الحوثيون يخففون حدة الخطاب تجاه السعودية.. هل يمهدون للعودة إلى الحوار؟

تكشف مواقف سلطة الحوثيين خلال اليومين الماضيين عن تحول لافت في نبرة الخطاب السياسي تجاه السعودية، مع انتقال واضح من لغة التصعيد والتهديد التي طبعت خطاب الجماعة خلال الأسابيع الماضية، إلى لغة فيها إشارات إلى انفتاح على الحوار والاتصالات والبحث عن تسوية.
ففي الثلاثاء 11 أغسطس/آب الجاري، أعلن محمد عبدالسلام، المتحدث باسم الجماعة ورئيس وفدها المفاوض، أن جماعته تواصل "اتصالاتها ولقاءاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية".
وأوضح أن الجماعة "لم تغلق باب الحوار والتفاوض"، متهما السعودية بأنها الطرف الذي يرفض الحوار.
وفي اليوم التالي، قدمت وزارة الخارجية التابعة لحكومة الحوثيين خطابا أكثر ليونة تجاه الرياض، إذ قالت إنها "تشجع النظام السعودي على اتخاذ قرار شجاع وحكيم" بكف ما وصفته بالعدوان ورفع الحصار وإنهاء ما سمته "الأنشطة غير المشروعة" في اليمن، معتبرة أن هذا القرار "غير مكلف" وأن آثاره ستكون إيجابية على البلدين.
وتكتسب هذه العبارات أهمية أكبر عند مقارنتها بخطاب الجماعة خلال مرحلة التصعيد الأخيرة، والذي اتسم بحدة شديدة تجاه السعودية، واستخدمت فيه أوصافا من قبيل "النظام السعودي المجرم" و"النظام السعودي الغاشم" و"العدوان الغاشم"، إلى جانب عبارات التهديد والوعيد والتأكيد على أن التصعيد سيستمر حتى تحقيق ما تطرحه الجماعة من مطالب.
هذا التحول لا يتعلق فقط بالمضمون السياسي للبيانين، وإنما يظهر بوضوح في المفردات التي اختارت الجماعة استخدامها عند مخاطبة السعودية.
فبدلا من توصيفها بصورة متكررة باعتبارها طرفا "مجرما" و"غاشما" حسب ادعاءاتها، باتت وزارة الخارجية في صنعاء تتحدث الآن عن "قرار شجاع وحكيم"، وتدعو إلى "طريق السلام"، فيما يتحدث عبدالسلام عن "الحوار" و"التفاوض" و"الاتصالات" و"اللقاءات".
دعوة إلى قرار شجاع
فبدلا من التهديد والوعيد، دعت وزارة خارجية الحوثيين السعودية إلى اتخاذ "قرار شجاع وحكيم"، مع حديثها عن أن القرار "غير مكلف" وأن آثاره ستكون إيجابية على البلدين، في نبرة تكشف عن تراجع لافت في حدة الخطاب أو التصعيد.
أما محمد عبدالسلام، فقد اختار في اليوم السابق لغة مشابهة، عندما أكد أن جماعته لم تغلق باب الحوار والتفاوض، وتحدث عن اتصالات إقليمية ودولية.
كما اتهم السعودية برفض الحوار، بما يعني أن الجماعة تحاول في الوقت نفسه إبقاء باب التفاوض مفتوحا وتحميل الطرف الآخر مسؤولية عدم فتحه، خصوصا أن الهجمات الحوثية المتكررة داخل اليمن وفي السعودية والبحر الأحمر لم تحقق أي تأثير فعلي، كما لم تؤد إلى إثارة ردود أفعال من قبل المملكة، ما جعل الجماعة تبدو في حيرة.
وعلى الرغم من تعديل نبرة الخطاب، حرصت الجماعة على توجيه رسائل لأنصارها بأنها متمسكة بمطالبها التي تسميها انتزاع الحقوق، وفي الوقت ذاته أرسلت رسائل متعددة للخارج تشير إلى الحوار وأن تصعيدها لا ترغب في استمراره.
ومن هنا يمكن قراءة الموقفين باعتبارهما رسالة سياسية مزدوجة: للداخل، لا يوجد تراجع عن الموقف العسكري والسياسي؛ وللخارج والسعودية، لا يزال باب الحوار مفتوحا وأن التصعيد ليس مستداما.
ويأتي هذا التحول بعد أسابيع من التصعيد الحوثي ضد السعودية والسفن المرتبطة بها، وهو تصعيد قدمته الجماعة باعتباره وسيلة للضغط على الرياض وإجبارها على تغيير موقفها لصالح صغوط الجماعة.
ماذا حقق التصعيد حتى الآن؟
يأتي ذلك وسط تساؤل أنصار الحوثيين حول جدوى تصعيدهم وماذا حققت الجماعة من خطواتها حتى الآن.
واللافت أنه لا توجد مؤشرات علنية على أن السعودية قدمت تنازلات جوهرية استجابة للهجمات، بينما أدى التصعيد إلى زيادة الضغوط السياسية والدولية على الحوثيين، خصوصا مع إدانة الهجمات التي استهدفت السعودية والسفن التجارية ومرافق حيوية في اليمن والسعودية.
ومن هنا يمكن أن تكون الجماعة قد بدأت إعادة تقييم جدوى التصعيد العسكري في تحقيق أهداف سياسية مباشرة. فالهجمات قد تكون قادرة على إحداث أضرار ورفع مستوى المخاطر، لكنها لا تعني بالضرورة قدرة الجماعة على إجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات خصوصا في ظل تغير لافت بموقف المعسكر الحكومي الذي أصبح أكثر وحدة وتماسكاً من أي وقت مضى.
وهذا ربما قد يفسر عودة لغة الحوار من قبل الحوثيين في هذا التوقيت بنبرة أقل حدة عن السابق.
فإذا لم يتحول الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية واضحة، فإن إبقاء الباب مفتوحا أمام التفاوض يصبح وسيلة لتجنب تحول التصعيد إلى مواجهة طويلة ذات كلفة مرتفعة، كما يوفر للجماعة فرصة للحصول على مكاسب سياسية عبر المسار التفاوضي بدلا من الاعتماد على القوة وحدها.
البحث عن مخرج
التحول الحالي في خطاب الحوثيين يمكن قراءته باعتباره محاولة للبحث عن مخرج سياسي من مرحلة التصعيد، من دون أن تضطر الجماعة المتحالفة مع إيران إلى تقديم هذا التحول أمام جمهورها باعتباره تراجعا أو هزيمة.
وقد يكون الهدف هو الوصول إلى صيغة تسمح لها بالقول إنها تمكنت عبر التصعيد من فرض العودة إلى طاولة الحوار، في حين تستطيع السعودية تقديم أي تفاهمات مستقبلية باعتبارها نتيجة لمسار سياسي وليس استجابة لتهديدات الحوثيين.
وتبقى الأيام المقبلة حاسمة في تحديد طبيعة هذا التحول. فإذا استمرت لغة الحوار والاتصالات، وتراجعت في البيانات المقبلة أوصاف مثل "المجرم" و"الغاشم" و"العدوان الغاشم"، وظهرت إشارات إلى وساطة أو لقاءات جديدة، فسيكون ذلك مؤشرا أقوى على إعادة تموضع سياسي من قبل الجماعة المسيطرة على العاصمة صنعاء وعدة محافظات منذ عام 2014 .
أما إذا استمرت لغة الحوار بالتزامن مع تصعيد عسكري أكبر، فسيكون التفسير الأقرب أن الجماعة تستخدم الحوار كأداة لإدارة التصعيد وليس بديلا عنه.
المصدر: المهرية نت





