عودة الاغتيالات.. ضربات ممنهجة تستهدف العقول والرموز في عدن بأوامر خارجية

في تطور أمني لافت، أعادت حادثة اغتيال التربوي والقيادي في حزب الإصلاح، الدكتور عبدالرحمن الشاعر، صباح أمس الأول، إلى الواجهة ملف الاغتيالات في مدينة عدن، بعد فترة من التراجع النسبي لهذه الجرائم التي طالما أرّقت المشهد الأمني في العاصمة المؤقتة.
وقد تم اغتيال الشاعر، رئيس مجلس إدارة مدارس النورس الأهلية، برصاص مسلحين مجهولين أثناء توجهه للمشاركة في فعالية تعليمية مرتبطة بالروبوت والذكاء الاصطناعي في مديرية المنصورة، في حادثة أثارت صدمة واسعة في الأوساط التربوية والاجتماعية.
وبحسب مصادر محلية، فقد أطلق مسلحون يستقلون سيارة النار عليه بشكل مباشر أمام بوابة المدرسة، قبل أن يلوذوا بالفرار، وجرى نقل الشاعر إلى المستشفى بعد الحادثة، إلا أنه فارق الحياة متأثرا بإصابته.
وأشارت المصادر إلى أن الأجهزة الأمنية باشرت التحقيق في الواقعة، وفرضت طوقا أمنيا في محيط موقع الجريمة، في حين تتواصل عمليات البحث لتعقب المتورطين وكشف ملابسات الحادثة.
في السياق أعلنت الأجهزة الأمنية في عدن يوم أمس، الأحد، إحباط مخطط إرهابي وتفكيك خلية كانت تعتزم تنفيذ سلسلة اغتيالات تستهدف شخصيات اجتماعية ودينية، في محاولة لزعزعة الاستقرار.
وبحسب وكالة سبأ الرسمية، فقد أفاد مصدر أمني أن العملية جاءت بعد رصد دقيق أسفر عن القبض على عدد من العناصر وضبط أدلة مرتبطة بأنشطتهم، مشيرا إلى أن التحقيقات الأولية ترجح ارتباط الخلية بعدد من الحوادث الإجرامية الأخيرة، بما في ذلك حادثة اغتيال رجل الأعمال عبدالرحمن الشاعر، مع استمرار التحقيقات لتحديد المسؤوليات بشكل دقيق.
إرث الاغتيالات يعود للواجهة
اغتيال الشاعر ليست الجريمة الأولى من نوعها في عدن؛ فقد شهدت المدينة منذ أواخر عام 2015، وتحديدا بعد فترة وجيزة من استعادة المدينة من سيطرة الحوثيين، سلسلة من جرائم الاغتيال التي استهدفت شخصيات عسكرية وأمنية ودينية، أبرزها اغتيال محافظ عدن، اللواء جعفر محمد سعد، في ظل ضعف مؤسسات الدولة، وتعدد التشكيلات العسكرية والأمنية الخارجة عن الأطر الرسمية والمدعومة من قبل أطراف خارجية وقتذاك.
وبعد أن خضعت عدن لسيطرة المجلس الانتقالي المنحل عام 2019م، تصاعدت وتيرة الاغتيالات بشكل لافت، ما دفع جهات حقوقية وقانونية إلى توجيه الاتهام لشخصيات في المجلس الانتقالي وإلى تشكيلات مسلحة تابعة له بالتورط في عمليات الاغتيال.
وعززت هذه الاتهامات تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة الصادر في يناير 2019، والذي أشار إلى اغتيالات استهدفت عددا من علماء الدين والناشطين السياسيين وقيادات حزبية، في ظل غياب المساءلة وضعف المنظومة القضائية والأمنية آنذاك.
كسر روح الأمل
وكانت التطورات الأخيرة قد بعثت قدرا من التفاؤل بإمكانية استعادة الاستقرار، في ظل تحولات سياسية وأمنية اعتبرها كثيرون فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز فاعلية الأجهزة الأمنية وضبط المشهد العام؛ غير أن حادثة اغتيال الشاعر أعادت إلى الأذهان سلسلة الاغتيالات السابقة، وأثارت حالة من القلق، انعكست على مستوى ثقة الشارع بالوضع الأمني في المدينة.
ويرى مراقبون أن عودة مثل هذه الحوادث في عدن قد ترتبط بعوامل وأبعاد إقليمية تسعى إلى تقويض جهود الحكومة وإرباك مسار التعافي الأمني، لا سيما في ظل المتغيرات التي مثلها نفوذ المجلس الانتقالي خلال الفترة الماضية.
خلية مفككة وأسئلة مفتوحة
بهذا الشأن قال الصحفي إبراهيم الجحدبي إن حادثة اغتيال الدكتور عبدالرحمن الشاعر تعيد تسليط الضوء على بنية الأمن في عدن كمرآة تعكس اختلالات مركبة في إدارة المشهد الأمني وتوازناته.
وفي حديثه للمهرية نت أشار الجحدبي إلى أن ما جرى لا يمكن فصله عن سياق ممتد من العمليات التي استهدفت رموزا مؤثرة، وهو ما يعزز فرضية أن المدينة لا تزال تعاني من استقرار هش قابل للاهتزاز مع أي اختراق نوعي.
وأوضح الجحدبي أن الاغتيالات في عدن تتجاوز منطق الجريمة الجنائية إلى منطق الضربات الممنهجة التي تستهدف العقول والرموز؛ منبها إلى أن استهداف شخصية أكاديمية أو دينية أو اجتماعية لا يعني إزاحة فرد فقط، بل تفريغ المجتمع من مرجعياته المؤثرة.
واعتبر أن جريمة اغتيال الشاعر تدل على استمرار الأيادي التي ما تزال تعمل في الخفاء وتخدم أجندات خارجية، والهدف من وراء هذه الجريمة إلى جانب تصفية شخصية لها ثقلها، هو كسر الروح المعنوية التي كانت قد بدأت تنتعش في الأشهر الأخيرة، من أجل إيصال رسالة مفادها أن الوضع الأمني لا يزال كما كان في السابق.
ولفت إلى أن المنظومة الأمنية حاضرة بعدن، ولكن حضورها الشكلي أكبر بكثير من حضورها الفعلي؛ فالحضور الأمني المكثف في الشارع يقابله ضعف في العمق الاستخباراتي، الأمر الذي جعل منفذي الجريمة يتحركون بحرية وأريحية.
وأردف: "المتابع لمسلسل الاغتيالات في عدن سيرى أنه نمط متكرر من حيث استهداف شخصيات ذات تأثير مجتمعي (ديني، أمني، أكاديمي)، وكذلك تنفيذ الاغتيال يعتمد على الرصد الدقيق وسرعة الانسحاب، ثم غياب الكشف الحاسم للجناة في كثير من الحالات، وتسييس بعض الملفات الأمنية، الأمر الذي يعيق الوصول للحقيقة، ويعزز ثقافة الإفلات من العقاب".
رسائل اختبار للردع
ويرى الجحدبي أن هذه الجريمة لا تؤكد بالضرورة عودة مسلسل الاغتيالات إلى العاصمة المؤقتة بقدر ما تكون رسائل ضمنية لاختبار قدرة الأجهزة الأمنية على الردع، لكن التعامل مع هذه الجريمة سيحدد ما إذا كانت الاغتيالات ستعود أم لا؛ فإذا حسم الأمر وتمت ملاحقة الجناة ومحاسبتهم فستكون رسالة ردع لكل من تسول له نفسه الإقدام على أي جريمة، أما إذا حصل تماه ومماطلة كما حدث في كثير من جرائم الاغتيال السابقة، فستكون هذه الجريمة قد فتحت الباب أمام المزيد من الاغتيالات وسفك الدماء.
واختتم الجحدبي مشددا على أن : "معالجة هذه القضية لا تكمن في تكثيف الانتشار العسكري فقط، بل في توحيد القرار الأمني وبناء غرفة عمليات مشتركة، وإعادة هيكلة العمل الاستخباراتي ليكون استباقيا لا تفاعليا، بالإضافة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة لكسر ثقافة الإفلات من العقاب، وبناء شراكة حقيقية مع المجتمع لاستعادة الثقة".
تحذير من مخاطر كبيرة
في السياق، قال الصحفي عبد الله المنيفي، رئيس تحرير موقع "الإصلاح نت" إن: "اغتيال القيادي الإصلاحي والشخصية التربوية الدكتور عبدالرحمن الشاعر ينذر بمخاطر كبيرة في حال لم تقم الجهات المعنية، ولا سيما الأجهزة الأمنية، بدورها في كشف وملاحقة الجناة وتقديمهم للعدالة وضبط الأمن".
وأوضح المنيفي لـ"المهرية نت" أن الوضع الأمني في عدن وحضرموت وغيرها من المحافظات الجنوبية أصبح أفضل بكثير مما كان عليه قبل أربعة أشهر.
ولفت إلى أن تطبيع الأوضاع العسكرية والأمنية انعكس بشكل إيجابي على الحالة الأمنية، وهذا بفضل الجهود المبذولة، وبدعم ومساندة الأشقاء في المملكة، فقد لمس الناس هذا الأمر جنبا إلى جنب مع تحسن الخدمات، وهذا ما دفع البعض لمحاولة زعزعة الأمن وإعادة الخوف في الأوساط.
ونبه إلى أن هذه الحادثة تشير إلى نمط الاغتيالات السابقة، وهي سلسلة طويلة من جرائم الاغتيال والتصفيات وتعتبر جرائم إرهابية، أزاحت الستار عن جانب منها ومن يقف وراءها، تقارير حقوقية وأمنية وإعلامية، وقد استهدفت قيادات سياسية وأخرى قيادات ميدانية في المقاومة كان لها الدور الأبرز في تحرير عدن من مليشيا الحوثي.
وأشار المنيفي إلى وجود جهات لا تزال تعبث بالأمن؛ إذ لم ترق لها الإجراءات الحاسمة التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي، والتي أعادت الأمور إلى نصابها وقطعت الطريق أمام مشاريع العنف والفوضى والتفتيت، وهذه كانت قد هددت بعودة الإرهاب بلا مواربة.
وأضاف أن هناك أطرافا متضررة من الإجراءات التي اتخذها مجلس القيادة الرئاسي لإعادة ضبط الأوضاع، وهي اليوم تسعى إلى إعادة إنتاج الفوضى عبر تنشيط العنف، مستفيدة من خطاب تحريضي يسهم في تغذية التوترات الأمنية.
وشدد المنيفي على ضرورة اتخاذ القيادة السياسية والحكومة إجراءات أكثر حزما لمنع عودة موجة الاغتيالات، وتعزيز دور الأجهزة الأمنية في مواجهة التهديدات، بما يضمن ترسيخ الأمن والاستقرار، والحفاظ على ما تحقق من مكاسب بدعم الأشقاء في المملكة العربية السعودية.
يد الإمارات العابثة
بدوره قال الناشط السياسي والإعلامي، بدوي الجبل المنصوري إن الإمارات ترعى الإرهاب في جنوب اليمن، وهي تزعم دائما في وسائل الإعلام أنها تقاتل الإرهاب وأن مناطق جنوب اليمن تسيطر عليها الجماعات الإرهابية، وأنها تقوم نيابة عن المجتمع الدولي بمحاربة القاعدة وداعش والجماعات المتطرفة الإرهابية.
وأوضح المنصوري أن الإمارات تقول إن قواتها مستهدفة من القاعدة وداعش والإخوان، وهذا ما يؤكد تواجدها وسيطرتها على مناطق جنوب اليمن ومنابع الثروات المعدنية والثروات النفطية والغازية، وتفتح المجال لمليشياتها لبسط نفوذها على جنوب اليمن.
ويجيب المنصوري عن التساؤلات التي تطرح حول إمكانية قبول قيادات جنوبية بالانخراط في الأعمال الإرهابية والاغتيالات بقوله: "تلك القيادات تم استقطابها في ظروف معيشية صعبة، ومنحت امتيازات وسلطات واسعة، كما أنه يتم اختيارها بعناية، وغالبا ما يتم تعبئتها بخطاب يركز على مواجهة حزب الإصلاح".
واعتبر المنصوري أن الجهات المدعومة إماراتيا لم تقدم أدلة ملموسة على ما تعلنه من ضبط أو تصفية عناصر إرهابية.
وتابع : "سبق أن تحديناهم أن يكشفوا عن عنصر واحد من العناصر الإرهابية التي يقولون في إعلامهم إنهم قاموا باعتقالهم أو اغتيالهم، ولكنهم في كل مرة يتهربون من السؤال".
المصدر: المهرية نت





