آخر الأخبار

هل تتجه السعودية نحو احتواء الحوثيين أم تقترب من مواجهة عسكرية جديدة؟

هل تتجه السعودية نحو احتواء الحوثيين أم تقترب من مواجهة عسكرية جديدة؟
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

في الوقت الذي تتصاعد فيه هجمات جماعة الحوثيين على المصالح السعودية، وتنتقل من استهداف السفن في البحر الأحمر إلى مهاجمة مطارات ومنشآت داخل المملكة، تبدو الرياض أكثر تمسكًا بخيار الاحتواء السياسي، في مشهد يعكس تعقيدات تتجاوز حدود الصراع اليمني إلى حسابات إقليمية ودولية ترتبط بأمن الطاقة العالمي واستقرار طرق التجارة الدولية.

فالهجوم الذي استهدف مطار نجران بطائرة مسيّرة، بالتزامن مع استمرار تهديد الملاحة في البحر الأحمر، لم يدفع السعودية إلى رد عسكري واسع كما حدث في مراحل سابقة من الحرب، بل جاء متزامنًا مع تسريبات عن تحركات دبلوماسية هادئة تقودها الرياض عبر وسطاء عمانيين، في محاولة لاحتواء الأزمة قبل انزلاقها إلى مواجهة مفتوحة.

دبلوماسية خلف الكواليس

كشفت وكالة بلومبرغ، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن السعودية تسعى إلى احتواء أي تصعيد محتمل مع الحوثيين عبر قنوات دبلوماسية غير رسمية، خشية أن يؤدي اتساع المواجهة إلى إلحاق أضرار مباشرة بصناعة النفط السعودية واقتصاد المملكة، الذي يعتمد بصورة كبيرة على استقرار أسواق الطاقة وحركة الملاحة.

ووفقًا للمصادر، أجرت الرياض محادثات مع الحوثيين عبر وسطاء عمانيين، بالتوازي مع إعداد خيارات عسكرية تبقى مطروحة في حال فشل المسار السياسي، إلا أن المملكة امتنعت حتى الآن عن تكرار الغارات الجوية الواسعة على مواقع الجماعة، في مؤشر على تفضيلها منح الدبلوماسية فرصة أخيرة.

وفي المقابل، أشارت بلومبرغ إلى أن الحوثيين يستغلون هذا النهج للضغط على السعودية بهدف الحصول على مزيد من التنازلات الاقتصادية، وهو ما يعكس انتقال المواجهة من الميدان العسكري إلى مساحة التفاوض السياسي والاقتصادي.

وتكشف معطيات أخرى عن وجود ضغوط أمريكية مباشرة لمنع توسع الصراع. فبحسب وكالة رويترز، نقل دبلوماسيون إقليميون وغربيون أن مسؤولين أمريكيين حثوا السعودية على تجنب شن عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين، رغم الهجمات المتكررة على السفن السعودية في البحر الأحمر.

وترى واشنطن أن أي مواجهة مباشرة بين الرياض والحوثيين قد تؤدي إلى اضطراب أكبر في أسواق النفط والشحن العالمية، وربما تهدد حركة الملاحة في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، الأمر الذي قد ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

وتعكس هذه المواقف اختلافًا في الأولويات؛ ففي حين تنظر السعودية إلى الهجمات باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، تنظر الولايات المتحدة إلى الأزمة من زاوية أوسع ترتبط بالاستقرار الاقتصادي العالمي ومنع توسع دائرة الحرب في المنطقة.

تضارب الروايات

وفي تطور لافت، نفت الرياض وجود أي محادثات مباشرة أو غير مباشرة مع جماعة الحوثيين، بعد ساعات من تقارير تحدثت عن اتصالات تجري عبر وسطاء عمانيين بهدف احتواء التصعيد.

ونقلت وسائل إعلام سعودية عن مصدر مسؤول أن «لا توجد محادثات مع الميليشيات الحوثية في مسقط أو عبر أي وسيط»، في موقف يعكس تمسك المملكة بعدم تأكيد وجود مسار تفاوضي معلن مع الجماعة في الوقت الراهن.

ويفتح هذا النفي الرسمي الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة القنوات القائمة بين الطرفين، في ظل تقارير سابقة تحدثت عن جهود وساطة إقليمية غير معلنة، خصوصًا عبر سلطنة عُمان، التي لعبت خلال السنوات الماضية دورًا في نقل الرسائل بين الرياض وصنعاء.

ويرى مراقبون أن غياب التأكيد الرسمي لا يعني بالضرورة توقف الاتصالات السياسية، إذ غالبًا ما تُدار مثل هذه الملفات الأمنية الحساسة عبر قنوات غير معلنة، خصوصًا في مراحل التصعيد التي تحاول فيها الأطراف اختبار مواقف بعضها بعضًا دون تقديم تنازلات علنية.

وفي المقابل، قد يعكس النفي السعودي رغبة في عدم منح الحوثيين مكاسب سياسية أو إظهار أن الهجمات الأخيرة نجحت في فرض مسار تفاوضي جديد، مع استمرار الرياض في التعامل مع التصعيد وفق حسابات أمنية وعسكرية مدروسة.

هجوم نجران... اختبار جديد لحرب مؤجلة

وفي خضم هذه الحسابات، أعلن الحوثيون، الثلاثاء، تنفيذ هجوم بطائرة مسيّرة استهدف «هدفًا حساسًا» داخل مطار نجران، في تصعيد جديد جاء بعد إعلان الجماعة فرض حصار بحري على السعودية وتكثيف استهداف السفن المرتبطة بها.

وقال المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، إن العملية جاءت ردًا على ما وصفه بانتهاكات سعودية للأجواء في محافظتي صعدة وحجة بواسطة الطيران المسيّر.

في المقابل، نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدر إقليمي أن الضربة ألحقت أضرارًا كبيرة بالرادار الرئيسي للمطار، ما انعكس على عملياته التشغيلية، بينما لم تصدر السلطات السعودية حتى الآن أي تعليق رسمي يؤكد أو ينفي حجم الأضرار.

ويرى الخبير العسكري اليمني العميد المتقاعد منصور المختار أن احتمالات اندلاع حرب شاملة بين السعودية والحوثيين لا تزال محدودة في المرحلة الحالية، بسبب تعقيدات المشهد اليمني والإقليمي، خصوصًا في ظل التوترات المرتبطة بالمواجهة الأمريكية الإيرانية.

ويقول المختار لـ«المهرية نت» إن الحوثيين ينظرون إلى الظرف الإقليمي باعتباره فرصة لتعزيز مكانتهم كقوة إقليمية، ضمن مشروعهم السياسي والعسكري، إلا أنهم في الوقت ذاته لا يرغبون في الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تعرض مكاسبهم للخطر.

ويوضح المختار أن المعطيات السياسية والعسكرية تشير إلى وجود قنوات تواصل غير معلنة بين الرياض والحوثيين، لافتًا إلى أن هذا النوع من الاتصالات ينشط عادة خلال فترات التصعيد بهدف احتواء الأزمة ومنع انزلاقها إلى مواجهة عسكرية شاملة.

ويضيف أن ضبط وتيرة العمليات العسكرية من الجانبين، رغم تصاعد الهجمات، يعكس وجود إدراك مشترك لارتفاع كلفة الحرب المفتوحة، وهو ما يفسر استمرار المساعي السياسية، سواء عبر قنوات مباشرة أو من خلال وسطاء إقليميين، وفي مقدمتهم سلطنة عُمان، للحفاظ على مسار يوازن بين الردع العسكري وإبقاء باب التفاوض مفتوحًا.

لماذا تتجنب الحرب الشاملة؟

ورغم تصاعد وتيرة الهجمات الحوثية، يرى باحثون أن المشهد لا يزال محكومًا باستراتيجية «التصعيد المحسوب»، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه التفاوضي دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد يصعب احتواء تداعياتها.

ويقول الباحث السياسي توفيق أحمد، في حديث لـ«المهرية نت»، إن ما يجري بين السعودية والحوثيين يعكس نهجًا متدرجًا يجمع بين الضربات العسكرية المحدودة والضغط الدبلوماسي المستمر، بهدف تحقيق مكاسب ميدانية وسياسية دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة، مع بقاء خيار التصعيد قائمًا لدى الطرفين دون استخدامه في المرحلة الحالية.

ويضيف أن الرياض لا تزال تميل إلى سياسة الاحتواء، وهو ما يظهر في استمرار قنوات التفاوض عبر سلطنة عُمان، وفي طبيعة الردود العسكرية التي بقيت حتى الآن «محدودة ومدروسة»، وتركز على الردع أكثر من توسيع دائرة الحرب.

وبحسب توفيق أحمد، فإن المملكة، رغم تمسكها بالحلول السياسية، تواصل في الوقت ذاته الاستعداد لسيناريوهات أكثر تعقيدًا، من خلال تعزيز التنسيق العربي والإقليمي والدولي، إلى جانب رفع جاهزية القوات الحكومية اليمنية، بما يمنحها خيارات عسكرية أوسع إذا تعثرت الجهود الدبلوماسية أو فُرض عليها التصعيد.

من جانبه، يرى الباحث السعودي سليمان العقيلي، عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية، أن هناك داخل الدوائر الحليفة للرياض من يدفع باتجاه حرب شاملة تستهدف إنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء، مستندين إلى ما يعتبرونه تغيرًا في موازين القوى بعد الضربات الأمريكية التي أضعفت قدرات الجماعة، إضافة إلى تراجع النفوذ الإيراني نتيجة انشغال طهران بأزمات إقليمية أخرى.

غير أن العقيلي يؤكد أن السعودية لا تبدو مستعدة للمضي في هذا الخيار، إذ تحرص على البقاء بعيدة عن الانخراط المباشر في حرب واسعة داخل اليمن، إدراكًا منها أن أي مواجهة مفتوحة قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة، وتمنح الحوثيين وإيران فرصة لتوسيع رقعة الصراع واستهداف المصالح السعودية بصورة أكبر.

ويضيف أن الاستراتيجية السعودية الحالية تقوم على إدارة الصراع بمنطق «الاحتواء والردع المتوازن»، بما يحقق حماية الأمن الوطني وتقليل المخاطر الاقتصادية، بدلًا من الانخراط في مغامرة عسكرية مفتوحة قد يصعب التحكم بنتائجها.

وفي وقت تتأرجح فيه الأزمة بين التصعيد العسكري ومحاولات الاحتواء السياسي، يرى الأكاديمي المختص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج، عبدالله باعبود، أن استمرار الحرب يؤكد محدودية الخيارات العسكرية في إنهاء الصراع، وأن الوقت قد حان للدفع نحو تسوية سياسية شاملة تنهي حالة «اللا حرب واللا سلم» التي ترهق اليمنيين والمنطقة على حد سواء.

ويؤكد باعبود، في حديثه لبرنامج «مواقف» على قناة المهرية، أن اليمن لم يعد ملفًا منفصلًا عن التوازنات الإقليمية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من معادلة أمن الخليج واستقراره، مشددًا على أن أي ترتيبات أمنية في المنطقة لن تحقق استقرارًا دائمًا ما لم تترافق مع حل شامل للأزمة اليمنية يستند إلى الحوار والتفاهمات السابقة.

وبينما يواصل الحوثيون والسعودية إدارة المواجهة ضمن حدود محسوبة، تبدو فرص تجنب الحرب الشاملة قائمة، لكنها تبقى رهناً بقدرة الجهود السياسية على تجاوز منطق إدارة الأزمة إلى بناء تسوية مستدامة، تعيد لليمن استقراره، وتخفف من حدة التوترات التي باتت تتجاوز حدوده إلى أمن المنطقة بأكملها.

المصدر: المهرية نت