مأرب تحت النار.. هل دخلت الحرب اليمنية مرحلة الصدمة والتصعيد الشامل؟

لم تكن الضربة الحوثية التي استهدفت مدينة مأرب، صباح الجمعة، مجرد هجوم عسكري جديد في سياق الحرب اليمنية المستمرة، بل جاءت كأول تصعيد واسع يستهدف المدينة منذ إعلان الهدنة المؤقتة بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين في أبريل/نيسان 2022، لتعيد مخاوف عودة المواجهات إلى واحدة من أكثر الجبهات حساسية في البلاد.
واستخدمت جماعة الحوثيين في الهجوم صواريخ وطائرات مسيرة، استهدفت مناطق داخل مدينة مأرب ومحيطها، بينها أحياء سكنية ومواقع تؤوي نازحين، وفق مصادر حكومية، في وقت قالت فيه الجماعة إن الضربات طالت أهدافاً عسكرية.
وقال وزير الصحة اليمني قاسم بحيبح إن القصف أسفر عن مقتل شخصين وإصابة 14 آخرين، جراء استهداف أحياء سكنية ومخيمات للنازحين في مدينة مأرب.
في المقابل، أفاد مصدر عسكري لقناة سبأ الرسمية بأن الدفاعات الجوية للقوات المسلحة تمكنت من إسقاط عدد من الطائرات المسيّرة الحوثية في أجواء المدينة، مؤكداً أن الهجوم شمل استخدام صواريخ وطائرات مسيرة.
وفي رواية مغايرة، نقلت وكالة تسنيم الإيرانية أن الهجوم استهدف معسكراً في منطقة صحن الجن بمدينة مأرب، دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة الأهداف.
هجوم واسع ورسائل متعددة
ووفقاً لتقديرات نشرها صحفيون ومراقبون، فإن الهجوم تضمن إطلاق عدد كبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة، في محاولة لإحداث تأثير ميداني وإعلامي داخل المدينة التي ظلت خلال السنوات الماضية من أبرز مراكز الثقل العسكري للحكومة اليمنية.
وقال الصحفي اليمني أحمد شبح في منشور عبر منصة "إكس" إن الحوثيين أطلقوا عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه مأرب، معتبراً أن الجماعة تسعى من خلال هذا النوع من الهجمات إلى إظهار قدرتها على الوصول إلى المناطق المكتظة بالسكان.
وأضاف أن الهجمات الحوثية تعكس، بحسب رأيه، نهجاً يعتمد على استخدام القوة لإرسال رسائل سياسية وعسكرية، مشيراً إلى أن مأرب طورت خلال السنوات الماضية قدراتها الدفاعية للتعامل مع الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
لا تمثل مأرب مجرد مدينة في خارطة الصراع اليمني، بل تعد من أكثر المناطق أهمية بسبب موقعها الجغرافي وثقلها العسكري والاقتصادي، إضافة إلى كونها مركزاً رئيسياً لاستقبال النازحين من مختلف المحافظات منذ اندلاع الحرب.
ويرى مراقبون أن استهداف المدينة في هذا التوقيت يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب العسكري، إذ يأتي في ظل استمرار التوترات الإقليمية، ومحاولات الأطراف اليمنية تحسين مواقعها قبل أي مسارات تفاوضية محتملة.
كما أن اختيار مدينة تضم أعداداً كبيرة من النازحين يفتح نقاشاً حول طبيعة الأهداف العسكرية للهجوم، وما إذا كانت الرسالة موجهة إلى القوات الحكومية فقط، أم أنها تحمل بعداً نفسياً يستهدف المجتمع المحلي.
وقال الباحث والكاتب السياسي ياسين التميمي إن الهجوم يمثل، بحسب تعبيره، استهدافاً لمدينة مكتظة بالنازحين، معتبراً أن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة يهدف إلى إحداث حالة صدمة بين سكان مأرب.
وأضاف أن الهجمات لا يمكن فصلها عن مسار الصراع المستمر، وأنها تعكس إصرار الحوثيين على استخدام القوة بدلاً من المسارات السياسية، حسب وصفه.
من جهته، وصف الصحفي اليمني إبراهيم عسقين استهداف المدن المكتظة بالمدنيين بأنه تحول خطير في طبيعة الحرب، مشيراً إلى أن مأرب أصبحت خلال السنوات الماضية ملاذاً لملايين اليمنيين الذين أجبرتهم الحرب على النزوح.
وقال عسقين إن استهداف المدينة لا يتعلق فقط بالأضرار المادية، بل يطال شعور السكان بالأمان، مؤكداً أن مأرب بقيت رغم سنوات القصف والحصار واحدة من أبرز المدن التي استوعبت النازحين وحافظت على دورها كمنطقة استقرار نسبي.
وفي سياق ردود الفعل الرسمية، اعتبر وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أن التصعيد الحوثي الأخير في مأرب يأتي في إطار محاولات الجماعة إظهار القوة وتعويض ما وصفه بالتراجع السياسي والميداني.
وقال الإرياني إن الهجوم الحوثي على مأرب، بالتزامن مع استهداف القوات الحكومية في مأرب وحضرموت، يعيد إلى الأذهان، بحسب تعبيره، المشهد الذي سبق انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، عندما لجأت الجماعات المدعومة من إيران إلى التصعيد العسكري في محاولة لإعادة فرض حضورها.
وأضاف أن استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لا يعكس، من وجهة نظره، قوة الجماعة أو ثقتها بمستقبل مشروعها، بل يكشف حالة قلق ومحاولة لتعويض غياب ما وصفه بـ"مشروع الدولة"، مؤكداً أن استمرار الاعتماد على القوة العسكرية لن يغير من واقع الأزمة اليمنية.
وأكد الإرياني أن القوات المسلحة اليمنية بمختلف تشكيلاتها تمتلك، وفق قوله، القدرة والخبرة لمواجهة هذه الهجمات، والمضي في معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، مشدداً على أن المعركة مع الحوثيين باتت مرتبطة، بحسب رؤيته، بصراع أوسع حول استقلال القرار اليمني.
واختتم الوزير تصريحه بالقول إن اليمنيين سيكتبون، على حد وصفه، "فصلهم الخاص من الخلاص الوطني"، معتبراً أن استمرار الهجمات الحوثية لن يغير مسار الصراع، وأن استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب باتت مسألة مرتبطة بتطورات المرحلة المقبلة.
إدانات حقوقية لاستهداف مناطق النازحين
وتصاعدت الإدانات الحقوقية للهجوم الحوثي على مأرب، حيث أدان مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان (HRITC) ومؤسسة تمكين المرأة اليمنية (YWEF) التصعيد العسكري، محذرين من تداعياته على المدنيين والنازحين وجهود السلام في اليمن.
وقال مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان إن استهداف مخيم للنازحين في محافظة مأرب يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، مشيراً إلى أن الهجوم أدى، وفق المعلومات الأولية، إلى سقوط قتلى وجرحى بينهم نساء وأطفال.
وطالب المركز بفتح تحقيق دولي مستقل وشفاف لتحديد المسؤولين عن القصف ومحاسبتهم، معتبراً أن استهداف المدنيين والأعيان المدنية قد يرقى إلى مستوى جرائم الحرب، داعياً الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم في حماية النازحين وتقديم المساعدات العاجلة للمتضررين.
من جانبها، أدانت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في استهداف مأرب وحضرموت ومناطق مدنية في نجران، إضافة إلى التصعيد المرتبط بالملاحة التجارية في البحر الأحمر.
واعتبرت المؤسسة أن استمرار هذه الهجمات يمثل تهديداً لحالة التهدئة القائمة ومحاولة لإعادة إشعال الصراع وتقويض المساعي الإقليمية والدولية للوصول إلى تسوية سياسية، مؤكدة أن حماية المدنيين والممرات البحرية تتطلب إجراءات دولية أكثر فاعلية، وليس الاكتفاء ببيانات الإدانة.
من جانبها، اعتبرت الناشطة الحقوقية هدى الصراري أن استهداف المدنيين والنازحين في مأرب لم يعد حادثاً عابراً، مشيرة إلى أن تكرار الهجمات على المناطق السكنية ومخيمات النزوح يمثل، بحسب قولها، انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني الذي يفرض حماية المدنيين والأعيان غير العسكرية أثناء النزاعات.
وقالت الصراري إن مخيمات النازحين لا يمكن اعتبارها أهدافاً عسكرية، كونها تضم عائلات اضطرت إلى مغادرة مناطقها بسبب الحرب، مؤكدة أن استمرار استهدافها يستدعي موقفاً دولياً أكثر حزماً لا يقتصر على بيانات الإدانة، بل يتضمن إجراءات عملية لحماية المدنيين ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.
مأرب.. مدينة تتجاوز حدود الجغرافيا العسكرية
منذ اندلاع الحرب اليمنية، تحولت محافظة مأرب إلى واحدة من أبرز ساحات الصراع بين جماعة الحوثيين والقوات الحكومية، بفعل موقعها الاستراتيجي وثقلها الاقتصادي، لاحتضانها أهم منشآت النفط والغاز، إضافة إلى كونها أحد أبرز معاقل الحكومة اليمنية في شمال البلاد.
ولم تقتصر أهمية مأرب على البعد العسكري والسياسي، إذ أصبحت خلال سنوات الحرب مركزاً إنسانياً رئيسياً، بعد أن استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين القادمين من مناطق سيطرة الحوثيين ومختلف المحافظات اليمنية، لتتحول إلى ملاذ لمئات الآلاف ممن فروا من تداعيات الصراع.
ويرى مراقبون أن استمرار استهداف مأرب يعكس إدراك جماعة الحوثيين للأهمية المتزايدة للمدينة، باعتبارها ورقة عسكرية وسياسية قادرة على التأثير في موازين القوى خلال أي مواجهات مقبلة، خصوصاً في ظل موقعها كحلقة وصل بين مناطق الشمال والشرق، وما تمثله من قيمة استراتيجية في مستقبل الصراع اليمني.
المصدر: المهرية نت





