العزلة تحاصر سقطرى... رحلات معلقة وتكاليف متصاعدة ومخاطر تهدد المسافرين

تتواصل معاناة سكان أرخبيل سقطرى جراء تعثر حركة النقل الجوي، في ظل إلغاء رحلات الخطوط الجوية اليمنية للأسبوع الثاني على التوالي، الأمر الذي أعاد فتح ملف العزلة الجغرافية التي تعيشها الجزيرة، وكشف حجم اعتماد سكانها على الرحلات الجوية بوصفها وسيلة التنقل الأكثر أماناً للوصول إلى بقية المحافظات اليمنية.
وفي ظل غياب البدائل الآمنة والمنتظمة، وجد عشرات المسافرين من أبناء سقطرى أنفسهم عالقين في مدينة الغيضة بمحافظة المهرة، بعد إلغاء الرحلات المقررة، وسط أعباء مالية ومعيشية متزايدة نتيجة اضطرارهم إلى تمديد إقامتهم في الفنادق وتحمل تكاليف إضافية، فضلاً عن تعطل مصالحهم الشخصية والأكاديمية والعلاجية.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المسافرين العالقين، بل تمتد إلى شريحة واسعة من سكان الأرخبيل، الذين يعتمدون على الرحلات الجوية في تنقلاتهم إلى المحافظات الأخرى، خصوصاً المرضى والطلاب والموظفين، في ظل محدودية خيارات السفر وصعوبة الوصول إلى الجزيرة براً.
رحلة أسبوعية تتحول إلى شريان حياة
تمثل الرحلة الجوية الأسبوعية التي تشغلها الخطوط الجوية اليمنية حلقة وصل أساسية بين سقطرى والبر اليمني، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للأرخبيل وطبيعة تضاريسه وافتقاره إلى منافذ برية تربطه ببقية المحافظات.
ومع توقف هذه الرحلة، يجد السكان أنفسهم أمام خيارات محدودة، أبرزها الانتظار إلى حين استئناف الرحلات، أو اللجوء إلى النقل البحري عبر قوارب ومراكب صيد غير مخصصة لنقل الركاب، ولا تتوافر فيها في كثير من الأحيان متطلبات السلامة والأمان.
وقد تسببت رحلات بحرية غير آمنة في حوادث غرق مأساوية خلال فترات سابقة، ما يجعل السفر جواً الخيار الأكثر أماناً بالنسبة إلى كثير من أبناء الجزيرة، خصوصاً مع اضطراب الأحوال البحرية والمخاطر المرتبطة بالإبحار في قوارب غير مجهزة.
وبذلك، لا يمثل إلغاء الرحلات مجرد اضطراب في جدول الطيران، وإنما أزمة تمس حق السكان في التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية، وتعيد فرض العزلة على أرخبيل يعتمد بصورة كبيرة على هذا المنفذ الحيوي.
أزمة متراكمة وغياب التخطيط
وفي حديثه لـ«المهرية نت»، قال الأكاديمي السقطري الدكتور أحمد الرميلي إن أزمة النقل الجوي في الأرخبيل ليست وليدة اللحظة، بل تمثل نتيجة تراكمات سنوات من الإهمال وغياب التخطيط والمعالجات المستدامة، في ظل عدم وجود استراتيجية واضحة تضمن استمرارية حركة النقل الجوي وتلبي احتياجات السكان.
وأوضح الرميلي أن المواطن السقطري يواجه صعوبات كبيرة في الحصول على تذكرة سفر، فضلاً عن ارتفاع أسعارها، ليجد نفسه في نهاية المطاف أمام مفاجأة إلغاء الرحلة، رغم ما يكون قد رتبه من التزامات ومواعيد مرتبطة بموعد سفره.
وأضاف أن إلغاء الرحلات يضع المسافرين أمام معاناة مضاعفة، إذ يضطر بعضهم إلى البقاء في الفنادق وتحمل تكاليف الإقامة والمعيشة لفترات غير محددة، بينما يجد آخرون أنفسهم مضطرين إلى التفكير في السفر بحراً، رغم المخاطر التي تحيط بهذا الخيار.
وأشار إلى أن تداعيات الأزمة لا تتوقف عند الجوانب المالية، بل تمتد إلى المرضى الذين يحتاجون إلى السفر لتلقي العلاج، والطلاب الملتحقين بالجامعات والمعاهد، إضافة إلى الأكاديميين والموظفين الذين ترتبط أعمالهم والتزاماتهم بمواعيد محددة خارج الأرخبيل.
وطالب الرميلي مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ووزارة النقل بالتدخل العاجل ووضع معالجات جذرية تضمن انتظام الرحلات الجوية، وتخفف من تكاليف التذاكر، وتمنع تكرار حالات الإلغاء التي يدفع المواطن السقطري ثمنها بصورة مباشرة.
أسعار مرتفعة ورحلات لا تلبي الاحتياج
من جانبه، أكد سليمان محمد، أحد أبناء محافظة سقطرى، في حديثه لـ«المهرية نت»، أن سكان الأرخبيل يعانون من ارتفاع أسعار تذاكر الخطوط الجوية اليمنية، رغم محدودية الرحلات المتاحة، مشيراً إلى أن توقف الرحلات للأسبوع الثاني على التوالي ضاعف معاناة المسافرين وأربك حياتهم اليومية.
وأوضح أن الخطوط الجوية اليمنية، باعتبارها شركة وطنية حكومية، يفترض أن تضطلع بمسؤوليتها في توفير خدمات نقل مستمرة ومنتظمة وبأسعار مناسبة، لا سيما للمناطق التي تفتقر إلى البدائل، وفي مقدمتها أرخبيل سقطرى.
ولفت إلى أن الرحلة الأسبوعية الواحدة لا تفي بالاحتياجات الفعلية لسكان الجزيرة، في ظل تزايد الطلب على السفر، خصوصاً من قبل الطلاب والمرضى والحالات الطبية الحرجة، فضلاً عن المواطنين الذين يتابعون أعمالهم ومصالحهم في عدد من المحافظات.
وتساءل عن كيفية تلبية احتياجات السكان في ظل محدودية الرحلات الجوية، ثم توقفها لأسبوعين متتاليين دون توفير حلول بديلة تضمن استمرار حركة المسافرين وتحد من الأضرار المترتبة على ذلك.
كما أشار إلى أن أسعار التذاكر المفروضة على أبناء سقطرى تمثل عبئاً إضافياً، خصوصاً عند مقارنتها بخيارات التنقل المتاحة لسكان المحافظات الأخرى، الذين يستطيعون الاستفادة من المنافذ والطرق البرية، بينما يظل سكان الأرخبيل معتمدين بصورة أساسية على النقل الجوي والبحري.
وأكد أن هذه الخصوصية الجغرافية تفرض على الجهات المعنية وشركة الطيران التعامل مع سقطرى باعتبارها حالة استثنائية تتطلب خدمات نقل منتظمة ومراعاة للظروف المعيشية للسكان، بدلاً من إخضاعهم لظروف تجعل التنقل أمراً مكلفاً ومحفوفاً بالمخاطر.
المرضى والطلاب في مواجهة العزلة
وتبرز التداعيات الإنسانية للأزمة بصورة أكبر لدى المرضى الذين يحتاجون إلى مغادرة الجزيرة لتلقي العلاج في المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة، إذ يمكن أن يؤدي تأخر السفر إلى تعقيد أوضاعهم الصحية، خصوصاً في الحالات التي تتطلب تدخلاً طبياً عاجلاً.
كما يواجه الطلاب السقطريون الملتحقون بالجامعات والمعاهد في المحافظات الأخرى صعوبات متزايدة، نتيجة تعطل سفرهم وتأخرهم عن الدراسة والاختبارات والالتزامات الأكاديمية، في وقت لا يمتلك فيه كثير منهم القدرة على تحمل تكاليف إقامة إضافية أو البحث عن وسائل نقل بديلة.
وتتجاوز الأزمة كذلك المسافرين العالقين في الغيضة، لتشمل الأسر التي تنتظر عودة أبنائها، والموظفين الذين تعطلت أعمالهم، والمواطنين الذين ترتبط مصالحهم بمواعيد محددة خارج الأرخبيل.
وفي ظل هذه الظروف، يتحول إلغاء رحلة جوية واحدة إلى أزمة تمتد آثارها لأيام، وربما أسابيع، بسبب غياب شبكة نقل بديلة قادرة على استيعاب حركة السكان بصورة آمنة ومنتظمة.
حلول مؤقتة لا تنهي الأزمة
وتكشف أزمة توقف الرحلات عن هشاشة منظومة النقل التي تربط سقطرى ببقية المحافظات، وعن الحاجة إلى تجاوز المعالجات المؤقتة التي لا تضمن استمرارية الخدمة، والانتقال إلى حلول مؤسسية طويلة الأمد.
ويضع ذلك الحكومة ووزارة النقل والخطوط الجوية اليمنية أمام مسؤولية مباشرة لتوفير جدول رحلات ثابت يتناسب مع الكثافة السكانية والاحتياجات الفعلية للأرخبيل، إلى جانب زيادة عدد الرحلات وعدم الاكتفاء برحلة أسبوعية لا تلبي حجم الطلب.
كما تبرز الحاجة إلى مراجعة أسعار التذاكر، ووضع آلية تراعي خصوصية الجزيرة والظروف الاقتصادية لسكانها، مع اعتماد ترتيبات واضحة للتعامل مع حالات إلغاء الرحلات، بما يضمن حماية المسافرين من الخسائر المالية وتوفير بدائل مناسبة لهم.
ويظل تطوير منظومة النقل البحري الآمن أحد الخيارات التي يمكن أن تسهم في تخفيف الاعتماد الكامل على الطيران، شريطة توفير سفن مجهزة لنقل الركاب، والالتزام بمعايير السلامة البحرية، وإنشاء خطوط منتظمة تربط الأرخبيل بالموانئ اليمنية.
سقطرى خارج حسابات المعالجات
وتعيد أزمة إلغاء الرحلات الجوية إلى الواجهة قضية العزلة التي يعاني منها أرخبيل سقطرى، في ظل غياب البدائل الآمنة، وضعف الخدمات الأساسية المرتبطة بالنقل والتنقل.
وبالنسبة إلى سكان الجزيرة، لم يعد انتظام الرحلات الجوية مطلباً خدمياً عادياً، بل ضرورة ترتبط بحياتهم اليومية وحقهم في العلاج والتعليم والعمل والتواصل مع بقية المحافظات.
وبين مسافرين عالقين في الغيضة، ومرضى ينتظرون فرصة للسفر، وطلاب يخشون ضياع عامهم الدراسي، تبقى المعاناة مفتوحة على مزيد من التداعيات، ما لم تتحرك الجهات المعنية لوضع حلول عملية تضمن استمرارية النقل وتمنع تحويل الموقع الجغرافي لسقطرى إلى عبء إضافي على سكانها.
ففي جزيرة لا تملك طرقاً برية تربطها بالداخل اليمني، يصبح انتظام الرحلات الجوية ضرورة لا تحتمل التأجيل، وتتحول مسؤولية توفيرها من مجرد خدمة تجارية إلى التزام وطني وإنساني تجاه سكان أرخبيل سقطرى.
المصدر: المهرية نت





