آخر الأخبار

لماذا أصبح ميناء المخا هدفًا استراتيجيًا في الحرب اليمنية؟

لماذا أصبح ميناء المخا هدفًا استراتيجيًا في الحرب اليمنية؟
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

لم يعد ميناء المخا مجرد منشأة مدنية على الساحل الغربي لليمن، بل بات جزءًا من معادلة الصراع العسكري والبحري في البلاد، بفعل موقعه القريب من مضيق باب المندب وأهميته في حركة التجارة والتموين على الساحل الغربي.

وجددت جماعة الحوثي، يوم أمس، استهدافها للميناء في تصعيد شمل قصفًا صاروخيًا وهجمات بالطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، وفق ما أفادت به مصادر محلية وعسكرية، وسط مخاوف من تداعيات هذه الهجمات على حركة الملاحة والنشاط التجاري في المنطقة.

ويكتسب ميناء المخا أهميةً استراتيجية لقربه من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فضلًا عن موقعه الذي يجعله منفذًا بحريًا مهمًا لخدمة النشاط التجاري والتموين في الساحل الغربي.

وتأتي الهجمات الأخيرة في سياق سلسلة من الاستهدافات التي طالت الميناء ومحيطه، وألحقت أضرارًا برصيفه وتجهيزاته، إلى جانب استهداف قوارب صيد وممتلكات للصيادين، وسقوط قتلى وجرحى من العاملين والمدنيين، بحسب مصادر محلية.

ومع تكرار استهداف الميناء، تبرز تساؤلات بشأن دوافع جماعة الحوثي وأهدافها من التصعيد في المخا، وما إذا كان الميناء قد تحول إلى ورقة عسكرية في صراع أوسع للسيطرة على الساحل الغربي والتأثير في حركة الملاحة والتجارة عبر البحر الأحمر، وما الذي يعنيه استمرار هذه الهجمات بالنسبة للملاحة والاقتصاد اليمني.

المخا.. هدف استراتيجي

بهذا الشأن قال الصحفي والناشط السياسي حمزة الجبيحي إن ميناء المخا بات يُشكل هدفًا استراتيجيًا في إطار التصعيد الأخير للحوثيين؛ مشيرًا إلى أن أهمية الميناء المحورية تتلخص في ثلاثة أبعاد رئيسية: هي الموقع العسكري الحساس، والقرب الجغرافي من مضيق باب المندب والملاحة الدولية، والقيمة الاقتصادية للساحل الغربي.

وأوضح الجبيحي، في تصريح لـ "المهرية نت"، أن قرب الميناء من باب المندب يمنحه ثقلًا استراتيجيًا بالغ الأهمية في تأمين الشريط الساحلي وخطوط التجارة العالمية. 

ولفت إلى أن الميناء يؤدي دورًا تجاريًا حيويًا في تنشيط حركة الصادرات والواردات، فيما تكمن أهميته العسكرية في كونه يقع بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم؛ مما يجعل استهدافه تهديدًا مباشرًا لحركة الملاحة الدولية، ورسالة قد تحوّل الساحل الغربي إلى جبهة مواجهة رئيسية. 

وأضاف أن استهداف مرفق مدني وممر ملاحي حيوي يعكس محاولة مبيّتة لعرقلة تعافي النشاط الاقتصادي وضرب أمن الملاحة في البحر الأحمر، وأن إحكام الحكومة الشرعية سيطرتها على المخا يمنحها أفضلية ميدانية واستراتيجية في التصدي للحوثيين وحماية باب المندب.

رسائل عسكرية وضغوط اقتصادية

وحول دلالات الهجمات الحوثية، أشار الجبيحي إلى أن الجماعة تسعى من خلال الرسائل العسكرية إلى إظهار قدرتها على تهديد الموانئ والمناطق المحررة، وفرض تكاليف باهظة — عسكريًا واقتصاديًا — على الحكومة الشرعية.

وتابع الجبيحي" ضرب الميناء يحقق أثرًا أوسع من استهداف المواقع العسكرية التقليدية، لكونه يطال شريانًا اقتصاديًا ومرفقًا حيويًا يُسهم في دعم مناطق الشرعية، كما يهدف الاستهداف إلى تعطيل إعادة تشغيل المخا كميناء تجاري منافس للموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وشدد الجبيحي على أن جماعة الحوثي تتحرك وفق "هدف مزدوج" يجمع بين الشقين العسكري واللوجستي؛ لمنع تحول الميناء إلى نقطة ارتكاز وإمداد للقوات الحكومية، بالتوازي مع إلحاق الضرر الاقتصادي وتعطيل الحركة التجارية، في إطار مساعيها لتوسيع دائرة الضغط على الموانئ وتهديد خطوط التجارة العالمية.

واختتم الجبيحي تصريحه بالتحذير من أن المؤشرات الميدانية الحالية توحي بتغيير وشيك في قواعد الاشتباك، من خلال نقل التصعيد بشكل مباشر نحو الموانئ والمنشآت الحيوية وخطوط الملاحة، وهو ما يُنذر بتحويل الساحل الغربي إلى جبهة أكثر سخونة ومواجهة للحوثيين بشكل مباشر.

استهداف القدرات البحرية

في السياق قال المحلل السياسي والاستراتيجي د. علي الذهب إن استهداف مدينة المخا ومناطق الساحل الغربي، بما فيها ذو باب والبرح والخوخة ومناطق أخرى في محيطها، يأتي في إطار مساعي جماعة الحوثي لتعزيز عملياتها في الساحل والبحر، ولا سيما الأنشطة المرتبطة باستهداف السفن والشحن البحري المتجه إلى المملكة العربية السعودية.

وأوضح الذهب، في تصريح لـ"المهرية نت"، أن القوات الموجودة في المخا، والتابعة للقوات المشتركة، لعبت دورًا في إحباط عدد من العمليات التي استهدفت الشحن البحري، إضافة إلى اعتراض شحنات مهربة عبر خفر السواحل، الأمر الذي يجعل التشكيل البحري الموجود في المنطقة "عائقًا كبيرًا" أمام مساعي الحوثيين لفرض حصار على السفن في البحر الأحمر.

وأضاف أن استهداف هذه القوات يهدف، من بين أمور أخرى، إلى قطع الإمدادات البحرية التي تصل إليها وتعطيل قدرتها على مواجهة الحوثيين، سواء في سياق المعركة العسكرية عمومًا أو ضمن الهدف المرحلي للجماعة المرتبط باستهداف حركة الشحن التجاري المتجهة إلى السعودية.

وأشار الذهب إلى أن الحوثيين سبق أن استهدفوا مدينة المخا وثكنات عسكرية غير معلنة، ما أسفر عن مقتل عدد من الضباط، موضحًا أن هذه المواقع ترتبط بالتشكيلات البحرية وخفر السواحل، إلى جانب مواقع حيوية تتصل بإدارة العمليات والتنظيم واللوجستيات التابعة للقوات المشتركة والمقاومة الوطنية.

وأكد أن إضعاف ميناء المخا يمثل أحد الأهداف الرئيسية للهجمات، نظرًا إلى أهميته العسكرية والأمنية، باعتباره نقطة لدعم القوات وتدفق الأسلحة والذخائر والإمدادات إليها.

ولفت إلى أن للميناء أيضًا بُعدًا اقتصاديًا، من خلال الموارد الضريبية والجمركية التي يحققها، والتي يمكن توظيفها في دعم الاستقرار في مدينة المخا والساحل الغربي، أو في تمويل المجهود العسكري.

وبيّن الذهب أن ميناء المخا يمثل كذلك مرسى لتشكيلات بحرية تابعة لخفر السواحل والقوات البحرية، مشيرًا إلى أن استهداف هذه التشكيلات والمواقع المرتبطة بها يأتي ضمن أهداف الحوثيين الرامية إلى إضعاف القدرات البحرية في المنطقة.

أبعاد عسكرية واقتصادية

وختم الذهب بالقول إن هناك "ارتباطًا وثيقًا" بين استهداف ميناء المخا والتطورات الجارية في مضيق هرمز، موضحًا أن إضعاف قدرات القوات الحكومية على الساحل وفي محيط مضيق باب المندب يمنح الحوثيين مساحة أكبر للتحكم في حركة الشحن البحري وإثارة المخاوف الأمنية قبالة المضيق.

وأضاف أن هذا الوضع قد يخدم، بصورة غير مباشرة، الموقف الإيراني في مضيق هرمز، وكذلك مسار التفاوض الجاري بين إيران والولايات المتحدة بوساطة سلطنة عُمان بشأن المضيق.

معركة على الساحل

بدوره، قال الصحفي عبدالحفيظ الحطامي إن "ميناء المخا، الواقع في الساحل الغربي؛ لا شك أنه يمثل جزءًا من المعركة الدائرة في اليمن بين جماعة الحوثي المصنفة كجماعة إرهابية وبين الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا".

وأضاف الحطامي أن " ميناء المخا ذو موقع استراتيجي ومهم في مسار المعركة الدائرة اليوم، إذ تحاول جماعة الحوثي إيقاف دوره المحوري والاستراتيجي في معركة السيطرة على الساحل الغربي.

وفي ظل عجزها عن التقدم والسيطرة على الميناء وعدم قدرتها على الوصول إليه، تسعى جاهدة، وبكل ما أوتيت من قوة، إلى إخراجه من الجاهزية الاقتصادية واللوجستية الداعمة للحكومة الشرعية".

وأوضح الحطامي، في تصريح لـ"المهرية نت"، أن «المخا تقع ضمن منطقة ذات أهمية عسكرية وجغرافية في الساحل الغربي وغربي تعز، والسيطرة عليها أو تدمير منشآتها لا شك أنه يؤثر في قدرة القوات الحكومية على استخدامها كممر تجاري ولوجستي".

وأشار إلى أن موقع ميناء المخا يجعله مرتبطًا بصورة مباشرة بحسابات السيطرة على المنطقة المحيطة بباب المندب، وهذا هو مربط الفرس؛ إذ تسعى جماعة الحوثي إلى الاقتراب أكثر من باب المندب، وتهديد الملاحة الدولية والتأثير على حركة السفن النفطية والتجارية عبر باب المندب، خدمةً لأجندات إيرانية واستهدافًا لاقتصادات الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية".

ولفت إلى أن ميناء المخا يقع على البحر الأحمر وقرب الممر الملاحي الدولي وباب المندب، وترى جماعة الحوثي أن له أهمية كبرى في معركتها بالنيابة عن إيران في استهداف اليمن والدول المجاورة له، خصوصًا أن المسافة بين الميناء والممر الدولي نحو ستة كيلومترات، وهو ما يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز كونه ميناءً محليًا.

وأكد الحطامي أن استهداف المخا كميناء يعني استهداف شريان اقتصادي للمناطق الحكومية، فالميناء يمكن أن يكون منفذًا لاستقبال البضائع والمواد التجارية والمساعدات، وربما يصبح بديلًا لميناء الحديدة الذي تسيطر عليه الحماعة الحوثية.

وأردف "جماعة الحوثي تصر على إخراج ميناء المخا من الجاهزية العملية والتشغيلية، وإضعاف نشاطه الاقتصادي والتجاري والعسكري واللوجستي في الساحل الغربي والمناطق المرتبطة به وهذا ليس مجرد احتمال نظري، بل إن الشواهد والوقائع والأحداث تؤكد ذلك".

وأشار إلى أنه" في هجوم سابق شنته الجماعة عام 2021، قالت حينها وزارة النقل اليمنية إن الاستهداف ألحق أضرارًا بمرافق الميناء ومخازن مواد غذائية، بالتزامن مع استئناف نشاطه التجاري وعودته ليكون ميناءً مهمًا لقربه من باب المندب، ليصبح ميناء المخا جزءًا من معركة السيطرة على الساحل الغربي".

وأوضح أن المخا تقع ضمن منطقة ذات أهمية عسكرية وجغرافية في الساحل الغربي، والسيطرة عليها أو تعطيل منشآتها يؤثر في قدرة الحكومة الشرعية على استخدام الساحل كممر تجاري ولوجستي، كما أن موقعها يجعلها مرتبطة بصورة مباشرة بحسابات السيطرة على المنطقة المحيطة بباب المندب".

رسائل تتجاوز الميدان

ويرى الحطامي أن " استهداف منشأة مدنية ذات أهمية اقتصادية يحمل أبعادًا سياسية، إذ يبعث برسالة سياسية إلى السلطات اليمنية والقوى الموجودة في الساحل الغربي، مفادها أن جماعة الحوثي قادرة على تهديد مشاريع إعادة الإعمار والتشغيل حتى في المناطق البعيدة عن خطوط المواجهة البرية".

وبيَّن أن "أهمية ميناء المخا لا تنبع من الميناء نفسه فقط، وإنما من المعادلة التي يمثلها: باب المندب، والملاحة الدولية، والاقتصاد، والساحل الغربي، والنفوذ السياسي والعسكري واللوجستي؛ ولهذا فإن استهدافه من قبل الحوثيين يمكن قراءته باعتباره جزءًا من صراع أوسع على النفوذ والسيطرة على الساحل اليمني، وليس مجرد هجوم على منشأة مرفئية".

مخاوف من شلل الميناء

وحذر الحطامي من أن "اكتفاء الجانب الحكومي والقوات الموجودة هناك بحدود الفعل والتصدي للهجمات يضاعف من مشكلة تدمير البنية التحتية للميناء وإخراجه عن الجاهزية والإضرار بمصالح المواطنين، وقد تتشكل منطقة رخوة تتمكن من خلالها جماعة الحوثي من النفاذ إلى احتلال الميناء مرة أخرى، في حال المضي في مسار التصريحات وردود الفعل المؤقتة".

وتابع" إذا ما أرادت الحكومة اليمنية أن تحسم معركة الساحل وتبعد خطر عودة سيطرة الحوثيين على ما تبقى من جنوب الحديدة وغرب اليمن، فعليها انتهاز الفرصة والظروف المحلية والإقليمية والدولية لاستعادة محافظة الحديدة وموانئها الثلاثة: الحديدة، ورأس عيسى، والصليف".

وأكد الحطامي أن الحديدة تمثل الرئة التي تتنفس من خلالها جماعة الحوثي وهي والوريد الذي يغذي اقتصادها، كما أن كثيرًا من المعارك التي تشنها الجماعة تنطلق من الحديدة، إذ تعتبر هذه المحافظة الساحلية الواقعة على البحر الأحمر قاعدة متقدمة لإيران، وممرًا لتهريب السلاح والخبراء والمخدرات".

وختم الحطامي بالقول إن " استعادة الحديدة إلى حضن الدولة كفيلة بوضع حد للسيطرة على ميناء المخا، بل هي استعادة للدولة، باعتبار أن الحديدة تمثل العصب الحيوي لبقاء الحوثيين، وقطع هذا العصب يعني إضعاف وإطالة أمد وجود هذه الجماعة، وبالتالي بتر أحد أهم أذرع إيران في جنوب الجزيرة العربية".

المصدر: المهرية نت