المحرمي والزبيدي يعيدان خطاب الانفصال من بوابة "الجيش الجنوبي".. هل يعود مشروع تفكيك الدولة إلى الواجهة؟

أعاد رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، عيدروس الزبيدي، وعضو مجلس القيادة الرئاسي عبدالرحمن أبو زرعة المحرمي، إحياء خطاب "الجيش الجنوبي" في رسالتين متزامنتين بمناسبة الذكرى الـ55 لتأسيس جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، في خطوة أثارت انتقادات واسعة وتساؤلات بشأن إعادة طرح المشروع الانفصالي، ومستقبل المؤسسة العسكرية، ومسار توحيد التشكيلات المسلحة تحت مظلة الدولة اليمنية.
وجاءت تصريحات الرجلين في وقت تشهد فيه الساحة اليمنية تصعيدًا عسكريًا وسياسيًا، بينما لا تزال جهود توحيد القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة (من الحوثيين) تواجه تحديات مرتبطة بتعدد مراكز النفوذ والولاءات.
وفي منشور له بالمناسبة، قال المحرمي إن قوات ما وصفها بـ"القوات المسلحة الجنوبية" تمثل إرثًا من التضحيات والانتصارات، مؤكدًا ضرورة مواصلة بنائها وتطويرها، فيما شدد على أهمية توحيد قيادتها ورفع جاهزيتها.
ورغم أن المحرمي يشغل منصب عضو في مجلس القيادة الرئاسي، فإن حديثه عن بناء وتطوير قوات عسكرية تحت مسمى "القوات المسلحة الجنوبية" أثار تساؤلات حول مدى انسجام هذا الخطاب مع مسار توحيد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإنهاء حالة تعدد التشكيلات ومراكز القرار العسكري.
ولم يقتصر الأمر على خطاب المحرمي، إذ نشر الزبيدي، بالتزامن، رسالة مماثلة أحيا فيها ذكرى تأسيس ما سماه "الجيش الجنوبي"، متحدثًا عن إرثه العسكري والتاريخي، ومؤكدًا مواصلة بناء وتطوير القوات المسلحة الجنوبية.
واعتبر مراقبون أن تزامن الخطابين، وتشابه مضامينهما، يعيدان إلى الواجهة المشروع السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي المنحل، خصوصًا في ظل بقاء تشكيلات عسكرية تحمل هوية وقيادة منفصلة عن المؤسسة العسكرية التابعة للدولة والحكومة اليمنية.
خطابان متزامنان
وجاءت تصريحات المحرمي والزبيدي في توقيت لافت، إذ تتزامن مع تحركات سياسية وميدانية مرتبطة بمستقبل التشكيلات العسكرية في الجنوب، ومع دعوة أتباع الانتقالي المنحل إلى حشد جماهيري في عدن وحضرموت تحت شعار "مليونية الجيش الجنوبي".
ويرى منتقدون أن الجمع بين الخطاب السياسي الداعي إلى التمسك بـ"القوات المسلحة الجنوبية" والتحركات الجماهيرية في الشارع يتجاوز إحياء ذكرى عسكرية، ويعيد طرح قضية الهوية العسكرية والسياسية للجنوب كعنوان للصراع على النفوذ.
وفي هذا الشأن، يقول الكاتب الصحفي أحمد الشلفي إن الجنوب لا يزال يُستخدم ساحة لتصفية الحسابات، مشيرًا إلى أن الدعوة إلى الاحتشاد تأتي في ظل استمرار التصعيد، وتتضمن رسائل تتعلق برفض دمج القوات الجنوبية تحت وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة اليمنية والتمسك بهويتها وقيادتها المستقلة.
وأضاف أن هذه المعطيات تطرح تساؤلات حول ما إذا كان التحرك محاولة لإعادة تثبيت المشروع السياسي والعسكري للانتقالي واستعادة زمام المبادرة في الجنوب، في وقت تنشغل فيه الحكومة والقوى الداعمة لها بمواجهة الحوثيين.
وأشار الشلفي إلى أن أهمية التوقيت تكمن في أن فتح جبهة سياسية أو عسكرية داخل الجنوب قد يؤدي إلى إعادة توزيع القوات والاهتمام والغطاء السياسي والعسكري، بعيدًا عن المواجهة مع الحوثيين، في وقت لم تكتمل فيه عملية توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة الدولة بصورة نهائية.
انتقادات لتعدد الجيوش والرايات
وأثارت تصريحات المحرمي والزبيدي موجة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، ركزت في معظمها على خطورة إعادة إنتاج خطاب عسكري قائم على المناطقية، في وقت يفترض فيه أن تتجه القوى المناهضة للحوثيين نحو توحيد مؤسسات الدولة والقرار العسكري والحفاظ على وحدة وسيادة اليمن.
وقال الناشط صادق الصبري إن المحرمي ظهر بخطاب يقترب من خطاب الانفصال، معتبرًا أن طرح "القوات المسلحة الجنوبية" يتقاطع مع ما يطرحه الزبيدي، ويعيد الانقسام إلى الواجهة.
ورأى الصبري أن تزامن خطاب الرجلين يعكس، من وجهة نظره، تقاربًا في الرؤية المدعومة من الإمارات تجاه مستقبل القوات العسكرية في جنوب البلاد، منتقدًا ما وصفه بمحاولات الإمارات تفتيت اليمن وإعادة إنتاج الانقسامات المناطقية.
من جانبه، انتقد الصحفي أشرف عبدالغني الفلاحي ما وصفه بالتناقض في خطاب المحرمي، قائلًا إن تياره "يحرّم العمل السياسي ويشيطنه"، بينما يواصل، بحسب تعبيره، تبني خطاب سياسي يؤدي إلى "تفكيك اليمن".
أما سيف الحاضري، فربط بين تصريحات المحرمي والجهود الرامية إلى توحيد التشكيلات المسلحة اليمنية، معتبرًا أن ظهور قيادات عسكرية مرتبطة بتشكيلات تحمل شعارات انفصالية يبعث برسائل متناقضة مع توجهات مجلس القيادة الرئاسي بشأن توحيد القوات.
وقال الحاضري إن استمرار تعدد التشكيلات والرايات ومراكز القرار داخل معسكر الحكومة يصب، من وجهة نظره، في مصلحة الحوثيين، لأنه يبقي خصوم الجماعة منقسمين ويحول دون تشكيل مؤسسة عسكرية موحدة.
وأضاف أن استمرار هذا المشهد يضع تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي والجهود السعودية الرامية إلى توحيد القوات أمام اختبار حقيقي، متسائلًا عما إذا كانت هذه التوجهات ستتحول إلى واقع مؤسسي ملزم لجميع الأطراف.
يأتي الخطابين في وقت تمثل فيه قضية دمج القوات وتوحيد القرار العسكري واحدة من أبرز الملفات المطروحة أمام مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، خصوصًا في ظل تعدد التشكيلات العسكرية والأمنية وتباين ولاءاتها.
ويذهب منتقدون إلى أن استمرار الحديث عن "القوات المسلحة الجنوبية" بوصفها كيانًا مستقلًا، بالتوازي مع المطالبة بقيادة منفصلة، لا ينسجم مع مشروع بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، بل قد يعيد إنتاج الانقسام الذي أضعف مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية.
ويكتسب خطاب الزبيدي والمحرمي أهمية إضافية بسبب توقيته، إذ يأتي بينما تخوض القوات الحكومية مواجهة مفتوحة مع جماعة الحوثيين، في وقت يفترض أن تكون فيه الأولوية لتوحيد الجبهة الداخلية والمؤسسة العسكرية.
ويرى منتقدون أن إعادة طرح مصطلح ما يسمى بـ "الجيش الجنوبي" في هذه المرحلة قد تفتح مجددًا صراعًا على النفوذ والقيادة داخل معسكر الشرعية المناهض للحوثيين، ويعيد ملف الانفصال إلى صدارة المشهد السياسي والعسكري من جديد.
وبينما يقدم الزبيدي خطابه لإحياء مشروع الانفصال بعد تراجع نفوذه وفراره إلى خارج البلاد، يثير ظهور المحرمي، باعتباره عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، أسئلة أكبر بشأن حدود التوافق داخل المجلس ومدى التزام مكوناته بمشروع الدولة اليمنية الموحدة وتوحيد المؤسسة العسكرية.
المصدر: المهرية نت + مصادر مفتوحة





