الحرب العبثية والاتفاق النووي

عوض باقوير
الاتفاق النووي الإيراني مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى الموقع عام ٢٠١٥ جاء لينقذ المنطقة من اندلاع حرب كارثية لا ضرورة لها، وقد بذلت الدبلوماسية العمانية جهودًا مضنية على مدى سنوات خاصة خلال أعوام ٢٠١٣ و٢٠١٤ حتى جولة مسقط قبل الأخيرة والتي تو
الاتفاق النووي الإيراني مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى الموقع عام ٢٠١٥ جاء لينقذ المنطقة من اندلاع حرب كارثية لا ضرورة لها، وقد بذلت الدبلوماسية العمانية جهودًا مضنية على مدى سنوات خاصة خلال أعوام ٢٠١٣ و٢٠١٤ حتى جولة مسقط قبل الأخيرة والتي توجت بالتوقيع على الاتفاق النووي في فيينا عام ٢٠١٥.
السؤال الأهم: ماذا لو تم الإبقاء على هذا الاتفاق النووي الإيراني الذي يقيد إيران في مجال التخصيب إلى درجة متدنية تقل عن ٤ في المائة علاوة على وجود تفتيش دوري على المفاعلات النووية الإيرانية من قبل وكالة الطاقة الذرية، ولم تكن هناك معضلة فيما يخص حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز وتم رفع بعض العقوبات الاقتصادية عن إيران مع الإفراج عن عدة مليارات من الدولارات لصالح إيران هي أساسا أموال إيرانية، ومن خلال الاتفاق النووي عام ٢٠١٥ جنبت الدبلوماسية العمانية ذات المصداقية العالية والنزاهة والحياد المنطقة والعالم كوارث الحرب، وهي ليست فقط عسكرية، ولكنها اقتصادية واجتماعية.
واستفاق العالم عام ٢٠١٨ على انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من خلال إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني باعتباره اتفاقا سلبيا، ولا يخدم المصالح الأمريكية، وليس اتفاقا منصفا، وعلى ضوء ذلك الانسحاب تحررت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من القيود الصارمة المفروضة على نسب التخصيب، وكان مضيق هرمز مفتوحا للملاحة البحرية، وكانت التجارة وآلاف السفن والناقلات تمر بكل يسر وسهولة عبر المضيق الذي تتقاسم سيادته بلادنا سلطنة عمان والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ومع تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن الاتفاق رغم التصديق عليه من مجلس الأمن الدولي دخلت المواجهة الإيرانية الأمريكية منحنى متشددا من خلال تحريض رئيس الحكومة المتطرفة في الكيان الصهيوني، ودخلت المنطقة في مناخ من عدم الاستقرار والتوتر، وواصلت الدبلوماسية العمانية دورها لتخفيف التصعيد من خلال علاقاتها المميزة مع كل دول العالم بهدف العودة إلى الاتفاق أو إجراء حوار إيراني أمريكي بهدف تعديل بعض نصوص الاتفاق لمنع المواجهة العسكرية بين الجانبين. وجاءت إدارة بايدن عام ٢٠٢٠ حيث شهد العالم انتشار جائحة كورونا التي تصدرت المشهد الصحي في العالم، ودفع ملايين الناس أرواحهم بسبب ذلك الفيروس الخطير، وبعد سنتين مع ظهور اللقاحات الطبية تراجع تأثير الفيروس، وتنفس العالم الصعداء.
ودخل العالم مجددا في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ مواجهة كبيرة بين المقاومة الفلسطينية ممثلة في حركة حماس وبقية الفصائل الأخرى في مواجهة عسكرية شلت الكيان الإسرائيلي، وشهد العالم قيام إسرائيل بعمل إبادة جماعية وانتهاكات خطيرة ضد الشعب الفلسطيني استشهد خلالها أكثر من ٧٥ ألف إنسان معظمهم من الأطفال والنساء، وتدمير البنية الأساسية لقطاع غزة، ليشهد العالم وحدة الساحات؛ حيث انضم حزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله في اليمن وحزب الله العراقي وعدد من الجماعات المسلحة إلى مساندة حركة حماس، وهنا دخلت المنطقة منعطفا خطيرا في إطار تنفيذ المشروع الصهيوني العالمي الذي تلقى ضربة موجعة من خلال فشل الآلة العسكرية والمساندة الأمريكية في كسر المقاومة لمدة عامين حتى تم وقف إطلاق النار وفق آليات لا تزال غير فاعلة.
ومع قيام إدارة ترامب بضرب عدد من المفاعلات النووية الإيرانية دخلت المنطقة في مناخ خطير. وفي ظل تحريض نتنياهو وحكومته المتطرفة أصبحت الأمور في غاية التعقيد، ومرة أخرى تبذل الدبلوماسية العمانية جهودا كبيرة من خلال المفاوضات في مسقط وروما وجنيف، وكانت الأمور على وشك النجاح، وفي لحظات فارقة غير محسوبة شنت الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني هجوما عسكريا كبيرا كان يهدف في المقام الأول إلى تصفية القيادات العسكرية والمدنية والمرشد في إيران، وتغيير النظام الإيراني، وتنصيب نظام موال للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.
وفي حال نجاح هذا المخطط تكون خطة الشرق الأوسط الجديد جاهزة للتنفيذ من خلال التطبيع مع الدول العربية والإسلامية وسيطرة الكيان الصهيوني على المنطقة من خلال التمدد الجغرافي، كما ظهر في خريطة إسرائيل الكبرى كما اظهرها رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو. ودخلت المنطقة معتركا خطيرا من خلال اتساع الحرب والهجمات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جانب والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جانب آخر مع دخول حزب الله الحرب.
وفي تصوري أن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب خسرت الحرب على الصعيد الاستراتيجي، وهذا تحليل عدد من المفكرين والعسكريين في الولايات المتحدة الأمريكية، والسبب يعود إلى فشل تحقيق الأهداف الأساسية، وفي مقدمتها تغيير النظام الإيراني علاوة على الفشل في فتح مضيق هرمز الذي وجدت فيه إيران ورقة استراتيجية كبرى غيرت موازين المواجهة العسكرية، ودخل العالم في مفترق طرق.
إن التوقيع على مذكرة التفاهم يعد أمرا إيجابيا لإنهاء الصراع والتوصل بعد ٦٠ يوما إلى اتفاق نووي قد لا يختلف كثيرا فيما يخص الأسس والآليات فيما يخص التخصيب والرقابة النووية، ورفع العقوبات الاقتصادية، والأصول الإيرانية، وهي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات. على ضوء ذلك هل كانت هناك ضرورة للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام ٢٠١٥؟ وهل اندلاع الحرب الكارثية كان ضرورة للولايات المتحدة الأمريكية والمنطقة والعالم؛ حيث لا تزال تأثيرات إغلاق مضيق هرمز تتواصل رغم انخفاض أسعار الطاقة؟ وما الكلفة التي سوف تتحملها دول المنطقة جراء الهجمات الصاروخية والمسيرات والتي جاءت من أماكن معلومة وبعضها مجهولة، وكان لإسرائيل الدور الأكبر في إشعال تلك الحرب؟.
ومن المفارقات أن الكيان الصهيوني حاول إشعال الفتنة وجر دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى مواجهة عسكرية مع إيران بهدف إشعال المنطقة، ولكن قيادات دول المنطقة كانت حكيمة، فكانت هناك اتصالات خليجية إيرانية جنبت المنطقة الكثير من أهوال الحرب.
وفي تصوري أن الاتفاق النووي الإيراني الذي وقع عام ٢٠١٥ كان اتفاقا جيدا، وكان بالإمكان إجراء بعض التعديلات المحدودة، وهو يلبي ضرورات الأمن والاستقرار الإقليمي. ومن هنا، فإن الدروس التي أشرت إليها في مقال سابق تعد من الضرورات بعد انتهاء الحرب، كما اتضح أن الكيان الصهيوني هو أساس المشكلة، وجر الولايات المتحدة الأمريكية إلى حرب ليست حربها، وتسببت في مشكلات في الداخل الأمريكي على صعيد الرأي العام والكونجرس والإعلام الأمريكي.
إن الإدارة الأمريكية حاولت بشتى الطرق إيجاد توافق سياسي مع إيران، وهذا يعود إلى متغيرات داخلية؛ حيث هناك شكوك حول حظوظ الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم، ومن هنا فإن مصلحة الحزب تقتضي إنهاء الحرب التي كانت لها تداعيات اقتصادية على الشعب الأمريكي خاصة أسعار البنزين والتضخم، وشعور الملايين في الولايات المتحدة الأمريكية بأن بلادهم تم جرها إلى حرب ليست واقعية، ولا تخدم المصالح الأمريكية، بل كانت لها تداعيات تشبه إلى حد ما موقف المملكة المتحدة خلال حرب السويس عام ١٩٥٦ والتي كانت العامل الأول لانتهاء الإمبراطورية البريطانية.
ومن هنا، فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها سوف تجعل إيران تخرج من تلك الحرب وهي قوة كبيرة، وكسبت روح وصمود الشعب الإيراني أمام أكبر قوة عسكرية في العالم كما أن ورقة مضيق هرمز أصبحت ذات أهمية استراتيجية كبرى لم تخطر على البال.
وعلى ضوء ذلك، فإن الجهود الدبلوماسية التي تبذلها سلطنة عمان وجمهورية باكستان الإسلامية ودولة قطر والآخرون سوف تسفر عن مقاربة سياسية تفضي إلى اتفاق نووي إيراني قد لا يختلف كثيرا عن اتفاق عام ٢٠١٥. ويتكرر السؤال ثانية: هل كان من الضرورة الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام ٢٠١٥؟ وماذا كسب العالم من حرب كارثية كان لها تداعيات اقتصادية وتجارية على دول المنطقة والعالم، وكرست مناخا من عدم الاستقرار وغياب الثقة؟
وعلى ضوء ذلك ينبغي الرجوع إلى أصول الدبلوماسية والحوار كأدوات ناعمة تساعد على إيجاد حلول بعيدا عن لغة القوة والتحريض الصهيوني. وكما تحدث فانس نائب الرئيس الأمريكي بأن إسرائيل لم يعد لها صديق في العالم إلا الولايات المتحدة الأمريكية في إشارة صريحة إلى كره العالم لهذا الكيان البغيض الذي أشعل الحروب في الشرق الأوسط وأثار الفتن وقتل الأبرياء وعمل على إيجاد مناخ من عدم الاستقرار والحروب والصراعات، وأمام العالم مسؤولية وقف هذا الكيان عند حده، وإيجاد الحل الشامل والعادل والمنصف للقضية الفلسطينية من خلال إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية.
المصدر: جريدة رأي عمان


