى أصنام، بل أن نحترمهم، ونُنصفهم، ونختلف معهم عندما يخطئون، دون خوف أو تقديس. 

المصدر: مصادر مفتوحة

تابعنا على :