اليمن أكبر من أن يكون مجرد قطعة أرض!

تيسير السامعي
الوطن – في جوهره – هو الإنسان؛ هو أنا وأنت، هو نحن وأنتم.
في عالم تتنازعه الأفكار وتتباين فيه المعتقدات وتختلف الرؤى، يبقى الاختلاف سنةً إلهية لا يمكن تجاوزها ولا تعطيلها. فمن طبيعة البشر أن يتنوعوا في فهمهم وميولهم وقناعاتهم، ولذلك لا يمكن – ولا ينبغي – أن يجتمع الناس كافة على رأي واحد أو فكرة واحدة. غير أنّ ثمة قضية كبرى يمكن أن تتقاطع عندها كل هذه الاختلافات، قضية يتوحّد حولها المختلفون، ويتجاوز عندها المتنازعون خلافاتهم… إنها قضية الوطن.
لكنّ الوطن، كما نريده ونتمناه، ليس مجرد قطعة أرض أو حدود جغرافية مرسومة على الخرائط. الوطن – في جوهره – هو الإنسان؛ هو أنا وأنت، هو نحن وأنتم. الإنسان الذي يمنح الأرض هويتها، ويحوّل التراب إلى معنى، والحدود إلى قصة حياة. فلا وطن بلا إنسان يشعر بالانتماء، ولا أرض تثمر دون من يسكنها ويصونها ويؤمن بها.
على هذه الأرضية الإنسانية يمكن أن ننطلق لبناء وطن يتسع للجميع، وطن لا يُقصي ولا يُهمّش، وطن يحفظ كرامة الإنسان ويحترم اختلافاته، ويضع العدالة والمساواة وسيادة القانون أساسًا في إدارة الدولة والمجتمع. فالدولة القوية ليست التي تُسكت الأصوات، بل التي تصغي لها؛ وليست التي تُخيف مواطنيها، بل التي تمنحهم الأمان؛ وليست التي تسعى لفرض لون واحد، بل التي تحتضن كل الألوان.
إنّ إقامة دولة النظام والقانون ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لبقاء الوطن واستقراره واستمراره.
حين يعيش الأفراد بحرية ومسؤولية، وحين يثق المواطن بأن القانون يحميه ولا يستهدفه، وحين يشعر بأن صوته مسموع وأن وجوده مُعترف به… عندها فقط يمكن للوطن أن ينهض، وأن يتّسع للجميع.
وفي زمن تتعاظم فيه التحديات وتتسارع فيه التحولات، يصبح الرهان الأكبر هو الإنسان: وعيه، وكرامته، وحريته، وقدرته على أن يكون شريكًا في صناعة المستقبل. فالوطن الحقيقي لا يُبنى بالحجارة وحدها، بل ببناء الإنسان القادر على حمل قيم المواطنة والمشاركة والمسؤولية.
فلنختلف كما نشاء في الأفكار، لكن فلنتفق جميعًا على الوطن… الإنسان قبل الأرض، والكرامة قبل الجغرافيا، والمواطنة قبل الانتماءات الضيقة. هكذا فقط يمكن أن نصنع وطنًا يستحق الحياة، ويستطيع الجميع العيش فيه، لا مجرد البقاء على أرضه.
المصدر: مصادر مفتوحة

