آخر الأخبار

بين الردع والصفقة... كيف يفكك الخبراء مشهد التصعيد الحوثي الأخير؟

بين الردع والصفقة... كيف يفكك الخبراء مشهد التصعيد الحوثي الأخير؟
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

تشهد الساحة اليمنية تصعيداً عسكرياً متزامناً مع تحولات إقليمية قد تفتح الباب أمام مسارات تفاوضية جديدة، وسط تقديرات بأن جماعة الحوثي تسعى إلى استثمار التطورات للوصول إلى تفاهم مع السعودية، في وقت تتحدث فيه تحليلات عن احتمال طرح ملف الجماعة ضمن أي تفاهمات بين واشنطن وطهران. وفي المقابل، يرى خبراء عسكريون أن ردود القوات الحكومية على التصعيد الحوثي، رغم اتساع نطاقها وتطور قدراتها، لا تزال بحاجة إلى الانتقال من سياسة الرد إلى المبادرة واستهداف مراكز القيادة والسيطرة، بينما يعتبر محللون سياسيون أن التطورات الميدانية الأخيرة أحدثت صدمة داخل جماعة الحوثي وقلّصت من تفوقها العسكري.

مفاوضات واشنطن وطهران تقلق الحوثي

وقال الباحث الأول في مركز صنعاء للدراسات، عبد الغني الإرياني، إن جماعة الحوثي تعمل وفق خطة تهدف أساساً إلى الوصول إلى اتفاق مع السعودية على غرار التفاهمات التي جرت عام 2023.

وأضاف الإرياني، في تصريح لبرنامج «التاسعة» على قناة «المهرية»، أن مؤشرات انتهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران والاتجاه نحو المفاوضات تثير قلق الحوثيين، لافتاً إلى أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران قد يتناول ملف ما وصفها بـ«أذرع إيران» أو حلفائها في المنطقة.

وأوضح أن إيران لديها ثلاثة حلفاء رئيسيين في المنطقة، هم العراق ولبنان واليمن، معتبراً أن اليمن «أقلها أهمية» بالنسبة لطهران، رغم الأداء العسكري الذي أظهره الحوثيون خلال الحرب.

وأشار إلى أن الحوثيين يسعون في نهاية المطاف إلى التوصل إلى تفاهم مع السعودية، نظراً لأهمية الرياض بالنسبة للاقتصاد اليمني، خصوصاً في ظل وجود ملايين العمال اليمنيين في المملكة وتحويلاتهم المالية.

وحول تعامل السعودية مع التصعيد الحوثي، قال الإرياني إن الجماعة بدأت باستهداف مواقع «ليست ذات حساسية كبيرة»، بهدف الإبقاء على قنوات التواصل مع الرياض وعدم تجاوز ما وصفه بـ«الخط الأحمر» الذي قد يدفع السعودية إلى التخلي عن التفاهمات واللجوء إلى الخيار العسكري.

وأضاف أن الحوثيين، وبعد عدم حصولهم على رد سعودي على استفزازاتهم السابقة، اتجهوا إلى التصعيد في الداخل بهدف دفع الرياض إلى طاولة المفاوضات، محذراً من إمكانية استمرار التصعيد وصولاً إلى حرب شاملة إذا لم تستجب السعودية لمطالب الجماعة، لكنه استبعد أن تستجيب الرياض لهذا المسار.

وقال الإرياني إن السعودية تدرك احتمال تقديم إيران تنازلات خلال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بشأن ملف الحوثيين، وهو ما قد يمنح الرياض لاحقاً فرصة للتفاوض مع الجماعة من «مركز قوة»، في مقابل وجود الحوثيين في «مركز ضعف».

واستشهد بمفاوضات الملف النووي الإيراني في فيينا عام 2021، قائلاً إن طهران عرضت حينها على واشنطن التدخل للمساعدة في حل الأزمة اليمنية، وهو ما اعتبره تنازلاً إيرانياً يتعلق بالملف اليمني.

وأوضح أن الولايات المتحدة رفضت آنذاك التفاوض على ملفات أخرى خارج الملف النووي، بسبب اختلاف الظروف الإقليمية، لكنه أشار إلى أن المعطيات الحالية مختلفة، مستشهداً بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن استعداده للتفاوض حول ثلاثة ملفات.

استعادة الردع

ميدانياً، قال الخبير العسكري الدكتور محمد المقابلة إن زيادة وتيرة العمليات التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية تأتي في سياق الرد على التصعيد الحوثي في عدد من الجبهات، لكنها لا تزال، من الناحية العسكرية، ضمن إطار «استعادة الردع والدفاع النشط».

وأضاف المقابلة، في تصريح لبرنامج «التاسعة»، أن معظم العمليات المعلنة تبدو ردود فعل على هجمات الحوثيين وليست مبادرات عسكرية تستهدف أهدافاً استراتيجية في عمق المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وأوضح أن غالبية الضربات تتركز على أهداف موضعية في خطوط التماس أو خلايا ومواقع محدودة، معتبراً أن ذلك يعكس ضعفاً في منظومة القيادة والسيطرة واختيار الأهداف، إلى جانب محدودية القدرات الاستخباراتية في تحديد الأهداف النوعية.

وأكد حاجة القوات الحكومية، بحسب تقديره، إلى الوصول إلى مراكز القيادة والسيطرة الرئيسية التابعة للحوثيين في الجبهات التي تشهد تصعيداً، معتبراً أن استهداف تلك المراكز يمكن أن يعطل إصدار الأوامر وتوجيه العمليات وتوزيع النيران.

وأشار إلى أن الضربات الموضعية لا تلغي التهديد أو تخففه بالشكل الكافي، في حين أن استهداف مراكز القيادة والسيطرة المسؤولة عن إدارة المحاور قد يؤدي إلى إرباك قدرة الجماعة على إصدار الأوامر وتوجيه النيران، ولو لفترة محدودة.

ولفت المقابلة إلى أن استمرار الهجمات الحوثية بصورة متتالية ومنسقة قد يشجع الجماعة على التمادي، في ظل غياب ردود عسكرية مماثلة من حيث الوتيرة والمستوى، محذراً في الوقت ذاته من خطورة استهداف المناطق السكنية والأعيان المدنية.

وقال إن استهداف المدنيين لا يمكن تبريره عسكرياً، معتبراً أن اللجوء إلى هذه الهجمات يهدف، وفق تقديره، إلى الضغط على الحاضنة الشعبية للحكومة اليمنية.

وختم بالقول إن ما ينقص جبهة القوات المسلحة اليمنية هو «المبادرة»، معتبراً أن استمرار التصعيد الحوثي دون ردع يستهدف مراكز القيادة والسيطرة يمنح الجماعة مساحة لمواصلة هجماتها دون كلفة عسكرية كافية.

وبحسب هذه التقديرات، تتقاطع التطورات السياسية والعسكرية في اليمن عند مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في سعي الحوثيين إلى توظيف التصعيد للضغط باتجاه تفاهم مع السعودية، والثاني في محاولة القوات الحكومية تطوير قدرتها على الردع والمواجهة، وسط ترقب لما قد تفضي إليه أي مفاوضات محتملة بين واشنطن وطهران وانعكاساتها على الملف اليمني.

المصدر: قناة المهرية