آخر الأخبار

العليمي يرفض هدنة جديدة.. هل تنتقل الحكومة من إدارة الحرب إلى فرض شروط السلام؟

العليمي يرفض هدنة جديدة.. هل تنتقل الحكومة من إدارة الحرب إلى فرض شروط السلام؟
 
تقرير خاص
شارك الخبر:

في ظل تصاعد المواجهات على عدة جبهات يمنية، وتراجع فرص العودة إلى مسار الهدنة التي أفضت إليها المباحثات الأممية والدولية في عام 2022، تتجه الحكومة اليمنية إلى تبني خطاب أكثر شدة تجاه أي ترتيبات جديدة لوقف إطلاق النار، خصوصًا بعد سلسلة من التصعيدات التي نفذتها جماعة الحوثي خلال الفترة الماضية.

وكانت الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2022 قد أسهمت في خفض حدة العمليات العسكرية، قبل أن تنتهي رسميًا في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، فيما استمر انخفاض مستوى التصعيد العسكري بدرجة كبيرة خلال الفترة اللاحقة، رغم عدم التوصل إلى اتفاق سلام شامل.

ومؤخرًا، بدأ المشهد يأخذ منحى مختلفًا مع عودة التصعيد، وصولًا إلى التطورات الأخيرة في أواخر يونيو/حزيران الماضي، حين أعلنت جماعة الحوثي ما وصفته بـ"معادلة الحصار مقابل الحصار" تجاه السعودية، وما رافق ذلك من تحركات عسكرية في عدد من الجبهات الداخلية.

ومع تمدد التوتر إلى خمسة محاور، هي: صعدة ومأرب والحديدة وتعز والضالع، كشفت الحكومة اليمنية عن تطورات في قدراتها العسكرية، من بينها امتلاك واستخدام طائرات مسيرة، بالتزامن مع تأكيدات رسمية بشأن تماسك القرار السياسي والعسكري، وهو ما يبدو أنه يدفعها إلى إعادة النظر في مقاربتها السابقة للهدن ومسار التسوية.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، الأربعاء الماضي، أن "الحكومة اليمنية لا تؤيد الدخول في هدنة جديدة"، في موقف يعكس تحولًا لافتًا في الخطاب الرسمي من إدارة حالة الهدوء المؤقت إلى المطالبة بتسوية تفضي إلى سلام دائم وفق شروط واضحة.

وقال العليمي، خلال خطاب موسع أمام ممثلي المؤسسات الإعلامية اليمنية الرسمية والمحلية، إن الحكومة لا تؤيد هدنة جديدة أو اتفاقًا لوقف إطلاق النار، وإنما تسعى إلى "سلام دائم ومستدام"، يقوم على دولة تحتكر السلاح والسيادة، ولا وجود فيها لمليشيات خارج إطار مؤسساتها.

واعتبر العليمي أن موقف الدولة اليمنية اليوم "مختلف تمامًا" عن المراحل السابقة، في ظل ما وصفه بـ"وحدة داخلية وجبهة سياسية وعسكرية متماسكة، والتفاف شعبي متنامٍ، وتحول إقليمي ودولي جوهري في فهم طبيعة التهديد الذي تمثله جماعة الحوثي".

وأوضح العليمي أن "القوات المسلحة باتت تخضع لغرفة عمليات واحدة وتحت قيادة القائد الأعلى للقوات المسلحة واللجنة العسكرية العليا"، مؤكدًا أن الحكومة لن تقبل باستمرار أي عمل حوثي دون رد أو ردع متكامل.

وفي رسالة وصفها بـ"الأخيرة" إلى جماعة الحوثي، قال العليمي إن الفرصة ما تزال متاحة أمامها لإلقاء السلاح والتحول إلى حزب سياسي، والتنافس عبر صناديق الاقتراع على قدم المساواة مع بقية اليمنيين، مؤكدًا أن "اليمن يتسع للجميع تحت سقف الدولة والقانون".

ويفتح هذا الموقف الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة المرحلة المقبلة، وهل باتت الحكومة اليمنية ترى أن الظروف السياسية والعسكرية تسمح لها بالانتقال من إدارة الحرب والقبول بالهدن إلى محاولة فرض شروطها على طاولة السلام؟ وهل يمثل موقف العليمي تحولًا حقيقيًا في استراتيجية الحكومة؟

خيارات صفرية أنتجها التصعيد

وتعليقًا على ذلك، يرى المحلل السياسي ياسين التميمي أنه "لا يمكن الفصل بين الموقف المتشدد للرئيس رشاد العليمي وبين التوجهات السعودية الجديدة التي تنطلق من الحاجة إلى إنهاء التهديد الحوثي وامتداداته الإقليمية واحتمالاته الفوضوية".

وأضاف لـ"المهرية نت": "السلطة الشرعية كانت ترضخ للتسويات والهدن المفروضة من الرعاة والوسطاء، والتي كانت غالبًا تنتج عن السلوك العسكري للحوثيين ومن ورائهم إيران وميليشياتها، وتواطؤ القوى الدولية النافذة".

وتابع: "كان بوسع السعودية حينها إعادة التموضع، إما كوسيط أو شريك تفاوضي".

واعتبر التميمي أن الوضع اليوم مختلف تمامًا، فالشرعية تتعرض للهجوم، والسعودية تتعرض لحصار بحري، والتفكير في التسويات والهدن والمكافآت لم يعد متاحًا بسبب الخيارات الصفرية التي أنتجتها المغامرات العسكرية للحوثيين وإيران في الساحة اليمنية والإقليم.

الحرب والسلام بيد السعودية

بدوره، يقول رئيس منتدى السلام عادل الحسني، إن "قرار إعلان الحرب أو السلام بيد الرياض؛ فإن أرادت السعودية الحرب ستندلع، وإن أرادت السلام فستعلن السلام، وتصريحات العليمي لا تقدم ولا تؤخر إذا لم توافق السعودية عليها".

وأضاف لـ"المهرية نت" أن "الوضع حاليًا يمر بمرحلة من التصعيد، والرياض تريد استخدام ورقة الشرعية في الجبهات الداخلية حتى يخف الضغط عنها، خاصة أن جماعة الحوثي استهدفت منشآتها ومطارها وسفنها".

وأوضح الحسني أن "السعودية تريد أن توحي للعالم بأن الخلاف محصور في الداخل اليمني، وأنه ليس لديها مشكلة في اليمن، مع أن المشكلة الحقيقية تكمن اليوم في استهداف منشآتها ونفطها ومصالحها".

التصعيد يبعد فرص السلام

في ذات السياق، يقول رئيس مركز  "هنا عدن" للدراسات الاستراتيجية، أنيس منصور، إن:" إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي رفض أي هدنة جديدة يأتي في ظل تحولات وتطورات جديدة في المشهد اليمني، ومن الصعب على الحكومة فرض مسار السلام وفق الشروط التي تريدها في ظل هذه المتغيرات".

وأضاف منصور لـ"المهرية نت" أن:" الموقف الحكومي اليمني لا يمكن فصله عن الموقف السعودي، مشيرًا إلى أن التصعيد الذي جرى ضد المملكة قوبل بتصعيد من جانب الحكومة والشرعية، أعقبته مواجهات ومعارك على عدد من الجبهات".

وتابع" جماعة الحوثي نقلت المعركة من مواجهة أعلنتها ضد السعودية إلى معركة ميدانية على الجبهات اليمنية، وأن التصعيد الحالي في المخا ومأرب وغيرها لا يمهد لجولة جديدة من المفاوضات، وإنما يقود، وفق تقديره، إلى عملية عسكرية وعودة أوسع للمواجهات".

وأشار منصور إلى أن الحكومة اليمنية لا تستطيع فرض السلام الذي تريده من دون امتلاك أوراق ضغط عسكرية تدفع الحوثيين إلى تقديم تنازلات، وفي الوقت ذاته الموقف السعودي في هذه المرحلة لا يزال غير واضح بصورة كاملة".

وأوضح أن الأيام الأخيرة شهدت تحولًا في اتجاه المواجهة، إذ تراجع الاستهداف المباشر للسعودية، مقابل انتقال جزء أكبر من المعركة إلى الساحة اليمنية، معتبرًا أن هذا التحول يمثل أحد المتغيرات المهمة التي قد تنعكس على طبيعة العمليات العسكرية المقبلة.

وأفاد بأن تطور القدرات العسكرية لدى الحكومة اليمنية، والمتمثل في امتلاكها واستخدامها الطيران المسيّر لتنفيذ عمليات هجومية استهدفت مواقع وتجمعات تابعة لجماعة الحوثي في عدد من المناطق، يضيف متغيرًا جديدًا إلى طبيعة المواجهة.

وأردف أن هذه التحولات تجعل خطاب السلام والتهدئة أقل حضورًا في المرحلة الراهنة، في ظل استمرار المعارك في مناطق من بينها البرح والمخا وغيرها.

ولفت منصور إلى أن جماعة الحوثي قد تسعى إلى توسيع نطاق وجودها، أو أنها تتعامل مع احتمال شن عملية عسكرية باتجاه الحديدة، باعتبارها جزءًا من مساعي إخضاعها للسلام وفق الشروط التي تطرحها السعودية.

وأكد منصور أن السلام يظل الحل، مشيرًا إلى أن الشرعية تبدو معولة على الإمكانات السعودية، في وقت لا تزال فيه مآلات المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات عدة.

ويطرح منصور احتمالين رئيسيين لمستقبل المرحلة؛ أولهما أن تتمكن القوات الحكومية من تحقيق تقدم ميداني وكسب مواقع جديدة، والثاني أن تتغير موازين القوى لمصلحة الحوثيين في ظل طبيعة الحرب القائمة على الكر والفر، بما قد يدفع الجماعة، وفق تقديره، إلى محاولة السيطرة على أجزاء من الساحل الغربي.

وفي ختام حديثه، يؤكد منصور الأهمية الاستراتيجية للساحل الغربي، لارتباطه بباب المندب والبحر الأحمر، وامتداد شريطه الساحلي من مناطق داخل الحديدة وصولًا إلى ميناء المخا، ما يجعل أي تغير في السيطرة عليه ذا تداعيات عسكرية واستراتيجية واسعة.

تراجع خطاب الحوثيين

في المقابل، شهد خطاب جماعة الحوثي خلال الأيام الماضية تراجعًا لافتًا في حدة التصعيد تجاه السعودية، مع بروز إشارات جديدة إلى الانفتاح على الحوار والتفاوض.

وأعلن المتحدث باسم الجماعة ورئيس وفدها المفاوض، محمد عبدالسلام، يوم الثلاثاء الماضي، أن الجماعة تواصل اتصالاتها ولقاءاتها مع أطراف إقليمية ودولية، مؤكدًا أنها "لم تغلق باب الحوار والتفاوض".

وفي اليوم التالي، دعت وزارة الخارجية التابعة للجماعة السعودية إلى اتخاذ "قرار شجاع وحكيم" لوقف ما تصفه بالعدوان ورفع الحصار، معتبرة أن الطريق إلى السلام لا يزال ممكنًا، في تحول واضح عن اللغة الحادة والتهديدات التي طبعت خطاب الجماعة خلال الأسابيع الماضية.

ويرى مراقبون أن تخفيف حدة خطاب الحوثيين قد يرتبط بالموقف الحكومي الأكثر حزمًا، وما تحظى به الحكومة من دعم التحالف، إلى جانب التطورات العسكرية التي تعزز قدرتها على إعادة صياغة المعادلة، في ظل الضغوط المفروضة على جماعة الحوثي برًا وبحرًا.

ويضع التصعيد الأخير الطرفين أمام معادلة جديدة؛ فالحكومة تبدو أكثر تمسكًا بشروط تتجاوز الهدن المؤقتة نحو سلام يستند إلى مؤسسات الدولة، بينما تشير مواقف الحوثيين الأخيرة إلى رغبة في إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة.

وبين تشدد المواقف وتراجع حدة الخطاب، ستظل فرص التسوية مرتبطة بمدى قدرة الأطراف على ترجمة مواقفها إلى تفاهمات عملية تنهي الحرب وتضع أساسًا لسلام مستدام يحفظ وحدة اليمن وسيادته.

المصدر: المهرية نت